إن من الشبهات التي تُلقى في وجه الشباب اليوم شبهةٌ تُغلف بغلاف العلم وتُساق في صيغة تقريرية خادعة: إذا كشف العلم عن قانونٍ مطرد يحكم حركة الأفلاك وانقسام الخلية وجريان الدم، فأي معنى يبقى للحديث عن مُشرّع لهذا القانون؟ وهل يصير الإله فرضيةً زائدةً، كما قال لابلاس لنابليون بزهو من ظن أنه استغنى عن السماء: "لم أحتج إلى هذه الفرضية"؟ هيهات أن يستقيم هذا القول، فإن وراءه خلطاً فاحشاً بين مقامين لا يلتقيان إلا في عقلٍ لم يُحسن تحرير المصطلحات، وتلاعباً باللفظ يلبس على السامع فيظن السؤال سؤال العقلاء وهو في حقيقته مصادرة على المطلوب.
فالقانون في لسان الناس ضربان لا ثالث لهما: قانونٌ يأمر وينهى، وهو من صنع البشر، يقول صاحبه "افعل ولا تفعل" فينشئ التزاماً لم يكن قبل نطقه؛ وقانونٌ آخر هو وصفٌ كاشف، رصدٌ لانتظامٍ مطردٍ في كتاب الكون، لا يأمر ذرةً أن تدور ولا يأمر نهراً أن يجري، بل يقول العقل بعد طول ملاحظة وتكرار تجربة: هكذا رأينا الأشياء تجري فوصفناها. فقولنا "قانون الجاذبية" ليس أمراً من نيوتن للتفاحة أن تهوي، بل اعترافٌ من العقل بعجزه عن إنكار ما رأى من انتظامٍ باهرٍ لا يتبدل منذ خلق السماوات والأرض. فأين وجه الشبه بين من يضع القانون وبين من يكتشف القانون؟ وأي قياسٍ هذا الذي يجعل من وصف الانتظام حجةً على نفي المنتظم؟ إن قانون الجاذبية لم يخلق التجاذب، وإنما كشف لنا عن جهلنا به بعد أن كان. ولو صحّت نظرية التطور من أولها إلى آخرها، فغاية ما صنعت أنها وصفت لنا "كيف تتنوع المخلوقات"، لكنها خرساء بكماء عن سؤال "من الذي أودع في المادة قابلية التنوع أصلاً؟". فاكتشافك لوصف الشيء لا يلغي موصوفه، ولا يلغي واضع النظام الذي جعل الوصف ممكناً من قبل. إنك إذا وصفت لي هندسة قصرٍ بدقةٍ متناهية، فوصفك لا يبني القصر، ولا يلغي المهندس الذي قدّر أبعاده ونسبه قبل أن توجد حجرةٌ واحدة.
وإن العقل السليم، ذلك الميزان الذي لا يكذب ولا يحابي، لا يزال يردد على مسامعنا بديهيةً لا ينفك عنها ولا يتوقف عندها جدل: كل حادثٍ لابد له من محدث. وهذه ليست قضيةً كلاميةً مجردة، بل هي أصل كل علمٍ وتجربة وأساس كل بحثٍ جاد. فالعالم حين يدخل مختبره لا يفترض أن الأنبوب الزجاجي والميزان الحساس قد وُجدا صدفةً، بل يفترض ابتداءً أن وراءهما صانعاً حاذقاً، فيبحث بعد ذلك عن "كيف" صنعهما و"بماذا" ركبهما. فالعلم التجريبي بمنهجه الاستقرائي عاجزٌ بذاته عن الإجابة عن سؤال "لماذا وُجد القانون أصلاً؟" لأنه يبحث داخل النظام لا عن أصل النظام، ويدرس آلية العمل لا علة الإيجاد. إنه كمن يجلس عمره يدرس قواعد الشطرنج، يحفظ حركة الفيل مائلاً والحصان قفزاً والملك خطوةً خطوة، ثم يخرج على الناس زاعماً أن اكتشافه لقوانين اللعبة يغني عن واضع القواعد. أي عبثٍ هذا؟ إن معرفتنا لآلية حركة القطع لا تلغي العقل الذي قدّر هذه الحركات ورتبها وراعى توازنها، بل تزيدنا يقيناً بوجوده وحكمته. فالقانون العلمي مهما بلغ من الدقة والإحكام يظل "آليةً" لا "فاعلاً"، و"كيف" لا " واكتشاف الآلية يزيد السؤال إلحاحاً لا إلغاءً، ويعمق الدهشة لا يطمسها. أرأيت ساعةً دقيقة التروس معقدة العجلات؟ إذا فككتَها وعرفت سر دقاتها وعلة انتظامها، هل جعلتها بذلك تخرج من العدم؟ أم صحت من أعماقك: سبحان من قدّر خواص النحاس فجعله يتمدد بالحرارة مقداراً ثابتاً ليكون بندولاً يحصي الزمن؟ هكذا العلم، كلما كشف "كيف" تعمل الأشياء، اتسعت دائرة الدهشة العقلية أمام "من" قدّرها وأحكمها. وهذا هو ما يسميه الحكماء "أخلاقية المعرفة": أن لا يتحول العلم من أداةِ كشفٍ للآيات إلى أداةِ طمسٍ لها، وأن لا يصير الميزان الذي يُقاس به الحق ميزاناً يُكسر به الحق. فوظيفة العقل المؤمن أن يرى في كل قانونٍ آيةً دالة، لا بديلاً عن الآية، وأن يجعل من كل معادلةٍ طريقاً إلى اليقين لا هروباً منه.
