عاجل


لا ينكر أحد أننا نحتاج إلى الإعلام كحاجتنا إلى الماء والهواء، وكحاجة التائه في الصحراء إلى "غرس قدمٍ" يسوقه إلى طريق العودة، فعندما تخيّلت أنَّ العالم إذا تحوَّل في لحظةٍ بلا إعلامٍ وبلا دليلٍ يحكي له ما يدور في محيطة القريب وعالمه البعيد، فإنه سيعيش في ضبابٍ قاتمٍ لا يعرف فيه صاحب التجارة ما القرار السليم الذي سيتَّخذه حِيال تجارته، وطالب العالم إلى أيّ مرحلةٍ بلغت العلوم التي يعيش بين طيات نظرياتها، والمسافر أي طريق يسلك، إلى غير ذلك من اهتمامات الناس اليومية واحتياجاتهم التي تحدِّد كثيرًا من قراراتهم. 
حقيقة أستطيع أن أقولها: إن الجميع يعرف أنه إذا كان لن يستطيع أن يترك هاتفه لدقائق معدوداتٍ دون أن تلامس يده صفحات التواصل الاجتماعي فيتنقَّل بين أخبارها ليرسم ابتسامة خفيفةً على وجهه أحيانًا ويكشِّر عن أنيابه أخرى، إلا أنَّهم يدركون في ذات الوقت أنهم لو قرروا غلق هاتفهم لساعةٍ واحدةٍ وعزلوا أنفسهم في غرفةٍ تنقطع فيها سبل وصول أيّ وسيلةٍ إعلاميةٍ إليهم، فهو بالنسبة لهم جِلسةٌ علاجيةٌ قد تنتج هرمون السعادة وراحة البال وسكون الجسد بسهولةٍ ويسر.
تناقضٌ غريبٌ أقل ما يُقال في وصفه أنه نتاج تحوُّلٍ خطيرٍ في مسار الإعلام المِهني الذي كُتب في ميثاق شرفه أن تكون مهمته الأولى، هي التثقيف والتنوير والتبصير بحقائق الأمور، إلا أن دخول الترسانة الإعلامية عالم البزنس حولَّها إلى تجارةٍ  تبحث عن كل ما يثير الناس ويشذُّ عن عرفهم ويخالف عقيدتهم السليمة.
عندما تتحول وسائل الإعلام بكافَّة أشكالها وأنواعها، إلى منصَّةٍ وساحةٍ لتحقيق الأماني لكل من لم تؤهله قدراته العلمية وخبراته الذاتية ليتبوَّأ بها منصبًا، أو يكون له شأنٌ بين الناس على حساب مغالطاتٍ يروِّجها فيفسد على الناس عقيدتهم ويخدش حياءهم ويتلاعب بعقولهم ويطمث هويتهم، ويتركهم في حالة من الحيرة والتيه لا يستطيع فيها ربُّ الأسرة أن يحدِّد مصير نفسه، حتى يقوى على أن يحدد مصير أسرته فيرسم لهم الطريق السليم الذي يحفظ استقرارهم ويدعم السلم والأمان بينهم وبين مجتمعهم، هنا لا بد من وقفةٍ حاسمةٍ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إذًا نحن أمام تيارين كليهما يسهم في تحويل المجتمع إلى مرحلة "الفوضى المعرفية"، وهي تلك المرحلة التي لا يستطيع أحدٌ أن يتحكَّم في تصرُّفات أفرادها، خاصَّةً وأن تثقيف الجاهل وتنويره أهون بكثيرٍ من تقويم المُشتَّت، لنجد أنفسنا أمام إعلامٍ يفتح الباب على مصراعيه لمن يمتلكون أفكارًا أقل ما يُقال عنها أنها "ثرثرةٌ فارغةٌ"، صاحبها يسعى في أن يحقِّق لنفسه مُشاهدة زائفةً ويثبت ذاته أمام جمهورٍ يحتاج إلى ثقافة الوعي لكي يستطيع أن يحكم على ما يُلقى على أسماعه ويخاطب جوارحه ويتلاعب بعواطفه، فأقول لهذا التيار: عودوا إلى رشدكم واعلموا بأن الكلمة الطيبة حقٌّ على قائلها ومروّجها، كما أن الكلمة الخبيثة هي سبيلٌ لهلاك كلِّ من أسهم في وصولها وهو مسئول عن كل من تأثَّر بها والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول فيما رواه عنه أبو هريرة - رضي الله عنه-: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزلُّ بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" متفق عليه.
