عاجل

لم يخرج الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل (Viktor Frankl، 1905–1997) من معسكرات الاعتقال النازية حاملاً في ذاكرته صور الموت وحدها، بل خرج بسؤالٍ ظل يطارده حتى نهاية حياته.  
ففي كتابه الأشهر " الإنسان يبحث عن معنى " 
(Man's Search for Meaning)، 1946، انشغل بتأمل قدرة الإنسان على الاحتفاظ بإنسانيته وسط الجحيم، لكن تجربته المريرة فتحت بابًا لسؤال آخر لا يقل إيلامًا: كيف يستطيع إنسانٌ أن يسلب إنسانًا آخر حياته ، ثم ينام قرير العين؟ وكيف يبلغ العقل البشري مرحلةً يرى فيها القتل واجبًا، والقسوة فضيلة، والرحمة ضعفًا يستوجب الاحتقار؟
ففي كل المذابح الكبرى التي عرفها التاريخ، لم يكن كثير من الجلادين يرون أنفسهم قتلةً أو مجرمين، بل كانوا، في وعيهم الذاتي، يؤدون واجبًا، أو يدافعون عن عقيدة، أو يصنعون مستقبلًا أفضل !! 
وهنا تبدأ المأساة الكبرى.
فالتاريخ لا يخبرنا أن أخطر الجرائم الإرهابية ارتكبها أشخاص عشقوا الدماء بالفطرة ، بل يخبرنا بمرارة، أن معظمها ارتكبها أناس اعتقدوا، بصدقٍ كامل، أنهم يفعلون الخير. 
ولم تبدأ الكارثة يوم وضعت المتفجرات ، ولا حين انطلقت الرصاصات، بل يوم نجحت الأيديولوجيات المتطرفة في سرقة براءة الضمير، حتى تبدلت معاني الرحمة، واختلطت الحدود بين الفضيلة والجريمة، فأصبح القتل في أعينهم عملًا نبيلًا، بينما تحول التسامح إلى خيانة، والرحمة إلى ضعف، والحوار إلى انحراف عن الطريق المستقيم.
وهذا هو أخطر الأثام التي تصنعها أوهام امتلاك الحقيقة المطلقة.
فالإنسان لا يولد قاتلًا، كما لا يولد وفي قلبه كراهيةٌ فطرية أو شهوةٌ لسفك الدماء؛ وإنما يُعاد تشكيل ضميره، طبقةً بعد أخرى، حتى يتوقف عن رؤية الإنسان في ضحيته، ويتوقف عن رؤية الجريمة في أفعاله. 
إنها عملية شديدة التعقيد، لا تبدأ بتغيير السلوك، بل بإعادة تشكيل الوعي ؛ إذ تُستبدل المعايير، ويُعاد تعريف الخير والشر، والحق والباطل، والرحمة والقسوة، حتى يصبح ما كان جريمةً بالأمس واجبًا أخلاقيًا اليوم !! 
فلا يعود السؤال في ذهن المتطرف: كيف أقتل نفسًا؟ ، بل يصبح: كيف أترك هذا الشر ( المتوهم ) يعيش؟ !! 
وهكذا ، يصبح القتل علاجًا، والترويع رسالة، والجريمة قربانًا يُقدَّم، بضميرٍ مطمئن، على مذبح الحقيقة المطلقة.
ولهذا، فإن فهم الإرهاب الحقيقي لا يبدأ من مسرح الجريمة حيث تسيل الدماء، ولا من عدِّ الضحايا أو توثيق الانفجارات، بل يبدأ من تلك اللحظة التي أُطفئت فيها أول شعلةٍ للرحمة داخل النفس، وسُرق فيها أول اعتراضٍ من الضمير، وأُقنع الإنسان – للمرة الأولى – بأن الجريمة يمكن أن تكون مقدسة، وأن القتل قد يصبح فضيلة.