وإذا عرضنا المسألة على ميزان الوحي، وجدنا القرآن الكريم يقرر هذا المعنى بأبلغ بيان وأحكم لفظ وأدق تعبير. فهو لا يسمي القوانين الكونية "قوانين الطبيعة" كما يسميها المحدثون، بل يسميها "سنن الله": {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}[سورة الفتح: 23]. فالتسمية وحدها حكمٌ قاطع وحسمٌ للنزاع. فالسنة في لسان العرب هي الطريقة المطردة الثابتة التي لا تختلف ولا تتبدل، فالله يخبرنا أن له في خلقه سنناً لا تتبدل ولا تتخلف، وأن انتظام الكون ذاته آيةٌ من آياته وبرهانٌ على حكمته، لا دليلٌ على غيابه. والله لم يخلق الكون عبثاً ثم تركه إلى الفوضى والارتجال، بل خلقه بقدرٍ محكمٍ وحكمةٍ بالغة: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [سورة الفرقان: 2]. فالتقدير هو وضع القوانين وتعيين النسب وضبط المقادير وتحديد المسارات. فاكتشافنا للتقدير هو اكتشافٌ لعظمة المُقدِّر، لا نفيٌ له ولا استغناءٌ عنه. ولهذا كان موقف علمائنا الأوائل من علماء الطبيعة موقف الإجلال لا العداء، وموقف التواضع لا التكبر. فابن الهيثم حين اكتشف قوانين انكسار الضوء لم يقل "أنا أغني عن الله"، بل قال بلسان الباحث الصادق: "نطلب الحق لذاته، وكلما ازددنا علماً ازددنا علماً بجهلنا وبعظمة خالقنا". والإسلام دين الفطرة، والعلم لا يأتي إلا مصدقاً للفطرة، والعقل لا يخشى البرهان بل يفتش عنه ويزداد به يقيناً، فإن تعارض زعمٌ علميٌ مع نصٍ قطعي فإما أن الزعم العلمي ناقص لم يبلغ درجة القطع، وإما أن فهمنا للنص قاصر يحتاج إلى مراجعة، وأما التعارض الحقي بين حقٍ وحقٍ فمحالٌ في ميزان العقل والدين.
