عاجل

تكاثر بلا ذكور وتحدد قواعد التطور.. سمكة «مولي الأمازون» تحير العلماء

سمكة مولي الأمازون
سمكة مولي الأمازون

في أنهار المكسيك وجنوب ولاية تكساس الأمريكية، تعيش سمكة غير اعتيادية تعرف باسم مولي الأمازون، وهي نوع يبدو أنه يتحدى إحدى أهم قواعد علم الأحياء التطوري، إذ يتكاثر بالكامل من الإناث دون وجود ذكور داخل النوع.

وتسبح هذه الأسماك في مجموعات تتكوّن حصريا من إناث متطابقة وراثيا، حيث تتزاوج الإناث مع ذكور من أنواع وثيقة الصلة فقط لتحفيز عملية الإخصاب، دون أن يساهم الحمض النووي للذكر في النسل. 

وتعرف هذه الآلية باسم التوالد الأنثوي (الاستنساخ الأنثوي/توليد دون مساهمة وراثية ذكرية)، إذ يستخدم الحيوان المنوي فقط لتنشيط البويضة، بينما يتم التخلص من مادته الوراثية لاحقا.

وينتج عن هذه العملية إناث جديدة مطابقة وراثيا للأم، في سلسلة تكاثرية مغلقة لا تحتاج إلى ذكور داخل النوع، وهو ما يضعها ضمن الحالات النادرة في عالم الحيوان.

صورة مُنشأة حاسوبياً للولب مزدوج من الحمض النووي، يظهر بوضوح على خلفية زرقاء.

لغز تطوري مستمر منذ قرن

تحمل هذه السمكة اسم “الأمازون” نسبة إلى المحاربات في الأساطير اليونانية، وقد حيرت العلماء منذ نحو 100 ألف عام، أي منذ نشأتها المفترضة نتيجة تهجين طبيعي بين نوعين من أسماك المولي.

ووفق النظرية التطورية السائدة، فإن الأنواع التي تتكاثر لاجنسيا يفترض أن تكون قصيرة العمر، لأنها تتعرض مع مرور الوقت لتراكم الطفرات الجينية الضارة، في ظاهرة تعرف باسم “سقاطة مولر”، والتي تدفع الجينوم نحو الضعف التدريجي ثم الانقراض.

لكن مولي الأمازون كسرت هذه القاعدة، إذ نجحت في البقاء والتكاثر طوال عشرات الآلاف من السنين دون تزاوج جنسي داخل النوع.

يقول علماء الأحياء إن التكاثر الجنسي رغم تكلفته العالية، من البحث عن شريك وتقاسم الجينات، إلا أنه يظل الأكثر انتشارا بين الكائنات، إذ يحدث في نحو 99.9% من الأنواع.

ويرجع ذلك إلى أن التكاثر الجنسي يسمح بإعادة خلط الحمض النووي عبر عملية إعادة التركيب الجيني، ما ينتج تنوعا وراثيا واسعا يساعد الأنواع على التكيف والبقاء، إضافة إلى قدرته على “تنقية” الطفرات الضارة عبر الأجيال.

كيف تتجنب سمكة مولي الأمازون الانقراض؟

تشير دراسة حديثة إلى أن سر بقاء هذه السمكة قد لا يكمن في الاستنساخ فقط، بل في آلية أخرى أكثر تعقيدا تعرف باسم التحويل الجيني، وهي عملية لإصلاح الحمض النووي تحدث أيضا لدى البشر.

وتسمح هذه الآلية للخلايا بإصلاح التلف الوراثي باستخدام نسخة سليمة من الجين كقالب، ما يساعد على تقليل تراكم الأخطاء الجينية.

لكن في حالة مولي الأمازون، يبدو أن هذه العملية تعمل بكفاءة غير معتادة، وبوتيرة أعلى من معظم الكائنات، ما يعوض غياب التكاثر الجنسي ويُبقي الجينوم في حالة “صحية” نسبيا.

لقد نجا هذا النوع من الأسماك لمدة 100 ألف عام دون وجود ذكور. اعتقد العلماء أنه كان من المفترض أن ينقرض منذ زمن طويل، لكنه يزدهر الآن.

إرث هجين يمنح أفضلية مبكرة

تعود أصول هذا النوع إلى تهجين نادر بين أنثى من مولي الأطلسي وذكر من مولي الشراع، ما منحه منذ البداية تنوعا جينيا استثنائيا، ساعده على مقاومة التدهور الوراثي المتوقع.

ويرى الباحثون أن هذا المزيج الوراثي، إلى جانب كفاءة آلية الإصلاح الجيني، قد يكون السبب في استمرار هذا النوع حتى اليوم دون انهيار جيني، على عكس ما تتوقعه النظريات التقليدية.

انعكاسات أوسع على علم الأحياء

يشير العلماء إلى أن فهم هذه الآليات قد يفتح آفاقاً جديدة في دراسة الطفرات الجينية لدى البشر، بما في ذلك الأمراض المرتبطة بها مثل السرطان، الذي يُعد في جوهره مرضاً ناتجاً عن تراكم الطفرات.

ورغم ذلك، يؤكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن التكاثر الجنسي يمكن الاستغناء عنه، بل تشير فقط إلى أن الطبيعة قد تمتلك أكثر من طريقة للحفاظ على استقرار الجينوم.

تم نسخ الرابط