الخشت: المجتمعات العربية ثلاثة ألوان حمراء منهكة وخضراء واعدة ورمادية عالقة
قسم الدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ فلسفة الأديان رئيس جامعة القاهرة السابق، المجتمعات العربية إلى 3 مستويات فكرية واقتصادية متمايزة، رابطا بين طبيعة النظام الإنتاجي السائد والخطاب الديني المهيمن.
وأوضح أستاذ فلسفة الأديان، خلال استضافته مع الإعلامي عبد اللطيف المناوي في برنامج رؤية أخرى على منصة الشرق بودكاست، أن المستوى الأول يتمثل في المنطقة الحمراء وهي مجتمعات الإنهاك والصراع التي تغلغلت فيها الطائفية والحروب الأهلية، محذرا من أنها ستظل عالقة في هذا المربع لفترة طويلة حتى تصل لذروة الإنهاك أو التقسيم.
وذكر رئيس جامعة القاهرة السابق، أن المستوى الثاني هو المنطقة الخضراء التي تضم مجتمعات التنوير والمستقبل الواعدة التي أدركت المعنى الحقيقي لدولة المواطنة فصاغت القوانين الضامنة للتعددية وطورت التعليم وضخت الاستثمارات في الثقافة والفنون، مبينا أن هذه الدول لم تكتف بالنجاح الأمني بل أتبعت ذلك بإزاحة فكرية عبر تجديد روافد الوعي والانتقال الكامل نحو الاقتصاد الرقمي والمعرفي كبديل مستدام للاقتصاد الريعي.
ولفت المفكر الفلسفي، إلى أن المستوى الثالث يقع في المنطقة الرمادية وهي الدول العالقة بين المنطقتين الخضراء والحمراء حيث توجد دولة وطنية لكنها لا تزال عاجزة عن الولوج إلى عصر الاقتصاد الإنتاجي نتيجة سيطرة النمط الريعي القائم على الاعتماد على ما تجود به الطبيعة من غاز ونفط ومعادن.
كتاب جديد يربط الاقتصاد الريعي بالتواكل الديني
وكشف الأكاديمي المصري، عن ملامح كتاب جديد يعكف على إعداده حاليا بعنوان المقدس والبشري.. بين الثابت والمتغير، موضحا فيه طبيعة الارتباط الوثيق بين الفشل الاقتصادي والخطاب الديني التقليدي، وأشار الضيف، إلى أن نمط الاقتصاد الريعي في مجتمعاتنا ارتبط تاريخيا بخطاب ديني تقليدي يكرس للتواكل ويلغي الربط العقلاني بين السبب والنتيجة، ويعلم الناس الجلوس بانتظار الفرج أو البطل المنقذ مؤمنا بفكرة المعجزات الخارقة للسنن في غير موضعها، واستشهد المتحدث، بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما انخسفت الشمس بالتزامن مع وفاة ابنه إبراهيم فظن الناس أن الخسوف لموته، فقال لهم مصلحا وموجها نحو السنن الكونية العقلانية إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، مؤكدا أن نهضة الغرب قامت على تبني السببية العقلانية والأخذ بالأسباب كما رصد عالم الاجتماع ماكس فيبر في مواكبة الخطاب الإصلاحي لمارتن لوثر ظهور النظام الرأسمالي المعاصر وتجاوز نظام الإقطاع القديم.
