عاجل

أوصت الملكة سميراميس أن يكتبوا بعد وفاتها على قبرها أنها الوحيدة في زمانها التي رأت أربعة بحار.. فرغم جمالها وقوتها ونجاحاتها وانتصاراتها، لم تجد الملكة الآشورية ما تفخر به إلا أنها سافرت ورأت ما لم يره غيرها. وفي ألف ليلة وليلة كانت أجمل حكايات شهرزاد عن كل هؤلاء الذين سافروا وتنقلوا بين بلدان ومدن فعاشوا ألف حياة وعرفوا ما لم يعرفه إلا من اختار السفر والترحال. ولو كانت شهرزاد لا تزال قادرة أن تحكي، كانت ستختار بالتأكيد جياني إينفانتينو، رئيس الفيفا، لتحكي في لياليها عما قام به أثناء مونديال 2026؛ فالمونديال الذي تستضيفه 16 مدينة في 3 بلدان، أحاله إينفانتينو إلى ساحة يستعرض فيها قدرته على السفر بين دولة ودولة ومن مدينة إلى أخرى.. ولم يكن غريبًا أو مفاجئًا أن يسخر البعض في مصر من إينفانتينو ويتخيلون استعانته بآخرين يشبهون هيئته ولهم نفس ملامحه يتواجدون بدلاً منه في مدن ومباريات المونديال.

ولم يكن المصريون وحدهم الذين استوقفهم وأثار دهشتهم واستغرابهم ما يقوم به إينفانتينو في المونديال الحالي، وكيف ينتقل في يوم واحد من الولايات المتحدة إلى المكسيك، ومن كندا إلى الولايات المتحدة، ومن سواحل المحيط الهادئ إلى الأطلنطي، ومن أقصى الغرب الأمريكي إلى أقصى الشرق؛ واكتشف الأوروبيون أن إينفانتينو في أول 12 يومًا من المونديال الحالي قام برحلات طيران كانت تكفيه للدوران حول الكرة الأرضية. واحتاجت هذه الرحلات إلى أكثر من 83 ألف لتر من الوقود زاد ثمنها عن 140 ألف دولار. وبالطبع لم يتحمل إينفانتينو شيئًا من هذه التكلفة ولا الفيفا أيضًا؛ فقد خصصت له الخطوط القطرية طائرة خاصة يتنقل بها كيفما ووقتما يشاء طيلة أيام المونديال، وتتحمل الشركة تكاليف هذا الانتقال باعتبارها أحد أكبر رعاة المونديال الحالي. وبالطائرة والأموال القطرية، يسافر إينفانتينو أيضًا مستمتعًا بالدعم الرئاسي السياسي والأمني، ليس باعتباره رئيس الفيفا، ولكنها الصداقة الشخصية التي تجمع بينه والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وبدأت مؤخرًا تتعالى الانتقادات لكل هذه الرحلات التي يقوم بها إينفانتينو، وأعلن خبراء البيئة في الولايات المتحدة أن إينفانتينو أكثر من قام بتلويث البيئة في المونديال. وبدأت أيضًا التساؤلات عن جدوى هذه الرحلات وما هي ضرورة أن يحضر إينفانتينو في 23 يونيو مباراة البرتغال وأوزبكستان في مدينة هيوستون في الولايات المتحدة، ثم مباراة بنما وكرواتيا في تورنتو في كندا، وختام اليوم كان في مدينة جوادالاخارا في المكسيك حيث أقيمت مباراة كولومبيا والكونغو الديمقراطية؟!

لم يجد إينفانتينو ما يقوله ردًا على كل ذلك إلا أنه يقوم بواجبه كرئيس للفيفا وأن وظيفته تفرض عليه ذلك، ولم يكن ذلك صحيحًا، ولم يقم بمثل هذه الرحلات أي رئيس للفيفا قبل أن يتولى إينفانتينو هذا المنصب. وبالتأكيد لم يكن إينفانتينو مضطرًا لكل هذا السفر والترحال في مونديال 2022 حيث أقيمت كل مبارياته في مدينة واحدة هي العاصمة القطرية الدوحة، لكنه لم يقم بذلك أيضًا في مونديال 2018 الذي استضافته روسيا في 11 مدينة، لكنه يقوم بذلك في 2026 لأهداف شخصية خاصة وليس بحكم الوظيفة ورئاسة الفيفا.