محو الوجه الإنساني … حين يبدأ القتل قبل أن تُطلق الرصاصة

قبل أن يضغط المتطرف على الزناد، وقبل أن يرفع السكين للذبح ، وقبل أن يفجر نفسه وسط الأبرياء المستأمنين ، تكون الجريمة الكبرى قد وقعت بالفعل؛ لكنها لم تقع في صخب الشوارع، ولا بين ألسنة اللهب، وإنما في أكثر الأماكن هدوءًا ، داخل العقل البشري.
فالقتل ليس الخطوة الأولى في رحلة الإرهاب، بل هو المشهد الأخير في مسرحية طويلة بدأت يوم فقد القاتل قدرته على رؤية الوجه الإنساني في ضحيته.
وهنا يبرز أحد أهم فلاسفة الأخلاق المعاصرين، الأميركي ديفيد ليفينجستون سميث ( 1953 (David Livingstone Smith،  في كتابه 
" أقل من انسان : لماذا نُهين ونستعبد الآخرين " 
(Less Than Human: Why We Demean, Enslave, and Exterminate Others 2011 )
ليقدم واحدة من أكثر الأفكار عمقًا في تفسير العنف الإنساني؛ إذ يؤكد أن كل عمليات الإبادة الكبرى في التاريخ لم تبدأ بالسلاح، وإنما بدأت بعملية ذهنية دقيقة تُعرف بـ "التجريد من الإنسانية (Dehumanization)" 
فالضحية لا تُقتل بوصفها إنسانًا، بل بعد أن يُعاد تعريفها في الوعي الجمعي باعتبارها شيئًا أقل من الإنسان.
إنها لحظة مرعبة، لا تُراق فيها قطرة دم واحدة، لكنها اللحظة التي يُرتكب فيها أخطر جزء من الجريمة؛ إذ يُمحى الوجه الإنساني للضحية، ويُستبدل بصورة أخرى مشوهة، تجعل قتلها يبدو وكأنه فعل طبيعي، أو ضرورة أخلاقية، أو حتى عمل يستحق الثناء.
ولهذا، فإن الجرائم الإرهابية لا تبدأ بإطلاق الرصاص ، بل تبدأ بإطلاق الأوصاف.
هكذا، لم يكن "التوتسي" في رواندا جيرانًا عاشوا لعقود جنبًا إلى جنب مع جيرانهم "الهوتو" ، بل تحولت صورتهم في إذاعات الكراهية إلى "صراصير" ينبغي سحقها. 
ولم يكن خصوم "الخمير" الحمر في كمبوديا مواطنين يختلفون سياسيًا ، بل صُوِّروا باعتبارهم "بذورًا فاسدة" يجب اقتلاعها حتى لا تفسد المجتمع كله ، ولم يكن أهل غزة سكان أصليين يبحثون عن الخلاص بل حيوانات بشرية يجب ابادتها ، و بنفس المنطق لم يكن أبطال الجيش والشرطة المصرية حراساً للوطن والهوية ، بل طواغيت !! 
وتلك ليست حوادث متفرقة في التاريخ ، بل قانون نفسي يكاد يتكرر بالحروف نفسها داخل كل عقل متطرف.
فلا يعود المختلف في العقيدة إنسانًا يستحق الحياة، بل يصبح "كافرًا" أو "مرتدًا" مهدر الدم. 
ولا يصبح المخالف في الفكر شريكًا في الإنسانية، بل "طاغوتًا"، أو "رجسًا"، أو "عقبة" ينبغي إزاحتها من الطريق.
وهنا تتجاوز اللغة وظيفتها التقليدية ، فهي لا تعود وسيلةً لوصف الواقع ، 
بل تصبح المصنع الأول لإنتاج العنف !! 
ومن هنا نفهم لماذا تبدأ الجماعات المتطرفة دائمًا بمعركة الكلمات قبل معركة الرصاص .
إنها لا تدرب أتباعها أولًا على استخدام السلاح، بل تدربهم على إعادة تعريف الإنسان.