وأما التيار الثاني فنجد أنفسنا أمام باحثٍ عن المجد على حساب عقول الناس ودينهم وهويتهم وثقافتهم وتقاليدهم، فلا يرى أمامه إلا تحقيق ذاته الوهمية وأحلامه الوردية وسلاحه في ذلك "الغاية تبرِّر الوسيلة"، وهذه النوعية من البشر تجده حريصًا كل الحرص على التنقُّل بين وسائل الإعلام المختلفة، إما لبناء مجدٍ زائفٍ لا يركن إلى خبرة علميةٍ حقيقةٍ ويجد من الإعلام سبيلًا ليشير الناس إليه ويذكروه في حديثهم، أو متاجرٍ بعلمه في سوق المصالح المشتركة دون مراعاة لأمانة علمية أو دينية أو مجتمعية أو وطنية.
لا أطلب المثالية الكاملة من كلٍّ منهما ولكن أقول للقائمين على هذين الاتجاهين، لسنا ملزمين بأن تطربوا أسماعنا بإبداعاتكم أو تعبثوا بعقول أبناءنا أو تثيروا القلاقل في وطننا، وإذا كان لابد فابحثوا لكم عن أرضيةٍ خاصَّةٍ أفرغوا فيها ما تريدون بعيدًا عن جمهورٍذقد يتخذ بعضهم منكم قدوةً عندما يوافق منطوقكم أهواءهم، مبرِّرين سلوكهم بآرائكم ومتَّكئين في تصرُّفاتهم على حُججكم رغم ضعفها وسوء الاستدلال بها.
أتعجَّب كل العجب عندما تكون الأولوية الأولى في أحد فقرات بعض البرامج التلفزيونية الشهيرة هو ظهور "من وما" شذَّ عن الطبيعي سواء كان شذوذًا عن صحيح الدين أو عن القيم المجتمعية والأخلاقية أو حتى عن عُرف الناس وثقافتهم، وهنا أتساءل دائمًا، ماذا يعني أن يكون ضيف القناة من الشاذّين جنسيًا أو المُلحدين والمنحرفين فكريًا؟! بل هل استضافة هؤلاء هو سبيلٌ للوصول إلى حلٍّ قاطعٍ؟، وهل تاريخ حياتهم و"تجربتهم" كما يسمِّيها بعض مقدمو البرامج تستحقُّ أن تُلوَّث بها عقول العامة ويُخدش بها الحياء والذوق العام؟!، ألم لتعلموا أن في استضافتهم دعم معنويٌ لتوجههم، بل دعوة واضحة وصريحة للشباب ومن لديهم استعداد للافتتان بالتفكير في عبثهم.
الأمر يكون أشد عجبًا عندما تُفتح الشاشات وتُفرد المساحات لكل من يتبنَّى رأيًا مغايرًا لما نصَّت عليه نصوص الشريعة أو كان عليه إجماع الأمة وأئمتها العظام في السابق واللاحق، فعندما لا يجد أحدهم ما ينكر به نصًا واضحًا وجليًّا تجده يتلذذ ويتباهى بأنه مجدد عصره وفقيه زمانه رغم أنه يعرف حق المعرفة أنه لا اجتهاد مع نص، لكنه عندما يُقبل على هذا فإنه يوجه إشاراتٍ سريعةٍ إلى ضميرٍ _اعتقد أنه لم يزل حيًا_ وإلى عقيدة زُلزلت أركانها عن عمدٍ، ليضعهما في "بيات شتوي"، حتى يحقق مراده، بل إنه إذا نازعه في رأيه هذا من أبهروا الدنيا بعلمهم من الأئمة والفقهاء الأجلاء، تجده يستحلُّ الإساءة إليهم والنيل من عبق تاريخهم، هؤلاء جميعًا لا أجد ما أقول لهم سوى اتقوا الله فينا وفي أنفسكم، ففي يوم معلوم ستقفون أمام إله أعظمٍ يسألكم وهو أعلم بكم ماذا قدمتم ولماذا فعلتم ولما أسأتم؟ فبما ستجيبون حتى تنالوا رحمته ويحلَّ عليكم رضوانه؟!.

تم نسخ الرابط