عاجل

ضرب إيران لإسرائيل.. لماذا قررت طهران التحرك الآن؟|خاص

طهران
طهران

في خضم التصعيد المتبادل بين إيران وإسرائيل، تتزايد التساؤلات حول الأسباب التي دفعت طهران إلى التحرك عسكريًا في هذا التوقيت تحديدًا، وما إذا كانت الضربات الأخيرة تمثل بداية مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة أم أنها جزء من استراتيجية أوسع لإعادة رسم قواعد الردع وتعزيز المواقع التفاوضية في الإقليم.

ويرى خبراء في العلاقات الدولية والعلوم السياسية أن التحرك الإيراني لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات المتسارعة في الساحة اللبنانية، والتصعيد الإسرائيلي المستمر ضد حزب الله، الذي يمثل أحد أهم ركائز النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. كما يربط محللون بين هذه التطورات وبين حسابات الردع الإقليمي، حيث تسعى طهران إلى تجنب ظهورها بمظهر الطرف العاجز عن الرد على الضربات التي تستهدف حلفاءها ومصالحها الاستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، يذهب مراقبون إلى أن التصعيد العسكري الحالي يتجاوز كونه مجرد رد فعل ميداني، ليصبح جزءًا من أدوات الضغط السياسي المستخدمة لتحسين شروط التفاوض في الملفات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل استمرار المساعي الدبلوماسية المتعلقة بالملف الإيراني ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.

وبين حسابات الردع، ورسائل القوة، وأوراق التفاوض، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تحدد ملامح توازنات الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، وتطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان التصعيد الحالي سيبقى ضمن حدود الرسائل المتبادلة أم يتطور إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.

قال اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، إن قرار إيران بالتحرك في مواجهة إسرائيل خلال هذه المرحلة يرتبط بمجموعة من الاعتبارات السياسية والعسكرية المعقدة، والتي تتداخل فيها تطورات الساحة اللبنانية مع التصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد حزب الله، الذي يُعد أحد أبرز ركائز النفوذ الإيراني في المنطقة وأهم أدواتها في معادلة الردع الإقليمي.

وأوضح فرحات، في تصريحات خاصة، أن طهران تنظر إلى هذا التصعيد باعتباره جزءًا من محاولة إسرائيلية مستمرة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، من خلال استهداف البنية العسكرية والقيادية لحزب الله في لبنان، وهو ما تعتبره إيران استهدافًا غير مباشر لنفوذها الاستراتيجي وليس مجرد تطور محلي محدود في الساحة اللبنانية.

استمرار الضربات الإسرائيلية دون رد مباشر كان من شأنه أن يضعف

وأضاف أن استمرار الضربات الإسرائيلية دون رد مباشر كان من شأنه أن يضعف، من وجهة النظر الإيرانية، مصداقية التهديدات التي أطلقتها طهران خلال السنوات الماضية، ويؤثر على ما يُعرف بمعادلة الردع التي عملت إيران على ترسيخها عبر شبكة حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله.

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن التصعيد الإسرائيلي في لبنان، خاصة ما يتعلق باستهداف مواقع وشخصيات مرتبطة بحزب الله، وضع القيادة الإيرانية أمام اختبار استراتيجي مباشر يتعلق بقدرتها على حماية حلفائها الإقليميين والحفاظ على تماسك منظومة النفوذ التي تمتد خارج حدودها الجغرافية.

ولفت إلى أن إيران تنظر إلى حزب الله باعتباره أحد أهم أذرعها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وأداة رئيسية في منظومة الردع غير المباشر، وهو ما يجعل أي استهداف واسع للحزب بمثابة استهداف لمصالح إيران الإقليمية، ويستدعي ـ من وجهة نظرها ـ ردًا محسوبًا يعيد تثبيت قواعد الاشتباك القائمة.

التحرك الإيراني في هذا التوقيت لا ينفصل عن مساعي إعادة ترميم صورة الردع 

وأوضح فرحات أن التحرك الإيراني في هذا التوقيت لا ينفصل عن مساعي إعادة ترميم صورة الردع أمام الداخل الإيراني من ناحية، وأمام الحلفاء والخصوم في الإقليم من ناحية أخرى، مؤكدًا أن طهران تحرص على عدم الظهور بمظهر الطرف الذي يتلقى الضربات دون قدرة على الرد، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على توازن القوى الإقليمي.

وأضاف أن القيادة الإيرانية تتحرك في إطار تقدير يقوم على أن جميع الأطراف الفاعلة في المشهد الإقليمي لا تزال حريصة على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو ما يتيح لها هامشًا للتحرك ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، تسمح بتوجيه رسائل ردع دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع النطاق.

وأكد أستاذ العلوم السياسية أن ما تشهده المنطقة في الوقت الراهن لا يعكس بالضرورة رغبة مباشرة في الدخول إلى مواجهة مفتوحة، بقدر ما يعبر عن صراع متصاعد لإعادة رسم قواعد الردع وتثبيت موازين قوة جديدة بين الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط، مشددًا على أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يظل محفوفًا بالمخاطر.