تزرع في عقولهم قاموسًا جديدًا، تُمحى منه أسماء الناس الدافئة وصفاتهم الإنسانية، لتحل محلها أوصاف عقائدية جامدة، لا ترى الإنسان إلا من خلال موقعه من الفكرة أو التنظيم. 
فلا يعود الآخر أبًا يحتضن أبناءه، أو أمًا تنتظر عودة طفلها، أو شيخًا أنهكته السنون، أو طفلًا يحلم بمستقبل أجمل، بل يتحول إلى "مرتد"، أو "علماني"، أو "عميل"، أو "هدف مشروع لتحقيق أمن إسرائيل " !!  
إنها لا تغيّر أسماء الأشياء فحسب 
بل تغيّر مشاعر الإنسان تجاهها !! 
وحين يكتمل هذا التحول اللغوي داخل العقل، يصبح إطلاق الرصاص مجرد خطوة تقنية باردة؛ لأن الضحية، في وعي القاتل، لم تعد إنسانًا أصلًا، بل شيئًا بلا ملامح، وبلا قصة، وبلا حق في الحياة.

قتل الضمير … حين يُعاد تعريف الخير والشر

إذا كانت المرحلة الأولى قد نجحت في تجريد الضحية من إنسانيتها، فإن المرحلة الثانية أشد خطورة؛ لأنها لا تستهدف الضحية هذه المرة، بل تستهدف القاتل نفسه.
فالإنسان، في صورته الطبيعية، يمتلك منظومة أخلاقية داخلية تمنعه من إراقة الدماء. 
الضمير ليس فكرة فلسفية مجردة، بل هو "حارس داخلي" يطلق صفارات الإنذار كلما اقترب الإنسان من إيذاء غيره. 
ولذلك فإن التنظيمات المتطرفة تدرك ، أن الطريق إلى صناعة الإرهابي لا يبدأ بتعليمه استخدام السلاح، وإنما يبدأ بإسكات هذا الحارس الداخلي حتى يتوقف عن الاعتراض.
وهنا نصل إلى أحد أهم الاكتشافات في علم النفس الأخلاقي الحديث، الذي قدمه عالم النفس الاجتماعي الأمريكي جوناثان هايدت
1963  Jonathan Haidt
في كتابه " العقل المستقيم: لماذا ينقسم الناس حول السياسة والدين؟ (The Righteous Mind: Why Good People Are     Divided by Politics and Religion)
يرى هايدت أن الإنسان لا يتخذ قراراته الأخلاقية بالعقل أولًا ثم يستدعي المشاعر لتأييدها، بل يحدث العكس تمامًا؛ إذ تتولد الأحكام الأخلاقية بصورة عاطفية متحيزة ، ثم يأتي العقل بعد ذلك ليقوم بدور المحامي الذي يبحث عن الحجج لتبرير الحكم الذي صدر بالفعل.
إن العقل - في كثير من الأحيان - لا يعمل قاضيًا ، بل يعمل محاميًا ، وهنا يكمن السر.
فالمتطرف لا يبدأ بسؤال: "هل القتل صحيح؟"، بل يبدأ بالإجابة: "القتل صحيح"، ثم يكرس حياته كلها للبحث عن النصوص والتفسيرات والرموز التاريخية التي تؤكد أنه كان محقًا منذ البداية !! 
إنه لا يبحث عن الحقيقة .. بل يبحث عن الشهود 

ولهذا تتحول النصوص الدينية أو الأيديولوجية، عنده، من أدوات للتأمل إلى أدوات للمرافعة؛ تُقتطع من سياقاتها، وتُحمّل ما لا تحتمل، وتُستدعى كلما احتاج العقل إلى جرعة جديدة من الطمأنينة الأخلاقية.
ومن هنا نفهم لماذا يبدو المتطرف، في كثير من الأحيان، شديد الهدوء بعد ارتكاب جريمته.