إطلاق موسوعة الأديان العالمية في 6 أجزاء
وتطرق الخشت، إلى إنجازه الفكري الأحدث المتمثل في إصدار موسوعة الأديان العالمية الواقعة في ستة أجزاء، مؤكدا أنها تقدم طرحا جديدا كليا في المكتبة العربية لأن ما كان يطلق عليه سابقا اسم موسوعات لم يكن سوى مجرد كتب منفصلة ومجمعة تتناول الأديان بشكل متتال، وأضاف أستاذ فلسفة الأديان، أن الموسوعة الجديدة صممت وفق المعايير الأكاديمية العالمية المرتبة أبجديا متجاوزة الترتيب الموضوعي القديم ككتاب الملل والنحل للشهرستاني أو الأسلوب الحجاجي الإقصائي ككتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهري، لافتا إلى أن أبرز ملامح الموسوعة هو الموضوعية وعدم الانحياز بتقديم الأديان والمذاهب كما يعتقدها أهلها بعيدا عن الإسقاطات الشخصية، بجانب الشمولية التاريخية والجغرافية لرصد كل ما ينطبق عليه مفهوم التجربة مع المقدس عبر التاريخ البشري بما في ذلك الأديان القديمة المندثرة.
ونوه رئيس جامعة القاهرة السابق، بأن عدد الأديان الكبرى والصغرى عبر تاريخ البشرية يصل إلى قرابة 3000 ديانة تتفرع منها عشرات آلاف المذاهب والطوائف، حيث سجل في المسيحية وحدها نحو 48 ألف طائفة، بينما رصدت الموسوعة في الإسلام حوالي 170 فرقة وطائفة عبر التاريخ متجاوزة العدد التقليدي الحصري 73 فرقة الذي توقف عنده الأقدمون، دون احتساب الانشقاقات التاريخية اللاحقة كالمستعلية والنيزارية والبهرة داخل المذهب الإسماعيلي.
"صحيفة المدينة" أول دستور مواطنة في الإسلام
وفجر المفكر الفلسفي، مفاجأة فكرية برفضه الأطروحات الشائعة حول ضرورة التقريب بين الأديان أو المذاهب لتحقيق السلام المجتمعي واصفا إياها بمحاولات لتسييع المعتقدات والتخلي عن الهوية، وتابع الأكاديمي المصري، أنه لا يشترط للعيش في سلام أن نكون متفقين عقائديا بل يمكننا البقاء مختلفين تماما مع احترام هوية كل طرف، ليكون الحكم بيننا هو الدستور والقانون الذي يدير هذا التنوع ويوفر التساوي في الحقوق والواجبات على أساس المواطنة لا الدين، وأصل الضيف، لفكرته تاريخيا بالعودة إلى النموذج النبوي الأول مبينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى يثرب غير اسمها إلى المدينة وهو مصطلح سوسيولوجي يدل على المجتمع المتنوع المتجانس الذي ضم مسلمين ويهودا ومسيحيين ومشركين، وقال الخشت، إن النبي صلى الله عليه وسلم صاغ صحيفة المدينة التي تمثل أول دستور معاصر ينظم التنوع تحت مظلتي الدفاع المشترك واحترام الأعراف الدينية المستقلة، مشددا على أن مفهوم الدولة كمدير للتعددية هو أصيل في الإسلام النقي على عكس الجماعات المتطرفة التي تضرب مفهوم الوطن لصالح ولاءات عابرة للحدود تحت شعارات الخلافة.
تفكيك استراتيجية "التمكين والتقية"
وجدد المتحدث، رفضه القاطع لفكرة حكم التيارات أو الجماعات الدينية للدول لأن عقلية الجماعة إقصائية بطبيعتها وتقود المجتمع حتما نحو الانقسام والتمييز الداخلي، وعلق الخشت، على استخدام بعض الجماعات لخطاب ديمقراطي مرن بأن الجماعات المتطرفة قد تظهر مرونة براغماتية مؤقتة وتستخدم آليات الديمقراطية لكن ذلك يندرج تحت ما يسمى فقهيا بالتقية للوصول إلى مرحلة التمكين، وبمجرد إمساكها بمقاليد السلطة تنقلب مباشرة وتبدأ عمليات إقصاء وتصفية شاملة لكل الكوادر الوطنية المخالفة لها تحت مسميات تخوينية، وأشار أستاذ فلسفة الأديان، إلى وجود 11 شرطا علميا من حيث الإمكان النظري لكي تتحول أي جماعة إسلامية إلى إدارة دولة مدنية ناجحة مستدركا بأن هذه الجماعات تعجز بنيويا عن تحقيقها في الواقع، وأبرز هذه الشروط هو الالتزام الكامل بالمواطنة وعدم التمييز وكفالة وصول المخالف لرأس السلطة، واحتكار الدولة الحصري للسلاح وحفظ الأمن، واحترام دول الجوار والاتفاقيات الدولية، وأثنى رئيس جامعة القاهرة السابق، على مقاله المنشور في جريدة الأهرام بعنوان تحرير العقيدة من أهواء السياسة مؤكدا أن الفقه السني المستنير يضع الإمامة والدولة في كتب الفقه البشري المتغير وليست جزءا من أصول العقيدة الثابتة.