وحذر فرحات من أن استمرار هذا النهج القائم على الرد المتبادل قد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة بشكل غير محسوب، إذا لم تنجح الجهود الدولية والإقليمية في احتواء الأزمة وفرض مسارات تهدئة تمنع انتقال التصعيد إلى مراحل أكثر خطورة قد تتجاوز حدود الاشتباك غير المباشر إلى صدام أوسع في المنطقة.

من جانبه قال الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، إن طهران تدرك أن عدم الرد على الضربات الإسرائيلية الأخيرة كان سيُفسَّر إقليميًا ودوليًا على أنه تراجع في قدرتها على الردع، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مكانتها في ميزان القوى الإقليمي، ويضعف من صورتها كفاعل قادر على إدارة المواجهة مع خصومه.

وأوضح البرديسي، في تصريحات خاصة، أن هذا الإدراك الإيراني دفع باتجاه ضرورة تنفيذ رد عسكري مباشر، ليس فقط من باب الانتقام أو التفاعل اللحظي مع التطورات الميدانية، ولكن أيضًا للحفاظ على معادلة الردع التي تقوم عليها الاستراتيجية الإيرانية في التعامل مع إسرائيل، والتي تقوم على مبدأ أن أي استهداف إسرائيلي لا بد أن يقابله رد، حتى لا تتحول الضربات إلى سلوك متكرر دون تكلفة.

إيران تخشى أن يؤدي الصمت أو الاكتفاء بالردود السياسية والدبلوماسية 

وأضاف خبير العلاقات الدولية أن إيران تخشى أن يؤدي الصمت أو الاكتفاء بالردود السياسية والدبلوماسية إلى ترسيخ قاعدة جديدة في الإقليم مفادها أن إسرائيل تمتلك حرية توجيه ضربات عسكرية في أي وقت تشاء، دون أن تواجه ردًا مباشرًا أو مكافئًا من الطرف الإيراني، وهو ما تعتبره طهران تهديدًا مباشرًا لمصداقية قدرتها الردعية أمام الداخل الإيراني وأمام حلفائها في المنطقة.

وأشار البرديسي إلى أن إطلاق الصواريخ في هذا التوقيت يحمل رسالة مزدوجة، الأولى موجهة إلى إسرائيل مفادها أن أي هجوم عسكري لن يمر دون تكلفة، وأن الرد سيكون حاضرًا مهما كانت طبيعة التصعيد، أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى الإقليم والقوى الدولية، وتؤكد أن إيران ما زالت تمتلك أدوات الفعل وليس مجرد رد الفعل.

لعبة إدارة التوازنات

ولفت إلى أن المفارقة الأساسية في المشهد الحالي تكمن في أن التصعيد العسكري ذاته قد لا يكون خارج إطار الحسابات التفاوضية، بل قد يكون جزءًا من “لعبة إدارة التوازنات” قبيل أي مسارات تفاوضية محتملة، موضحًا أن إيران تسعى إلى تثبيت حضورها التفاوضي من موقع قوة، بحيث تدخل أي مفاوضات مستقبلية باعتبارها طرفًا فاعلًا قادرًا على التأثير والضغط، وليس كطرف تلقى الضربة واكتفى بالاحتجاج السياسي أو الدبلوماسي فقط.

وأكد البرديسي أن هذا النمط من إدارة الصراع يعكس تداخل المسار العسكري مع المسار السياسي، حيث لا ينفصل التصعيد الميداني عن حسابات التفاوض، بل يصبح أداة ضمن أدوات تحسين شروط التفاوض ورفع سقف المطالب في أي تسويات مقبلة.

في سياق متصل قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن الهجمات الإيرانية الأخيرة على إسرائيل يمكن قراءتها في إطار الضغط المتبادل خلال مسارات التفاوض الإقليمي، وليس فقط باعتبارها ردود فعل عسكرية مباشرة.

وأوضح الرقب، في تصريحات خاصة، أن التصريحات التي أعقبت التطورات، لا سيما ما نُقل عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استمرار جهود التوصل إلى اتفاق مع طهران رغم التصعيد، تعكس رغبة واضحة في دفع مسار التفاهمات وعدم انهياره بسبب الضربات العسكرية.

توظيف التصعيد العسكري كأداة ضغط سياسية

وأضاف أن إيران تبدو حريصة على توظيف التصعيد العسكري كأداة ضغط سياسية، خاصة في ظل تعقيدات الملفات الإقليمية، مشيرًا إلى أن ما جرى اليوم قد يدخل ضمن “لغة الضغط” المرتبطة بملفات التفاوض، بما في ذلك الساحة اللبنانية.

ولفت الرقب إلى أن بعض التحركات الرمزية، مثل نشر وزير الخارجية الإيراني لرموز تتعلق بإيران ولبنان خلال فترة الضربة، تحمل دلالات سياسية أكثر من كونها مجرد تفاعلات بروتوكولية، وتُستخدم في سياق الرسائل الموجهة للأطراف الإقليمية والدولية.

وأكد أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن مسار المفاوضات الأوسع، موضحًا أن الهدف الأساسي من هذه التحركات قد يكون تعزيز الموقف التفاوضي لطهران، في وقت تسعى فيه أطراف إقليمية ودولية لإعادة صياغة ترتيبات المرحلة المقبلة، بما فيها ملف لبنان ومستقبل دوره في أي تسويات قادمة.

تم نسخ الرابط