ويكمن أخطر ما في هذه العملية أنها لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن أخلاقه، بل تطلب منه أن يستبدلها بأخلاق أخرى، تُقاس فيها الفضيلة بمقدار الولاء والطاعة العمياء ، ويُقاس الصواب بمدى خدمة الفكرة المتطرفة ، ويُصبح الإنسان صالحًا لا لأنه أكثر رحمة، بل لأنه أكثر استعدادًا للتضحية بالآخرين من أجل الجماعة !! 
وهذا ما يفسر ظاهرة طالما حيّرت الباحثين في تاريخ العنف؛ فمعظم منفذي الجرائم الأيديولوجية الكبرى لم يكونوا مجرمين محترفين، ولا مرضى نفسيين، ولا عشاقًا للقتل من أجل القتل، بل كانوا - في وعيهم الذاتي - رجالًا ونساءً صالحين، يؤدون واجبًا أخلاقيًا ساميًا.
وهكذا يلتقي تحليل هايدت مع ما توصل إليه عالم النفس الأمريكي روي باوميستر   (  1953 (Roy F. Baumeister  1953 في كتابه : " الشر داخل العنف الإنساني  والقسوة " 
(Evil: Inside Human Violence  and Cruelty)
يؤكد باوميستر، بعد دراسة عشرات الوقائع التاريخية، أن الجناة نادرًا ما يرون أنفسهم أشرارًا ، بل إنهم، في الغالب، يعتقدون أنهم ضحايا اضطروا إلى استخدام القوة، أو مصلحون يعيدون الأمور إلى نصابها . 
إنهم لا يدخلون ساحة الجريمة وهم يهتفون: "سنرتكب شرًا" !! 
بل يدخلونها وهم مقتنعون بأنهم يقيمون عدلاً !! 
وهنا تتحول المأساة إلى دائرة مغلقة؛ فكل قطرة دم تُهراق تصبح، في نظرهم، دليلًا جديدًا على صحة الطريق، وكل مقاومة يواجهونها تُفسر باعتبارها برهانًا إضافيًا على أنهم يقفون في مواجهة "الشرك والكفر"، وكل ضحية جديدة تُقدَّم قربانًا للحقيقة المطلقة التي لا يجوز التراجع عنها.
وعندما يصل العقل إلى هذه المرحلة، يصبح الضمير قد فقد وظيفته الأساسية !! 
وهنا فقط...
تولد "الجريمة المقدسة"

تحويل الذبح إلى فضيلة .. حين يصبح القتل طقسًا أخلاقيًا

إذا نجحت الأيديولوجيا في نزع إنسانية الضحية، ثم أعادت تشكيل ضمير القاتل، فإنها تكون قد قطعت ثلاثة أرباع الطريق. 
ولم يتبقَّ سوى الخطوة الأخيرة: أن يتحول سفك الدم من فعل مباح إلى فضيلة أخلاقية، ومن وسيلة اضطرارية إلى غاية يُحتفى بها، ومن جريمة يعاقب عليها الضمير إلى شعيرة تمنح صاحبها شعورًا بالنقاء والتفوق.
وهنا يبلغ غسيل الأدمغة ذروته.
فالإنسان، بطبيعته، قد يقبل ارتكاب العنف في ظروف استثنائية دفاعًا عن نفسه أو عن وطنه، لكنه لا يحتفل به، ولا يحوله إلى معيار للتقوى، ولا يقيس به صلاح الإنسان. 
أما العقل المتطرف، فإنه يقلب هذا الميزان رأسًا على عقب؛ فيصبح الاستعداد لإراقة الدماء هو البرهان الأعلى على صدق الإيمان، بينما يتحول التردد في القتل إلى علامة ضعف، أو نقص في اليقين، أو خلل في الولاء.
وفي هذا السياق يقدم عالم النفس الأمريكي روي باوميستر في كتابه ملاحظة شديدة العمق؛ إذ يرى أن مرتكبي أبشع الجرائم عبر التاريخ نادرًا ما كانوا يتحركون بدوافع سادية ، بل كانوا يمنحون أنفسهم دائمًا دورًا أخلاقيًا ساميًا. 
