عاجل

الخشت: "فسطاط الحق" أخطر التشوهات الإدراكية.. والتفكير القطبي يغذي عقل المتطرف

الخشت
الخشت

أكد الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة السابق وأستاذ فلسفة الأديان، أن التعبير التراثي المنتشر حول وجود فسطاط أهل الحق والباقين كلهم على باطل يمثل مصيبة كبرى، مشيرا إلى أن التطرف لا يتجزأ ويقوم على رفض الآخر المختلف وعما هو عليه، لافتا إلى أن كل هذا يصنعه التعليم الحالي.

وأوضح أستاذ فلسفة الأديان، خلال استضافته مع الإعلامي عبد اللطيف المناوي في برنامج رؤية أخرى على منصة الشرق بودكاست، أن التعليم المدني يرسخ لهذه الأزمة من خلال طبيعة التاريخ الذي يدرسه الطلاب والذي يركز على الحروب والحملات العسكرية، مبينا أن هذا ينمي العقلية الجهادية القتالية وفكرة الطرفين المنتصر والمهزوم، مضيفا أن التعامل مع التاريخ يعتمد على شطب المختلف وتأليه من يتفق مع وجهة النظر المطروحة.

 

 

وشدد رئيس جامعة القاهرة السابق، على ضرورة توضيح نقطة جوهرية حتى لا يفهمه المستمع بشكل خاطئ، لافتا إلى أنه ليس ضد فكرة القتال والجهاد الذي يمثل الدفاع عن الأمة والوطن والأرض، مستدركا أن الأزمة تكمن في تحويل حالة القتال إلى حالة دائمة، مؤكدا أن حالة القتال في الإسلام هي الحالة الاستثنائية، وأن الأصل هو الاستقرار والسلام والتعاون والبناء والتنمية، بينما يقوم المتطرف بتحويل هذه الحالة الاستثنائية إلى قاعدة تحكمه طوال حياته، وإذا لم يجد عدوا خارجيا سيتحول إلى جاره الذي يختلف معه في المظهر ويعتبره فاسقا إن لم يكفره.

الترشيح الذهني ومنطق أرسطو

وذكر المفكر الفلسفي، أن مصطلح التشوهات الإدراكية ينتمي إلى علم النفس المعرفي، موضحا أن المتطرف لا يرى العالم إلا بلون واحد شكلته الطريقة التي تربى عليها ومنها التفكير القطبي القائم على مبدأ الكل أو لا شيء، وبين الأكاديمي المصري، أن المفارقة تكمن في أن المتطرفين ومعظم الفقهاء ضد الفلسفة وضد أرسطو، حتى أن الغزالي كفر أرسطو، لكنهم في الوقت نفسه يفكرون بنفس طريقة أرسطو وفق قانون الثالث المرفوع، وهو أن الشيء إما أن يكون أ أو لا أ ولا ثالث بينهما، كالقول بأن الشيء إما أبيض أو أسود.

وتابع أن المتطرف يسير بنفس هذا المنطق؛ فالشخص عنده إما مؤمن أو كافر، وإذا كان لا يؤمن بنفس معتقداته فهو كافر في نظره حتى لو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذه هي العقلية القطبية الثنائية، وأضاف المتحدث، أن المتطرف يعاني أيضا مما يطلق عليه الترشيح الذهني، مبينا أنه يمتلك فلاتر تلتقط فقط الأفكار المؤيدة وتعمى عن الحقائق المضادة تماما، مشيرا إلى أن الإنسان عدو ما يجهل وعدو ما لا يرضى، لكن المتطرف يمثل هذه الحالة بشكل متشدد، مؤكدا على ضرورة تغيير تفكير هؤلاء من خلال إدخال مقررات التفكير النقدي في التعليم.

التفكير النقدي يحمي الجبهة الداخلية

ولفت الخشت، إلى أنه طالب عبر سنوات عديدة بإدخال مقررات التفكير النقدي في التعليم، وعندما كان في السلطة جعل مقرر التفكير النقدي مقررا إجباريا على كل الطلاب في جامعة القاهرة بما فيهم كليات الطب والهندسة والزراعة والآداب، لافتا إلى أن التعليم عنده ليس تلقين معلومات بل هو تعليم الطالب كيف يفكر، لأن المعلومات سينساها لكن طريقة التفكير هي التي ستبقى كالصنارة والتكوين، وأشار رئيس جامعة القاهرة السابق، إلى أنه انتبه لهذه المسألة أول مرة في شبابه عندما كان يقود فريق عمل يضم خريجين من الجامعة الأمريكية وجامعات حكومية، حيث كان طلاب الجامعات الحكومية لديهم معلومات هائلة، بينما طلاب الجامعة الأمريكية كانت معلوماتهم أقل لكن قدرتهم على الإنجاز أعلى لأنهم تعلموا كيف يتعلمون وكيف يفكرون.