ويبقى الاعتراض الأخير الذي يلوكونه في المجالس ويرددونه في المناظرات: "أنتم تجعلون الله إله الفجوات، فكلما عجز العلم عن التفسير وضعتم الله مكانه، فإذا فسر العلم خرج الله". وهذا سوء ظنٍ برب العالمين لا يليق بمقامه ولا يليق بجلاله. فالإله في عقيدة التوحيد ليس فرضيةً مؤقتةً نلجأ إليها حين تعجز عقولنا ثم نلقيها حين تتقدم معارفنا. كلا! إن الله هو "السبب الأول" و"الخالق الفاعل" الذي يجعل وجود أي قانونٍ ممكناً أصلاً، وهو الذي خلق العقل عاقلاً والكون معقولاً والحواس صادقة. فالفرق بين المؤمن والملحد ليس في تفسير ظاهرةٍ معينة بعينها، بل في تفسير "إمكانية التفسير" ذاتها. لماذا الكون قابلٌ للفهم أصلاً؟ لماذا يخضع لأبسط المعادلات الرياضية وأجملها؟ لماذا يفهم عقلٌ مخلوقٌ من طينٍ قوانين المجرات البعيدة؟ هذا ما سمّاه علماء الفيزياء "المعقولية غير المعقولة للكون". وسمّاه المؤمن "آية التنزيل والتقدير". فالمؤمن لا يقول "الله فعل ذلك لأني أجهله"، بل يقول بخشوع: "أنا أفهمه لأن الله قدّره على نحوٍ يُفهم". فالله ليس ساكناً في فجوة معرفتنا، بل هو أساس معرفتنا كلها وشرط إمكانها. فإذا اكتشفت قانوناً جديداً، فأنت لم تُسقط الله من الحسبة، بل قرأت سطراً جديداً من كتابه المنظور وازددت قرباً من عظمته.
وهنا ينجلي لبّ القضية وسرّ الداء: إن المشكلة ليست في العلم، بل في "روح التدين" التي تتعامل مع العلم. فهناك تدينٌ شكليٌ جاف يرتعد من كل قانونٍ جديدٍ كأنه طعنٌ في الدين، فينغلق وينكمش حتى يصير قفصاً يخنق صاحبه ويمنعه من السير. وهناك إلحادٌ شكليٌ متغطرس يرى في كل معادلةٍ بديلاً عن الخالق، فيتطاول ويبطر حتى يصير سراباً لا يروي ظمأ. أما التدين الأصيل، تدين الفطرة والعقل والقلب، فهو الذي يدرك أن العلم والدين يسيران في طريقين متوازيين لا يلتقيان إلا في نقطة التوحيد.
العلم يسأل بلسان التجربة: كيف يعمل العالم؟ والدين يسأل بلسان الفطرة: لماذا وُجد العالم؟ وما قيمتي أنا فيه؟ وما معنى كرامتي الإنسانية؟ وما سرّ الألم والرحمة؟ هذه أسئلةٌ قيميةٌ غائية لا يجيب عنها الميزان ولا المجهر، لأنها من جنسٍ آخر، من جنس المعنى والغاية. فاكتشاف قانون الوراثة لا يخبرك لماذا أنت إنسانٌ مكرّم لا مجرد سلسلة DNA. وقانون الجاذبية لا يخبرك لماذا تبكي على ميتٍ تحبه. ومحاولة إلغاء سؤال المعنى باسم سؤال الكم هي محاولة انتحارٍ للإنسان، وتحويله من خليفةٍ مكرّم إلى رقمٍ في معادلةٍ باردة. فلا نختزل الإنسان إلى مادةٍ، ولا نختزل الدين إلى طقوسٍ، بل نرى في العلم خدمةً للغاية، وفي الدين هدايةً للطريق.
وبعد هذا البسط يعود بنا اليقين إلى أصله الصافي: إن اكتشاف السنّة لا يُغني عن مُسَنّها، بل يثبته ويؤكده ويزيده رسوخاً. بل إن دقة السنّة وإحكامها واطرادها هو أقوى شهادةٍ على وجود مُسَنٍّ حكيم عليم قدير. فالفوضى لا تلد نظاماً، والصدفة العمياء لا تنسج قانوناً، والعبث لا يخرج تقديراً. إن انتظام الكون هو البرهان، ودقة السنن هي الآية، وإحكام التقدير هو التوقيع الذي لا يُزوّر. فيا كل طالب العلم في مختبرات الفيزياء وقاعات البيولوجيا، تذكر وأنت تقلب صفحات الكتب أنك لا تدرس "بديلاً عن الله"، بل تقرأ "آيات الله". فكل معادلةٍ تفك شفرتها، وكل تجربةٍ تنجح فيها، هي تسبيحةٌ جديدةٌ تضاف إلى تسبيح الكون. فليكن شعارك: العلم خادمٌ للإيمان، والإيمان حارسٌ للعلم. لا تجعل من العلم صنماً تعبده، ولا من النص قيداً تكسره. بل اجمع بين النورين جمعاً أصيلاً، فترى في كل قانونٍ دليلاً، وفي كل اكتشافٍ برهاناً، وفي كل ذرةٍ آيةً تناديك بنداءٍ لا يفتر: {الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} [سورة السجدة: 7].