ففي المونديال الحالي، لم يكن إينفانتينو مثل الملكة سميراميس يريد أن يرى ما لا يراه غيره، ولم يكن مثل ابن بطوطة وماركو بولو والسندباد وثور هايردال وكل الذين اختاروا السفر وسيلة للرؤية والمعرفة؛ إنما كان ولا يزال إينفانتينو يريد أن يواصل السفر لا لكي يرى، ولكن من أجل أن يراه الناس. فإينفانتينو اليوم ليس هو إينفانتينو الذي أصبح منذ عشر سنين رئيسًا للفيفا، الرئيس المؤقت الذي سلمته أوروبا رئاسة الفيفا في 26 فبراير 2016 ليبقى حتى تنجح في تصحيح الصورة التي شوهها والسيرة التي أفسدها بلاتر ورجاله، وتستقر على رئيس أوروبي جديد للفيفا.. ثم فوجئت أوروبا والعالم كله بالرئيس المؤقت يطيح بكل منافسيه أو المحتمل أن يأتي منهم رئيس جديد للفيفا؛ فقد قرر إينفانتينو أن الفيفا هو الهدية التي تركها له الصحفي الفرنسي روبرت جورين حين أسس الفيفا 1904، والمونديال هو المكافأة التي تركها له المحامي الفرنسي جول ريميه حين اخترع المونديال 1930، ولم يكن إينفانتينو ليرفض الهدية أو يعتذر عن عدم الاستمتاع بالمكافأة.

وبدأ إينفانتينو أسلوبًا جديدًا لم يعرفه أو يمارسه كل من سبقوه؛ فقرر أن يستمتع برئاسة الفيفا وألا يكون مثل البلجيكي رودولف سيلدرايس والإنجليزي آرثر دروري، اللذين مات كل منهما أثناء رئاسته للفيفا من فرط الضغوط والتعب والهموم والمرض. وأجاد مغازلة الأفارقة والآسيويين حتى لا يكون مثل الإنجليزي ستانلي راوس رئيس الفيفا الذي أهان الأفارقة والآسيويين فأطاحوا به في انتخابات 1974. وإذا كان هافيلانج قد جعل الفيفا مؤسسة رابحة فسيضاعف إينفانتينو الأرباح سواء للفيفا أو له شخصيًا؛ ومثلما زاد هافيلانج عدد بلدان المونديال من 24 إلى 32 فسيصل إينفانتينو إلى 48 بلدًا في كل مونديال. وإذا كان بلاتر أقام المونديال لأول مرة في دولتين فسيقيمه إينفانتينو في ثلاث دول في 2026 وسيقيمه في 6 بلدان و3 قارات في 2030. وبعد أن شاهد إينفانتينو النهاية القاسية لبلاتر، قرر أن يحرق طوال الوقت أي أوراق قد تدينه يومًا ما وتنهي رئاسته للفيفا.

واستعد إينفانتينو جيدًا لمونديال 2026؛ اكتسب صداقة الرئيس ترامب وسلمه كل مفاتيح الفيفا لينال ثقته ومساندته، وخالف كل القواعد التي كان يلتزم بها الفيفا في أي مونديال سابق، ومنح الولايات المتحدة حقوقًا لم تنلها قبلاً أي دولة استضافت نفس المونديال. ولم يكتفِ برئاسة الفيفا والاستمتاع بكونه الضيف الأكبر والأهم لدى أي دولة مستضيفة للمونديال، لكنه أراد أن يراه ويصفق له العالم كله وليس الدولة المستضيفة فقط؛ فتوالت رحلاته ليكون مع جماهير 48 دولة في المونديال. وفي كل مباراة مهمة سياسيًا أو إعلاميًا كان لا بد أن يتصدر المشهد في الملعب؛ وحين تحدث العالم كله عن دموع حارس مرمى كاب فيردي لأن والدته لم تتمكن من السفر للولايات المتحدة والفرجة على ابنها، واستجابت الخارجية الأمريكية فجاءت الأم إلى مدينة ميامي، لتجد إينفانتينو أول من يستقبلها ويصحبها معه إلى استاد هارد روك لمشاهدة مباراة كاب فيردي وأوروغواي. وحين أصبحت مباراة مصر وإيران أشهر مباريات مونديال 2026 وأكثرها صخبًا وجدلاً سياسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا وانتظرها وتابعها العالم كله، كان لا بد أن يرى هذا العالم إينفانتينو في مقدمة الحاضرين في استاد لومين فيلد في مدينة سياتل.

تم نسخ الرابط