إنهم لا يتخيلون أنفسهم قتلة، بل مصلحين، ولا يرون الضحايا أبرياء، بل عقبات يجب إزالتها حتى ينتصر الخير ، وتسود دولة الإيمان !! 
وهذا ما يجعل الجريمة أكثر رعبًا.
فالقاتل الذي يعرف أنه مجرم قد يتوقف يومًا تحت ضغط الضمير أو القانون، أما القاتل الذي يعتقد أنه قديس، فإنه يصبح أكثر استعدادًا لتكرار جريمته؛ لأنه لا يرى فيها خطأً يحتاج إلى تصحيح، بل فضيلة تستحق المكافأة.
ومن هنا نفهم لماذا تتشابه، على الرغم من اختلاف العصور والعقائد، لغة الجماعات المتطرفة جميعًا.
فالخوارج لم يروا أنفسهم سفاكي دماء، بل «حماة الدين». 
ومحاكم التفتيش لم تعتبر نفسها آلة تعذيب، بل مؤسسة لإنقاذ الأرواح من الضلال. 
والثورة الفرنسية، في ذروة الإرهاب اليعقوبي، لم تقدم المقصلة بوصفها أداة قتل، بل بوصفها طريقًا لتطهير الجمهورية من أعدائها. 
والنازيون لم يصفوا الإبادة بأنها جريمة، وإنما ألبسوها ثوب «التطهير العرقي». 
والجماعات الإرهابية الحديثة لا تتحدث عن التفجير، بل عن «الاستشهاد»، ولا عن الذبح، بل عن «إقامة الخلافة»، ولا عن الإرهاب، بل عن «الجهاد» 
وهنا تبرز إحدى أخطر نتائج دراسة عالم النفس الاجتماعي المجري إرفين ستاوب (    1938 Ervin Staub  ) 
في كتابه "جذور الشر: أصول الإبادة الجماعية وأشكال العنف الجماعي الأخرى " 
(The Roots of Evil: The Origins of Genocide and Other Group Violence )
حيث يؤكد ستاوب أن القتل الجماعي لا يبدأ أبدًا بقرار مفاجئ، بل بعملية تراكمية طويلة، يُعاد خلالها تعريف الخير والشر خطوة بعد أخرى، حتى يصبح العنف سلوكًا عاديًا، ثم واجبًا، ثم مصدرًا للفخر.
إن الإنسان لا يستيقظ صباحًا ليقرر أن يصبح قاتلًا ، بل يستيقظ كل يوم على جرعة صغيرة من التبرير.
وفي اليوم التالي، جرعة أخرى ، ثم أخرى.
حتى يأتي اليوم الذي تبدو فيه الجريمة شيئًا طبيعيًا، بل ضروريًا.
ولهذا فإن أخطر ما تفعله التنظيمات الإرهابية ليس أنها تعلم أتباعها كيف يستخدمون السلاح، وإنما أنها تعلمهم كيف يتوقفون عن الشعور بوخز الضمير.
ومن هنا يصبح الدم لغةً، وتغدو الجثث رسائل، ويتحول الموت إلى وسيلة تواصل بين الجماعة وأتباعها. 
فكل عملية عنف لا تُقرأ داخل التنظيم بوصفها خسارة إنسانية، وإنما بوصفها انتصارًا رمزيًا للفكرة، ودليلًا جديدًا على أن "المؤمنين الحقيقيين" ما زالوا قادرين على التضحية في سبيل قضيتهم.
وفي هذه اللحظة، لا يكون الإرهاب قد انتصر على ضحاياه فقط ،
بل يكون قد انتصر أولًا على الضمير الإنساني داخل مرتكبه.

الإرهاب بوصفه خلاصًا 
حين يتحول القاتل إلى مُخلِّص ... والجريمة إلى عبادة

إذا كانت المراحل السابقة قد انتهت بإسكات الضمير وتحويل الدماء إلى فضيلة، فإن العقل المتطرف لا يتوقف عند هذا الحد. 
