دار الإفتاء: دعوات حظر «السوشيال ميديا» للأطفال عالميًا تؤكد صواب نهج الوعي
أكد المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم أن توجُّه عدد من الدول، وفي مقدمتها بريطانيا، نحو سنِّ قوانين تحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سِنِّ السادسة عشرة هو خطوة إيجابية تعكس تحولًا نوعيًّا في السياسات الدولية الرامية إلى حماية الأطفال من المخاطر النفسية والفكرية والسلوكية المرتبطة بالاستخدام غير المنضبط لوسائل التواصل الاجتماعي
وأوضح مؤشر الفتوى، في تقرير جديد، أن القرارات العالمية الداعية لحظر وسائل التواصل عن الأطفال تؤكد صواب نهج دار الإفتاء في بناء الوعي الرقمي الوقائي، الذي يقوم على الانتقال من معالجة آثار الاستخدام الخاطئ للمنصات الرقمية بعد وقوعها إلى بناء الوعي الرقمي الرشيد قبل نشوء المخاطر، من خلال نموذج "الفتوى الرقمية الوقائية"، الذي يجعل من الوقاية والتوعية ركيزة أساسية في تطوير الخطاب الإفتائي ومواجهة التحديات الرقمية المتسارعة.
تجربة مسلسل "أنس AI" عكست تطورًا في وظيفة الفتوى ورسالتها المجتمعية
وأشار مؤشر الفتوى إلى أن دار الإفتاء المصرية قد انتهجت مسارًا متطورًا في التعامل مع القضايا الرقمية، يقوم على تجاوز الدور التقليدي للفتوى بوصفها استجابة للمشكلات بعد وقوعها، إلى دور استباقي يهدف إلى بناء الوعي، وترسيخ السلوك الرقمي الرشيد، وتعزيز المناعة الفكرية والسلوكية لدى الأطفال والناشئة قبل تعرضهم للمخاطر.
وأضاف أن هذا النموذج يعتمد بالأساس على إنتاج محتوى توعوي يخاطب الأطفال وأولياء الأمور بلغة عصرية، ويوظف الوسائط الرقمية الحديثة، إلى جانب دعم دور الأسرة في المتابعة والرقابة الواعية، بما يسهم في الحد من المخاطر الفكرية والنفسية والسلوكية المرتبطة بالفضاء الإلكتروني.
وفي هذا الإطار، استشهد مؤشر الفتوى بتجربة مسلسل "أنس AI"، الذي شاركت دار الإفتاء المصرية في إنتاجه وعُرض في رمضان الماضي، باعتباره نموذجًا عمليًّا يُجسد مفهوم "الفتوى الرقمية الوقائية"، حيث انتقل بالرسالة الدينية من دائرة الوعظ والتحذير التقليدي إلى توظيف الدراما في تقديم محتوى تربوي يعالج أبرز القضايا التي يواجهها الأطفال والناشئة في البيئة الرقمية، ويعزز لديهم قيم الاستخدام الآمن والمسئول للتكنولوجيا، وحظي المسلسل بنسب مشاهدة كبيرة، تجاوزت الـ9 ملايين مشاهدة على المنصات الرقمية لدار الإفتاء وحدها، بالإضافة إلى المشاهدات الأخرى التي سجلتها قنوات التليفزيون المصري وقنوات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي أذاعت العمل، بما يعكس الاهتمام بمثل هذه الأعمال.
وأكد مؤشر الفتوى أن تجربة مسلسل "أنس AI" عكست تطورًا في وظيفة الفتوى ورسالتها المجتمعية؛ إذ لم تعد مقتصرة على بيان الأحكام الشرعية في الوقائع القائمة، وإنما أصبحت أداة استباقية للإسهام في بناء الوعي المجتمعي، واستشراف التحديات الرقمية، وترسيخ ثقافة الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، بما يحول دون تحول المنصات الرقمية إلى بيئات خصبة للتطرف أو العنف أو التنمر أو الابتزاز أو الإدمان الرقمي.
