يمر الثالث من يوليو من كل عام، فتعود إلى الأذهان واحدة من المحطات الفارقة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة؛ محطة لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل لحظة استعاد فيها الوطن توازنه، وحافظ على مؤسساته، وصان هويته من أخطار كانت تهدد وجود الدولة نفسها. ومع مرور السنوات، تبدو الصورة أكثر وضوحاً؛ فالأحداث لا تُقاس بضجيج لحظتها، وإنما بما تتركه من آثار في حياة الشعوب واستقرار الأوطان.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الضرورات الكبرى التي تقوم عليها حياة الناس، وفي مقدمتها حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض؛ ولا يمكن تحقيق هذه المقاصد في غياب دولة مستقرة تحفظ الأمن، وتصون الحقوق، وتوفر للناس أسباب الحياة الكريمة. فالوطن ليس مجرد رقعة من الأرض، وإنما هو الوعاء الذي تُقام فيه الشعائر، وتُصان فيه الكرامة، وتُحفظ فيه المصالح العامة؛ ولذلك كان الحفاظ على الأوطان من أعظم الواجبات الشرعية والوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن الاصطفاف الوطني وقت الأزمات ليس شعاراً يُرفع، بل مسؤولية أخلاقية ودينية تفرضها مصلحة الأمة. وقد علمتنا التجارب أن الأمم التي تتنازع وتختلف في لحظات الخطر تكون أكثر عرضة للانقسام والضعف، بينما تنجح الشعوب التي تتماسك وتتحد خلف مؤسساتها الوطنية في تجاوز المحن والانطلاق نحو المستقبل.
ولعل ما شهدته مصر منذ تلك اللحظة التاريخية يؤكد هذه الحقيقة؛ فقد استطاعت الدولة، بفضل استعادة الاستقرار، أن تبدأ مرحلة جديدة من البناء والعمل، فشهدت البلاد مشروعات تنموية غير مسبوقة، وتوسعت في إنشاء المدن الجديدة، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، بما يعكس إيماناً بأن إعمار الأرض ليس هدفاً اقتصادياً فحسب، بل هو رسالة حضارية تتفق مع مقاصد الإسلام في عمارة الكون وتحقيق مصالح الإنسان.
ولم يقتصر البناء على العمران، بل امتد إلى بناء الإنسان نفسه؛ فقد أولت الدولة اهتماماً كبيراً بتجديد الخطاب الديني، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، ومواجهة الفكر المتطرف الذي يسعى إلى اختطاف الدين وتوظيفه لتحقيق أغراض سياسية أو حزبية. وشهدت المؤسسات الدينية جهوداً كبيرة في تأهيل الدعاة، ونشر الفكر الوسطي، وتعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ قيم المواطنة والتعايش بين أبناء الوطن الواحد.
كما شهدت السنوات الماضية توسعاً في مظلة الحماية الاجتماعية، وإطلاق العديد من المبادرات التي استهدفت الفئات الأولى بالرعاية، انطلاقاً من أن التكافل الاجتماعي قيمة أصيلة في الإسلام، وأن قوة الدولة تُقاس أيضاً بقدرتها على رعاية الضعفاء، وتخفيف الأعباء عن المحتاجين، وتحقيق العدالة بين المواطنين.
إن الدين الحق لا يدعو إلى الفوضى، ولا يبارك الهدم، ولا يبرر إشاعة الفتن، وإنما يدعو إلى الإصلاح، ويحفظ وحدة المجتمع، ويغرس في النفوس قيمة العمل والإنتاج، ويجعل من الاستقرار سبيلاً لتحقيق الخير العام؛ وقد كان العلماء عبر تاريخ الأمة يؤكدون أن استقرار الأوطان نعمة عظيمة تستوجب الشكر، وأن المحافظة عليها واجب لا يقل أهمية عن المحافظة على سائر النعم.
وفي ذكرى الثالث من يوليو، فإن استحضار هذه المعاني ينبغي أن يكون دافعاً لمزيد من العمل والإخلاص، بعيداً عن الانقسام والخصومة؛ فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بسواعد أبنائها، ووحدتهم، واحترامهم لمؤسساتهم، وإيمانهم بأن مستقبل الأجيال القادمة مسؤولية مشتركة.
نسأل الله تعالى أن يحفظ مصر قيادةً وشعبًا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يوفق أبناءها إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وأن يجعلها دائماً واحةً للأمن والسلام، ومنارةً للعلم والاعتدال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.