فالجريمة، في وعيه، لا تبقى مجرد وسيلة لتحقيق هدف سياسي أو ديني، بل ترتقي إلى منزلة أعلى؛ إذ تصبح طريقًا إلى الخلاص، وعملًا تعبديًا يعتقد صاحبه أنه يقرّبه من الله، أو من التاريخ، أو من الثورة، أو من الأمة، بحسب المرجعية التي يتبناها.
وهنا يبلغ غسيل الأدمغة قمته.
فالإنسان الطبيعي يقتل - إن اضطر - وهو يشعر بثقل الفعل، أما الإنسان الذي أُعيد تشكيل وعيه أيديولوجيًا، فإنه يقتل وهو يشعر بالطمأنينة، وربما بالنشوة، لأنه لم يعد يرى نفسه قاتلًا، بل رسولًا يؤدي مهمة سامية.
وهذه أخطر نقطة في بنية العقل المتطرف.
إنه لا يبحث عن تبرئة نفسه...
بل لا يشعر أصلًا أنه يحتاج إلى التبرئة.
لقد تجاوز مرحلة تبرير الجريمة، إلى مرحلة تقديسها.
ومن هنا تأتي أهمية ما توصل إليه عالم النفس المجري إرفين ستاوب الذي يؤكد أن الجماعات التي ترتكب العنف الإرهابي لا تبدأ بإقناع أتباعها بأن القتل مباح، بل تبدأ بإقناعهم بأنهم يحملون رسالة إنقاذ كبرى، وأنهم وحدهم يملكون الحقيقة القادرة على تخليص المجتمع من الفساد والانحراف. وعندما تترسخ هذه القناعة، يصبح كل من يقف في طريق "الخلاص" عقبة أخلاقية ينبغي إزالتها.
ولذلك، فإن التاريخ يكشف لنا نمطًا واحدًا يتكرر بصورة تكاد تكون مدهشة.
إنها أسطورة المخلّص.
فكل جماعة متطرفة ترى نفسها آخر حصون الخير في عالم غارق في الشر - وهذه خلاصة معالم سيد قطب - ، وتتصور أن وجودها قدرٌ تاريخي، وأن رسالتها مقدسة، وأن خصومها ليسوا مجرد مخالفين، بل عقبات تعطل مشروع الخلاص الرسالي .
ومن هنا يصبح الإرهاب أكثر من مجرد ممارسة للعنف.
إنه يتحول إلى طقس يعيد إنتاج هوية الجماعة نفسها.
فالدماء هنا ليس وسيلة ضغط، بل وسيلة إثبات النسب للجماعة !! 
ولهذا فإن أخطر ما تنتجه الأيديولوجيات المتطرفة ليس الإرهابي الذي يحمل السلاح، وإنما الإنسان الذي يبتسم وهو يحمله، لأنه لم يعد يرى في الدم مأساة، بل يرى فيه وسيلةً لتحقيق عالمٍ يتخيله أكثر عدلًا وأكثر نقاءً.
وهكذا ، لم تبدأ كل مذابح التاريخ يوم سقط أول قتيل، بل بدأت يوم سقط أول سؤال.
ويوم أقنع إنسانٌ نفسه بأنه يملك الحقيقة كاملة، وأن الخير يسكن معسكره وحده، وأن الرحمة لا تُمنح إلا لمن يشبهه، بدأت الرحلة الطويلة نحو "الجريمة المقدسة" !! 
وهكذا، يتحول العقل المتطرف من أداةٍ للتمييز بين الخير والشر، إلى مصنعٍ يعيد إنتاج الشر في صورة الخير، ويكسو العنف بثياب الفضيلة، ويمنح الكراهية لغة الأخلاق. 
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ليس ظهور جماعة تحمل السلاح، بل قبل ذلك ، ظهور فكرة تُقنع الإنسان بأن قتل أخيه فضيلة، وأن الإرهاب رسالة، وأن الكراهية طريق إلى الخلاص.

تم نسخ الرابط