عاجل

أزمة رواتب أساتذة الجامعات.. كيف يعيش العلماء في ظل ضغوط المعيشة؟

جامعة القاهرة
جامعة القاهرة

تشهد الجامعات الحكومية في مصر حالة من الجدل المتصاعد والاستياء بين أعضاء هيئة التدريس، على خلفية استمرار تدني مستويات الرواتب والمستحقات المالية، في وقت تتزايد فيه الأعباء المعيشية ومعدلات التضخم، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول قدرة منظومة الأجور الحالية على مواكبة الدور الحيوي الذي يقوم به الأساتذة والباحثون في التعليم والبحث العلمي.

الفجوة بين الرواتب وتكاليف الحياة اليومية 

ويؤكد عدد من أعضاء هيئة التدريس أن الفجوة بين الرواتب وتكاليف الحياة اليومية أصبحت كبيرة إلى حد يصعب تحمله، حيث لم تعد الدخول الشهرية، حتى بعد سنوات طويلة من العمل والترقي إلى أعلى الدرجات العلمية، كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسر، ما يدفع العديد منهم إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، سواء عبر التدريس في الجامعات الخاصة أو العمل الاستشاري أو المشاركة في مشروعات خارجية، الأمر الذي ينعكس على حجم التفرغ للعمل الأكاديمي والبحثي داخل الجامعات الحكومية.

وتعود جذور الأزمة، وفق أكاديميين، إلى ثبات هيكل الأجور لفترات طويلة دون مراجعات جوهرية تتناسب مع التغيرات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، إذ ما تزال بعض البدلات والعلاوات الدورية تُحتسب بقيم مالية وصفها أساتذة بأنها “رمزية” ولا تعكس الواقع الاقتصادي الحالي.

وفي هذا السياق، تتصاعد المطالبات داخل الأوساط الأكاديمية بضرورة إعادة هيكلة منظومة الرواتب والبدلات بشكل شامل، بحيث لا يقتصر الأمر على رفع الراتب الأساسي فقط، بل يمتد ليشمل بدل الجودة، ومكافآت الإشراف على الرسائل العلمية، والمناقشات، وتحسين منظومة الرعاية الصحية لأعضاء هيئة التدريس، والتي يرى كثيرون أنها لا تتناسب مع طبيعة العمل الأكاديمي ومتطلباته.

طلب إحاطة لوزير التعليم العالي 

وفي البرلمان، تقدمت النائبة هايدي المغازي بطلب إحاطة موجه إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي ووزير المالية، بشأن مدى اتساق هيكل الأجور الحالي مع الاستثمارات الضخمة التي توجهها الدولة لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي، والتي تشمل مخصصات كبيرة في موازنة العام المالي 2025/2026.

وأشارت النائبة إلى أن نجاح هذه الاستثمارات يعتمد بشكل أساسي على العنصر البشري، وفي مقدمته أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، باعتبارهم الركيزة الأساسية للعملية التعليمية والبحثية، موضحة أن بعض الجداول المالية المنظمة لرواتبهم لا تزال تستند إلى لوائح قديمة تعود إلى سنوات طويلة، وتضم علاوات دورية محدودة القيمة فقدت أثرها الاقتصادي مع مرور الوقت.

ولفتت إلى أن بعض العلاوات السنوية تتراوح بين 36 و75 جنيهاً فقط وفق الدرجة العلمية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة هذه المنظومة مع حجم المسؤوليات الأكاديمية والبحثية، في ظل توجه الدولة نحو تطوير التعليم العالي وتعزيز تنافسية الجامعات المصرية.

كما شددت على أن التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والتكنولوجية والدولية، والسعي لتحسين ترتيب الجامعات المصرية عالمياً، يتطلب بالضرورة توفير بيئة مالية ومعيشية جاذبة للكفاءات العلمية، بما يضمن استقرارها داخل المنظومة التعليمية.

بناء الأجيال وإعداد الكوادر العلمية

وفي السياق نفسه، أعرب الإعلامي وعضو مجلس النواب مصطفى بكري عن استيائه من أوضاع أعضاء هيئة التدريس المالية، معتبرًا أن ما يتقاضونه لا يتناسب مع مكانتهم ودورهم في بناء الأجيال وإعداد الكوادر العلمية.

وقال بكري، خلال مناقشات الموازنة العامة، إن رواتب الأساتذة الجامعيين أصبحت محل تساؤل مجتمعي، مشيراً إلى أن الأستاذ الجامعي الذي قضى سنوات طويلة في البحث والتعليم قد لا يتجاوز راتبه في بعض الحالات 12 إلى 15 ألف جنيه، وهو ما وصفه بأنه لا يعكس قيمة الدور الذي يقوم به في خدمة الدولة والمجتمع.

وأضاف أن هناك تفاوتاً واضحاً بين الدخول في بعض القطاعات مقارنة بالقطاع الأكاديمي، رغم أن الجامعات تمثل أحد أهم أعمدة التنمية وبناء القدرات البشرية، متسائلاً عن مدى العدالة في هيكل الأجور الحالي، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

وأوضح أن رواتب بعض الدرجات الأكاديمية، مثل المعيد والمدرس والمدرس المساعد، لا تزال في مستويات منخفضة، الأمر الذي دفع بعض الخريجين إلى التردد في قبول التعيين داخل الجامعات الحكومية.

كما وجّه بكري مناشدة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي للتدخل من أجل معالجة هذه الأزمة، مؤكداً أن الملف يمس مستقبل التعليم والبحث العلمي في مصر، ويحظى بأهمية خاصة لدى الدولة في إطار خططها للتنمية وبناء الإنسان.

تشكيل لجنة داخل مجلس الوزراء 

وفي تطور لافت، كشف بكري عن تشكيل لجنة داخل مجلس الوزراء لدراسة تحسين رواتب أعضاء هيئة التدريس، برئاسة المستشار شريف الشاذلي، موضحاً أن اللجنة ستبحث الجوانب القانونية والمالية للمنظومة الحالية، في ضوء ما وصفه بتدني مستويات الرواتب مقارنة بحجم المسؤوليات.

من جانبه، أوضح الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أن كثيراً من أساتذة الجامعات يتجنبون الحديث العلني عن أزمة الرواتب حفاظاً على مكانتهم الأكاديمية، مؤكداً أن الأستاذ الجامعي يحمل رسالة علمية وليس مجرد وظيفة.

ضعف الدخل المادي 

وأشار إلى أن ضعف الدخل المادي انعكس بشكل مباشر على قدرة الباحثين على النشر العلمي الدولي، في ظل ارتفاع تكاليف النشر في المجلات العلمية العالمية، والتي قد تصل إلى آلاف الدولارات للبحث الواحد، وهو ما يمثل عبئاً كبيراً على أعضاء هيئة التدريس.

وأضاف أن هذا الوضع أدى إلى تراجع نسبي في معدلات النشر الدولي لدى بعض الباحثين، ما قد يؤثر على ترتيب الجامعات المصرية في التصنيفات العالمية، خاصة أن الجامعات الأجنبية تتحمل في الغالب كامل تكاليف النشر عن باحثيها.

واختتم بأن أساتذة الجامعات اعتادوا الصبر وتقديم رسالتهم العلمية رغم التحديات، مستشهداً بمعانٍ أدبية تعكس الاعتزاز بالمكانة العلمية رغم الضغوط المعيشية.

تم نسخ الرابط