وشدد المؤشر على أن نجاح هذا النموذج يرتبط بتكامل أدوار المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والأسرة، بما يرسخ منظومة وطنية للتربية الرقمية، تنتقل من معالجة المشكلات بعد وقوعها إلى الوقاية منها قبل حدوثها، وتسهم في دعم الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي في العصر الرقمي.
دراسات دولية تكشف تصاعد المخاطر الرقمية على الأطفال.. وتأييد واسع لتشديد القيود عليها
وأوضح مؤشر الفتوى أن دعوة بريطانيا للحظر استندت إلى مؤشرات علمية ودراسات مجتمعية كشفت عن تصاعد الآثار السلبية للاستخدام غير المنضبط للمنصات الرقمية على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي للأطفال، كما أن الحكومة البريطانية تعتزم إلزام شركات التواصل الاجتماعي بالتحقق الفعلي من أعمار المستخدمين، ومنع من هم دون السادسة عشرة من إنشاء الحسابات أو استخدامها، مع إسناد مهمة متابعة تنفيذ هذه الإجراءات إلى هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (Ofcom)، بما يعكس توجهًا نحو تحميل شركات التكنولوجيا مسئولية أكبر في توفير بيئة رقمية أكثر أمانًا للأطفال.
وبيّن مؤشر الفتوى أن القرار اعتمد على المشاورات التي أجرتها مؤسسة YouGov، وشارك فيها أكثر من (116) ألفًا من أولياء الأمور وممثلي قطاع التكنولوجيا والشباب، والتي أظهرت وجود تأييد مجتمعي واسع لاتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لحماية الأطفال من مخاطر المنصات الرقمية.

وأظهرت نتائج الدراسة أن ثمانية من كل عشرة من أولياء الأمور يرون أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يؤثر سلبًا على أطفالهم، بينما أيَّد (77%) من الآباء الذين لديهم أبناء دون الثامنة عشرة فرض حظر على استخدام هذه المنصات لمن هم دون السادسة عشرة، في حين أكد (88%) منهم ضرورة قيام شركات التكنولوجيا بدور أكبر في حماية الأطفال من الآثار السلبية للمحتوى الرقمي، وأفاد (38%) بأن أبناءهم تعرضوا بالفعل لتأثيرات سلبية نتيجة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وأضاف المؤشر أن استطلاعًا آخر أجرته المؤسسة نفسها في ست دول أوروبية، هي: بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبولندا، وإسبانيا، كشف عن تأييد (79%) من المشاركين حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، وهو ما يعكس تزايد القناعة المجتمعية في أوروبا بضرورة وضع ضوابط أكثر صرامة لحماية الأطفال في البيئة الرقمية.
وأكد المؤشر أن هذه النتائج تعكس تحولًا واضحًا في الرأي العام الغربي؛ إذ لم يعد النقاش يدور حول فوائد المنصات الرقمية فحسب، وإنما امتد إلى البحث عن آليات عملية وتشريعية تحد من آثارها السلبية، وتحافظ على التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وصون الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال.
المؤسسات الإسلامية في الغرب: حماية الطفل مسئولية مشتركة
وفي محاولة للوقوف على ردود الأفعال على دعوات الحظر رصد مؤشر الفتوى اهتمامًا متزايدًا من المؤسسات والمراكز الإسلامية، ولا سيما في بريطانيا، بقضية حماية الأطفال من مخاطر الاستخدام المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع التوجهات الحكومية الجديدة، حيث ركز الخطاب الديني والإفتائي على مسئولية الأسرة في توجيه الأبناء، وتعزيز الرقابة الواعية، وترسيخ ثقافة الاستخدام المسئول للتكنولوجيا.
وأوضح أن تلك المؤسسات حذرت من الآثار النفسية والسلوكية المترتبة على التعرض غير المنضبط للمحتوى الرقمي، وفي مقدمتها الإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، والتعرض للمحتويات غير الملائمة، وما يترتب على ذلك من تأثيرات في منظومة القيم والسلوك لدى الأطفال والناشئة.
