الخشت: البيئة التعليمية ترسخ التفكير الثنائي.. والتعليم المدني "مصيبة" كالديني
أكد الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة السابق وأستاذ فلسفة الأديان، أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأسرية تساعد على التطرف، مشيرا إلى أن الطفل المنبوذ الذي يفتقد الحب والانتماء في الأسرة يبدأ بالبحث عن بديل خارجي يحتضنه يلبي رغبته في الاحتواء.
الثنائية وخلق العدو
وأوضح أستاذ فلسفة الأديان، خلال استضافته مع الإعلامي عبد اللطيف المناوي في برنامج رؤية أخرى على منصة الشرق بودكاست، أن الفقر وقلة فرص العمل يمثلان سببا للتطرف وليس سببا وحيدا لوجود فقراء غير متطرفين، لافتا إلى أن المسألة تتوقف على عوامل متعددة وطريقة استجابة الفرد للتحديات، مبينا أن البيئة الثقافية والتعليمية هي المشكلة الأكبر لأنها تدرب الفرد على التفكير الثنائي القائم على تصنيف الأمور كأبيض أو أسود، ونور أو ظلام، وحق أو باطل، لافتا إلى أن المناهج تقدم صراع المسلمين ضد الكفار كنموذج أمثل دون توضيح أنها كانت مرحلة مؤقتة للدفاع عن النفس، متابعا أن هذا التصور يستقر في ذهن من يريد أن يكون مسلما مثاليا فيبحث عن فكرة الثنائية وخلق العدو.
المتطرف يفتقد ميزة الزوايا المتعددة
وذكر أنه واجه في اجتماع بالجامعة بعد ثورة 25 يناير شخصا قال له نحن كمسلمين نرى كذا، موضحا أنه رد عليه باستنكار لرفضه عقلية احتكار الحقيقة وتكفير الآخر، خاصة أن هذا الشخص كان جارا له ويخطب الجمعة في مسجد مجاور لمسجده، وأشار الضيف، إلى أن المتطرف ذو عقلية أحادية يحتكر الحقيقة ويرفض وجهات النظر الأخرى، مبينا أنه ينظر إلى القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي من زاوية واحدة ويرفض بقية الأبعاد المتعددة التي تبرز مرونة النص وعمقه الفكري.
وأضاف أن علاقة الأفراد بالحقيقة تشبه حركة الكواكب في مداراتها حول الشمس، لافتا إلى أن كل طرف يرى الحقيقة من زاويته المختلفة وكليهما على صواب، مستطردا أن المتطرف لا يستوعب ذلك ويصيبه الشعور بالاستعلاء والفوقية، وقال الخشت، إن الإسلام لا يعرف فكرة الحقيقة الواحدة بل يقر بتعددية الصواب واختلاف المفسرين، مفيدا بأن القرآن يحتوي على آيات محكمات قطعية الدلالة وآيات متشابهة ظنية الدلالة تحتمل معاني كثيرة، لكن المتطرف يتمسك بمعني واحد ويصادر بقية المعاني.
مناهجنا تحول العلم إلى أسطورة
وشدد رئيس جامعة القاهرة السابق، على أن منظومة التعليم بالكامل هي التي تضع المتطرف على هذا الطريق، موضحا أن تطوير التعليم لا يعني التحول الرقمي والتصحيح الإلكتروني، بل يتطلب تغيير المضمون الداخلي للمقررات لبناء عقلية نقدية تمحص الحقائق، ونوه أستاذ فلسفة الأديان، بأن عقلية المتطرف تقوم على السمع والطاعة الأعمى لشيوخ جماعته، مستدركا أن العلم لا يخضع لسلطة الأشخاص بل يرتكز تماما على الحجة والبرهان، واستطرد المفكر الفلسفي، بأن المقررات العلمية العادية تفشل في إخراج شخصية نقدية، ضاربا المثل بتقديم قصة نيوتن والتفاحة بشكل يحول العلم لأسطورة، لافتا إلى أن إبداع نيوتن الحقيقي كان عبر استدلالات رياضية وليس بمجرد سقوط التفاحة، وتابع الأكاديمي المصري، أن تدريس العلوم الطبيعية يجب أن يوضح كيف تم الوصول للقانون لتعليم التفكير العلمي، مضيفا أن تدريس الفيزياء والكيمياء كحفظ وتلقين ينتج عقلية عاجزة عن التفكير تقف على أول طريق التطرف.
تحويل آراء الأئمة لمتون خدم السلاطين
وأفاد بأن التلقين وعبادة النص المشوه في التفسير ظهرا بعد عصر الأئمة الأربعة، مشيرا إلى أن علاقة الأئمة العظام كانت قائمة على الحوار والنقاش المتبادل والتقدير دون تنافس، وشرح المتحدث، أن الإمام أبو حنيفة كان يرى الإمام الليث بن سعد أفقه من مالك، وجاء الإمام الشافعي وصنع مذهبا جديدا رغم تلمذته لأبي حنيفة ومالك، وتبعه ابن حنبل بمذهب مختلف مع الحفاظ على وقار واحترام الجميع، واستشهد الخشت، بمقولة الإمام الحصفكي مذهبنا صحيح يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب، لافتا إلى أن هذه الروح المرنة كانت هي السائدة قبل سيطرة ثقافة الحفظ والتلقين والتعصب للرأي الواحد.
وزاد أستاذ فلسفة الأديان، أن الأتباع حولوا فقه الأئمة لمتون وشروح وحواشي تحفظ دون تفكير، لافتا إلى أن السلاطين في العصور الأموية والعباسية دعموا هذا النمط لتربية الشعوب على السمع والطاعة وإدارة من لا يجادل، واختتم رئيس جامعة القاهرة السابق، بأن إلغاء التفكير يرتبط جوهريا بفكرة السمع والطاعة لدى جماعات العنف، مؤكدا أن التطرف ليس مجرد أفكار بل هو طريقة تفكير أحادية وقطبية تقسم العالم إلى فسطاطين ودار سلام ودار حرب.