ونوه أستاذ فلسفة الأديان، بأن معظم المشاكل التي تأتي من تضليل الرأي العام على السوشيال ميديا سببها أن المتلقي العادي ليس لديه منهج تفكير نقدي ويعتبر كل ما يكتب هو حقيقة، مؤكدا أنه لو تربت ربة البيت والحارس والصنايعي على التفكير النقدي فلن يقبلوا الأشياء التي تدخل في إطار الحرب النفسية على البلاد، وسيكون لديهم عقل يميز بين الحق والباطل، لافتا إلى أن المسألة هي مسألة مصير أمة وحماية للجبهة الداخلية، واستطرد المفكر الفلسفي، بأن أي تغيير لابد أن يأتي من التعليم من خلال تطور جذري في المقررات، مستدركا أن العقليات المغلقة هي التي تتولى التطوير في كل مرة، موضحا أن الخروج من هذه الدائرة يتطلب شخصا يملك فكرا موسوعيا مع سلطة قرار، لأن الفكر بدون سلطة لا قيمة له ولا يؤثر.

أفاد بأن سلطة القرار لها دور كبير جدا، لافتا إلى أن بعض الدول لديها إرادة للتغيير لكن القوى البيروقراطية تعطله، مؤكدا أنه يتحدث عن حالة عامة في معظم الدول العربية وليس كلها لأن هناك دولا وعيت ذلك ونفذته، لافتا إلى أنه لم يواجه إعاقات مؤسسية أثناء إدارته لجامعة القاهرة، بل وجد مقاومة فقط من بعض العقليات عند طرح مقرر التفكير النقدي، وتجاوز رد فعل الطلاب الرافض للأعباء الجديدة بجعل الامتحانات بنظام الكتاب المفتوح أوبن بوك، حيث يدخل الطالب ومعه الكتاب دون أن يجد الإجابة فيه بشكل مباشر لأن الامتحان يقيس التفكير وليس الحفظ، مؤكدا أن هذا يحجم التطرف الذي يأتي أساسا من العقلية المغلقة.

الإعجاز العلمي في القرآن خطأ فادح

وقال إن التناقض بين الدين والعلم ظهر في بعض المراحل التاريخية وحدث صراع فعلي بسبب رجال الدين الذين اعتقدوا أن ما يملكونه من أفكار عن الكون هو الصواب، مشيرا إلى أن هذا الأمر مسألة إنسانية موجودة في تاريخ الحضارة الإنسانية عند مختلف الأديان، وأوضح  أن آخر صور هذا الصراع حدثت عندما اكتشف كوبرنيقوس كروية الأرض ودورانها حول الشمس وتبعه جاليليو، حيث حوكم الأخير أمام محاكم التفتيش الكنسية التي كانت تعتنق علم أرسطو ونظرية بطليموس في الكون، لافتا إلى أن جاليليو تراجع في المحكمة ليخرج منها ثم قال عبارته الشهيرة ولكنها تدور، مشددا على أنه يعتقد الآن بوجود فصل جذري بين الدين والعلم.

واختتم الخشت، بأن العلم له ميدان والدين له ميدان؛ فالعلم مختص باكتشاف حقائق الكون والأحياء والبيولوجي والفلك بمناهجه العلمية وهذا ليس دور الدين، بينما دائرة الدين هي دائرة القيم ودائرة الغيب، مضيفا أن العلم لا يستطيع أن يخطئ الدين لأن الدين يتحدث في منطقة لا يراها العلم أساسا، كما أن الدين يجيب على سؤال لماذا ويتكلم عن الحق والخير والجمال، بينما العلم يخبرنا بكيف، لافتا إلى أن القرآن الكريم لم يعطنا حقائق الكون جاهزة بل قال انظروا ماذا في السماوات والأرض، أي أن الإنسان هو من سيكتشف الحقيقة بنفسه، مؤكدا أن الذين قالوا بالإعجاز العلمي في القرآن وقعوا في خطأ فادح.

تم نسخ الرابط