كان من حسن حظي أنني زرتُ كل ربوع المحروسة في تسعينيات القرن الماضي؛ من الصحراء الغربية إلى الصحراء الشرقية، ومن أسوان إلى السلوم. كنت أريد أن أعرف عن قرب «عبقرية مصر»، كما وصفها الراحل العظيم جمال حمدان، الذي خلص إلى أن هذه التضاريس المتنوعة لم توجد عبئًا على المصري، بل انعكست تشكلاتها في ملامحه، ورُسمت تفاصيلها في سلوكه.
وفي كل مرة كنت أذهب فيها إلى منطقة ما، كنت أنظر إلى الجبال والهضاب والصحارى، وأسأل نفسي: هل لهذه التشكيلات سرٌّ لم نعرفه بعد؟ ولماذا تبدو الصحراء المترامية الأطراف كأنها صفحة بيضاء لا حبر ينطقها؟ جبال جاثمة في صمت، ورمال لا تبوح بما تخفيه تحت بريقها.
رأيتُ في تلك الرحلات بعض المناجم ضمن زيارات لمناطق محيطة بها. وكانت هذه المناجم تعمل بوسائل عتيقة، وأساليب قاسية على العاملين فيها، ومؤلمة لزائريها. ولم تكن بيئات عمل وعرة بقدر ما كانت مخاطرة غير محسوبة. وقد تركت هذه الزيارات لديَّ انطباعات سيئة عن العمل في تلك المناجم.
وحين تلقيت دعوة من المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، ضمن نخبة من الكُتّاب والإعلاميين، لزيارة منجم السكري، قفزت إلى ذاكرتي انطباعاتي السابقة. قلت لنفسي إن الزمن قد جرى، ومعه تغيّرت الأساليب، وتطورت الوسائل، وتبدلت الأدوات، وعلينا أن نرى إلى أين وصلنا.
وحين هبطت طائرة شركة الخدمات البترولية في مطار مرسى علم، بعد ساعة من الطيران، تذكرت كيف كان الوصول إلى هنا رحلة شاقة بالسيارة، عبر طرق كان معظمها غير ممهد. وفي المطار، عند التاسعة من صباح السبت الماضي، وقف الوزير يتفقد طائرة صغيرة، ثم شهد توقيع الجيولوجي سمير رمضان اتفاقية المسح الجيولوجي لكامل التراب المصري مع إحدى الشركات الأجنبية.
هذه الطائرة، المجهزة بأحدث تقنيات التصوير الدقيق والرصد العلمي، ستتولى تحليل كل ما يقبع في جوف أرضنا. ويفتح هذا المسح الجيولوجي بابًا لاستثمار مدروس في مجال التعدين؛ حيث المعلومات لا التكهنات، والبيانات لا التوقعات، والتحليلات العلمية التي تتيح إدارة الموارد الطبيعية وفق خطط لا تحتمل اللبس. وهذا ما يمكن أن يرفع نسبة مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من 1% إلى 6%.
ومن المطار، وطائرة المسح الجيولوجي الجوي، إلى منجم السكري، الذي ظل شاهدًا على ما حباه الله لأرض مصر منذ العصور القديمة وحتى اليوم. ومنذ أن وطئت قدماي أرض جبل السكري، شعرت بأنني أمام تجربة فريدة؛ فلا شيء مما رأيته في السابق موجود هنا. المكان مبهج، والبشر مبتسمون ومستبشرون. إنه مكان يعمل وفق قواعد علمية ونظام دقيق؛ موقع عمل منظم للغاية، ونظيف جداً. يضمن للجميع أعلى درجات السلامة، بداية من الملابس الخاصة، مرورًا بخرائط التحرك، وصولًا إلى ورش صيانة المعدات ومراحل التصنيع المختلفة.
وفي قلب الصحراء الشرقية تتشابه ملامح البشر حتى تكاد تختلط. كنا جميعًا في زي موحد، ودهشة موحدة، وفرح يسكن الجميع. فالسكري ليس مجرد موقع عمل، بل تجربة تستحق أن تُنقل إلى مواقع كثيرة. بل لا أبالغ إذا قلت إن الموقع على ما فيه من جدية، يصلح أن يكون مزاراً سياحيا.
وفي الموقع يوجد شباب وشابات يملأ الحماس قلوبهم، ويتجسد الطموح في خطواتهم. كانوا، مع وزيرهم، لوحة تُنحت بإبداع على صخور جبل السكري؛ طموح لا ينفد، وأحلام تعيد قراءة الصحارى وتفك طلاسم الجبال، حيث يتوقعون أن يجاور جبلَ السكري جبالٌ أخرى ما تزال على بكارتها، لنرى مواقع تالية ومناجم متجددة.
إن ما رأيته في هذه الرحلة، وما سمعته من المهندس كريم بدوي، يكشف بجلاء عن سواعد البنائين العظام، ويرسم معالم مستقبل يُبنى بالعلم والعلماء.