التمثيل الغذائي لصنع تراث جديد
وفي إجابة حاسمة حول موقعه من التراث، فكك المفكر الفلسفي اللبس المثار حول مشروعه الفكري مبينا أن علاقته بالتراث تنطلق من التمييز الصارم بين المقدس المتمثل في الوحي الكريم والسنة المتواترة القطعية وبين التراث البشري الذي يشمل الاجتهادات الفقهية الشارحة التي تصيب وتخطئ، وانتقد الأكاديمي المصري، الفئات التي تدافع عن التراث ككتلة واحدة أو تهاجمه ككتلة واحدة واصفا إياهم بالتناقض لأن 72% من التراث يضرب بعضه بعضا بالخلافات والردود الحادة بين الفرق المختلفة، وأوضح الضيف، أن المقبول عنده من التراث هو روح الاجتهاد الأولى القائمة على مرونة الفقه وتغيره بتغير الزمان والمكان بناء على مبدأ المقاصد والمآلات، بينما يرفض تقديس الآراء الفقهية القديمة وإسقاطها على واقع مغاير، مستشهدا بالجرأة التجديدية للإمام الشافعي الذي غير مذهبه بالكامل بين العراق ومصر لمجرد تغير شروط المكان والزمن، مؤكدا أنه لو جاء واضعو علم أصول الفقه في عصرنا هذا ورأوا حجم التطور المعرفي لنسخوا علومهم القديمة ولأتوا بأصول فقه جديدة تماما.
وفجر الخشت، مفاجأة تاريخية بالرد على من يتهمونه بمعاداة التراث دون قراءته كاشفا أن المرحلة الأولى من إنتاجه العلمي في الثمانينات كانت منصبة بالكامل على التراث حيث قام بتحقيق ودراسة وإخراج 24 كتابا من أمهات كتب التراث نشرت في القاهرة ودمشق وبيروت والرياض، وروى المتحدث، كواليس إصدار كتابه الأول عام 1982 وهو طالب في السنة الأولى بالجامعة حين رفض الناشر الأول طباعته لصغر سنه فذهب لناشر آخر وطلب منه عرض الكتاب على لجنة علمية دون النظر لسنه وبالفعل أجازته لجنة من شيوخ الأزهر فوراً وبدأت بعدها دور النشر العربية تبحث عنه لتحقيق المخطوطات، واختتم رئيس جامعة القاهرة السابق، حديثه بالتأكيد على أنه بالرغم من تحقيقه لكتب قديمة ككتاب الفرق بين الفرق للبغدادي إلا أنه لم يتردد في نقده بالمقدمة لتوسعه في تكفير الفرق الأخرى، مشبها التعامل الصحيح مع التراث بعملية التمثيل الغذائي في جسم الإنسان حيث يأخذ الجسم المكونات ويهضمها ليستخرج منها طاقة جديدة تحييه بينما يؤدي بلعها بجمودها إلى الموت حتما، داعيا إلى صنع تراث جديد يواكب العصر بدلا من التشرنق في اختيارات عصور خلت.