وفي السياق ذاته، رحب مجلس مسلمي بريطانيا (Muslim Council of Britain) بالتوجهات الرامية إلى تشديد الضوابط على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أنها تمثل خطوة مهمة نحو حماية الأطفال وتعزيز صحتهم النفسية والجسدية، مع التأكيد على أن نجاحها يتطلب بالتوازي نشر الثقافة الرقمية، وتعزيز مساءلة شركات التكنولوجيا عن مسؤوليتها في توفير بيئة إلكترونية أكثر أمنًا.
كما دعا الأمين العام للمجلس، الآباءَ والأمهات إلى استثمار هذه الخطوة في استعادة الوقت الذي استحوذت عليه الشاشات، من خلال تعزيز الأنشطة الأسرية، وتشجيع الأبناء على التفاعل المباشر وممارسة الأنشطة المجتمعية، مؤكدًا أن التربية الرقمية تبدأ من القدوة؛ فالتزام الوالدين بالاستخدام المتوازن للتكنولوجيا يمثل الأساس في غرس السلوك الرقمي الرشيد لدى الأبناء، إلى جانب الحوار المستمر والتوجيه الواعي.
تجربة دار الإفتاء المصرية سبقت التحولات الدولية
وأكد مؤشر الفتوى أن المتغيرات الدولية الراهنة تعزز أهمية النهج الذي تبنته دار الإفتاء المصرية خلال السنوات الماضية في التعامل مع تحديات العصر الرقمي، والذي يقوم على استباق المخاطر، وبناء الوعي المجتمعي، وتطوير أدوات الخطاب الإفتائي بما يواكب التحولات المتسارعة في البيئة الرقمية.
وأوضح أن دار الإفتاء لم تقتصر على إصدار الفتاوى والبيانات التحذيرية، وإنما عملت على تقديم مبادرات وبرامج توعوية تستهدف مختلف فئات المجتمع، ولا سيما الأطفال والناشئة وأولياء الأمور، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الوقاية الفكرية والسلوكية تبدأ قبل وقوع الضرر، وأن حماية النشء في العصر الرقمي تتطلب خطابًا يجمع بين التأصيل الشرعي، والفهم العميق للمتغيرات التقنية، والقدرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.
وأشار المؤشر إلى أن دار الإفتاء حذرت في مناسبات متعددة من مخاطر الإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، والابتزاز عبر الإنترنت، والألعاب والتطبيقات التي تحرض على العنف أو إيذاء النفس، أو تروج للمقامرة والسلوكيات المخالفة للقيم، مؤكدة أن حفظ النفس والعقل والأخلاق من المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، وأن كل وسيلة يثبت أو يغلب على الظن أنها تُلحق ضررًا بالأفراد أو المجتمع تستوجب التوعية بها، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من آثارها.
وقد عكس تحذير دار الإفتاء من خطورة بعض الألعاب الإلكترونية وعيًا مبكرًا بحجم المخاطر التي يمكن أن تتركها هذه الألعاب على الأطفال والنشء، وهي مخاطر لم تقف عند حدود التسلية المفرطة، بل امتدت إلى الإدمان الرقمي، والانكشاف على بيئات تواصل غير آمنة، وما قد يصاحبها من تحرش أو استدراج عبر غرف الدردشة، وقد جاءت قرارات الدولة في هذا السياق مؤكدة هذا الوعي ومترجمة له على أرض الواقع، ومن ذلك حجب لعبة "روبلكس" لما ارتبط بها من مخاطر متعددة، كما واكبت بعض الجهات الإعلامية هذا التوجه بإنتاج أعمال درامية وتوعوية تُبرز خطورة هذه الممارسات، ومنها مسلسل "لعبة وقلبت بجد"، الذي قدّم معالجة فنية لقضية تأثير الألعاب الإلكترونية في الأطفال وما قد تفتحه من أبواب للضرر النفسي والاجتماعي على الأسرة والمجتمع.
وأضاف مؤشر الفتوى أن التجربة أثبتت أن مواجهة هذه التحديات لا تتحقق بالمنع وحده، وإنما من خلال بناء شخصية رقمية واعية، قادرة على التمييز بين الاستخدام النافع والاستخدام الضار للتكنولوجيا، وهو ما ينسجم مع فلسفة "الفتوى الرقمية الوقائية" التي تتبناها دار الإفتاء، والتي تنطلق من بناء الإنسان قبل معالجة آثار الخطأ، ومن تعزيز المسئولية الفردية والمجتمعية قبل اللجوء إلى الحلول العلاجية.
سيناريوهات مستقبلية: تشريعات أكثر صرامة... ووعي رقمي أكثر عمقًا
وتشير تقديرات موقف المؤشر العالمي للفتوى إلى أن قرار بريطانيا قد يمثل نقطة تحول في السياسات الدولية المنظمة لاستخدام الأطفال للمنصات الرقمية، لا سيما إذا أثبتت التجربة نجاحها في الحد من الآثار النفسية والاجتماعية والسلوكية المرتبطة بالاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي قد يشجع مزيدًا من الدول إلى تبني تشريعات مماثلة، وصولًا إلى إطار دولي أكثر صرامة لتنظيم وصول القُصَّر إلى المنصات الرقمية.
وفي المقابل، لا يستبعد مؤشر الفتوى أن تتجه بعض الدول إلى تبني نماذج تنظيمية أكثر مرونة، توازن بين حق الأطفال في الاستفادة من التقنيات الحديثة وحقهم في الحماية، وذلك من خلال فرض ضوابط عمرية، وتحديد ساعات الاستخدام، وتعزيز أدوات الرقابة الأبوية، وتطوير خوارزميات أكثر كفاءة في تصنيف المحتوى الموجه للأطفال.
وأكد المؤشر أن نجاح أي تشريعات مستقبلية لن يرتبط بالإجراءات القانونية وحدها، وإنما بقدرتها على مواكبة التطور التقني المتسارع، في ظل تعدد المنصات الرقمية، وإمكانية التحايل على القيود التقنية، وهو ما يجعل الاستثمار في بناء الوعي الرقمي وترسيخ ثقافة الاستخدام المسئول للتكنولوجيا الركيزة الأساسية لأي سياسة مستدامة لحماية الأطفال.
وأضاف أن المرحلة المقبلة قد تشهد توسعًا في تطوير منصات رقمية آمنة مخصصة للأطفال، تخضع لمعايير تربوية وأخلاقية وقانونية واضحة، بما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية وشركات التكنولوجيا لإنتاج محتوى رقمي هادف يسهم في تنمية شخصية الطفل، ويحافظ على هويته الثقافية والقيمية، ويعزز قدرته على الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا.
توصيات لتعزيز الحماية الرقمية للأطفال وبناء مجتمع أكثر وعيًا
وفي ختام تقريره، أكد المؤشر العالمي للفتوى أن حماية الأطفال في العصر الرقمي لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة وطنية ومجتمعية تفرضها التحولات المتسارعة في عالم التكنولوجيا، الأمر الذي يستوجب تبني رؤية متكاملة تجمع بين التشريع والتوعية والتربية، وتقوم على بناء الإنسان قبل الاكتفاء بمعالجة آثار المخاطر بعد وقوعها.
وأوصى المؤشر بإطلاق برنامج وطني متكامل تحت عنوان "الأسرة الرقمية الآمنة"، تتشارك في تنفيذه المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والجهات المعنية بحماية الطفل، بهدف نشر ثقافة التربية الرقمية، وتمكين أولياء الأمور من أدوات المتابعة والإرشاد، وتعزيز قدرتهم على مواكبة التحولات التقنية التي يعيشها الأبناء.
كما دعا إلى توسيع برامج التوعية الرقمية داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب، وإنتاج محتوى معرفي وتربوي يناسب مختلف المراحل العمرية، ويُعرِّف الأطفال وأسرهم بأبرز المخاطر الرقمية وسبل الوقاية منها.
وأكد المؤشر أهمية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدمة الرسالة التوعوية، من خلال تطوير تطبيقات ومنصات تفاعلية تقدم محتوى دينيًّا وتربويًّا موثوقًا للأطفال والناشئة، وتوفر لأولياء الأمور إرشادات عملية تساعدهم على بناء بيئة رقمية آمنة داخل الأسرة.
ودعا المؤشر إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والجهات التشريعية وشركات التكنولوجيا؛ لوضع معايير أكثر فاعلية لحماية الأطفال من المحتوى الضار.





