عاجل

سمير عنتر: العالم يعتمد على نظام إنذار مبكر لمواجهة التفشيات الوبائية|خاص

الدكتور سمير عنتر،
الدكتور سمير عنتر، مدير مستشفيات حميات إمبابة سابقًا

قال الدكتور سمير عنتر، مدير مستشفيات حميات إمبابة الأسبق، إن مفهوم الأمراض الفيروسية “المتوطنة” أو “المتوترة” كما يُشار إليها في بعض السياقات، يرتبط بطبيعة وجود بعض الفيروسات في بيئات جغرافية محددة حول العالم، موضحًا أن هذه الأمراض ليست ظاهرة جديدة أو طارئة، وإنما هي أمراض قائمة بالفعل منذ فترات طويلة، لكنها تتفاوت في درجة انتشارها وظهورها من وقت لآخر بحسب الظروف البيئية والمناخية والصحية المحيطة بها.

كيف ينتشر فيروس الإيبولا؟

وأوضح عنتر، في تصريحات خاصة ، أن هناك مناطق معينة في العالم تُعد بيئات مناسبة لانتشار بعض الفيروسات، خاصة المناطق الاستوائية ووسط أفريقيا، نظرًا لارتفاع درجات الحرارة طوال العام، وكثافة الغابات، ووجود بيئات طبيعية تساعد على تكاثر الحشرات والبعوض، إلى جانب وجود حيوانات تعتبر وسيطًا أو ناقلًا لبعض الفيروسات. وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة تجعل تلك المناطق أكثر عرضة لظهور بؤر مرضية بشكل دوري أو متكرر.

وأشار إلى أن مرض الإيبولا يُعد أحد أبرز الأمثلة على الأمراض المتوطنة في بعض دول وسط أفريقيا، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية ودول الجوار، حيث يظهر المرض في شكل فترات تفشٍ محدودة داخل نطاق جغرافي معين، وغالبًا ما يكون مرتبطًا بانتقال الفيروس من الحيوانات إلى الإنسان، أو من خلال احتكاك مباشر في بيئات معينة، ثم يتم احتواؤه داخل نفس النطاق بفضل التدخلات الصحية.

وأضاف أن هذه الأمراض عادة لا تنتشر بشكل عشوائي أو عالمي دائم، بل تكون مرتبطة ببؤر محددة تُعرف طبيًا باسم “بؤر الظهور”، وهي مناطق يحدث فيها انتقال الفيروس بشكل محدود نتيجة تفاعل عوامل بيئية وبشرية، ثم تبدأ هذه البؤر في الانحسار تدريجيًا مع تطبيق الإجراءات الصحية والوقائية.

الترصد الوبائي

وأكد أن هناك نظامًا عالميًا دقيقًا يُعرف باسم “الترصد الوبائي”، تشارك فيه وزارات الصحة في مختلف دول العالم بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ويهدف إلى مراقبة ظهور أي أمراض غير معتادة أو تفشيات وبائية في أي منطقة، بحيث يتم الإبلاغ الفوري عن أي حالة مشتبه بها، ومتابعة تطور الوضع الصحي بشكل لحظي.

وأوضح أن هذا النظام يعتمد على وجود فرق رصد ومتابعة تعمل على مدار العام في الدول والمناطق المعرضة لظهور الأمراض، بحيث يتم تسجيل أي حالة مرضية غير طبيعية، وتحليلها، ثم إرسال تقارير عاجلة إلى الجهات الصحية العالمية، مما يسمح باتخاذ إجراءات سريعة للحد من انتشار العدوى قبل خروجها عن السيطرة.

وأضاف أن في حال ظهور أي حالات إصابة في منطقة معينة، يتم إصدار إنذار صحي عالمي، وتبدأ الدول في تطبيق إجراءات وقائية صارمة، خصوصًا فيما يتعلق بالأشخاص القادمين من هذه المناطق، حيث يتم التعامل معهم باعتبارهم قادمين من مناطق موبوءة، ويتم إخضاعهم لإجراءات فحص ومتابعة دقيقة.

وأشار إلى أن الإجراءات الوقائية تشمل العزل الصحي أو المتابعة الطبية لفترة زمنية محددة تُعرف بفترة الحضانة، والتي تختلف حسب نوع الفيروس، وقد تمتد في بعض الحالات إلى نحو 21 يومًا، وهي الفترة التي يُتوقع خلالها ظهور أعراض المرض إذا كان الشخص قد تعرض للعدوى فعليًا.

وأوضح أنه خلال هذه الفترة يتم متابعة الحالة الصحية للقادمين من المناطق الموبوءة بشكل يومي أو دوري، وفي حال ظهور أي أعراض مثل ارتفاع درجة الحرارة أو النزيف أو أعراض تنفسية حادة أو غيرها من العلامات المرتبطة بالفيروسات الخطيرة، يتم التعامل مع الحالة فورًا وفق بروتوكولات طبية صارمة تشمل إجراء التحاليل والفحوصات المعملية الدقيقة، بما في ذلك التحاليل الجزيئية لتأكيد التشخيص.

وأضاف أنه في حالة عدم ظهور أي أعراض خلال فترة المتابعة المحددة، يتم استبعاد الإصابة وإنهاء إجراءات العزل أو المتابعة، مع التأكيد على سلامة الشخص وقدرته على العودة إلى حياته الطبيعية دون أي قيود صحية.

وأكد مدير مستشفيات حميات إمبابة الأسبق أن إجراءات الترصد الوبائي لا تقتصر على المطارات فقط، بل تشمل أيضًا المنافذ الحدودية المختلفة، والموانئ، وأي نقاط دخول محتملة، حيث يتم التعامل مع أي حالة مشتبه بها فورًا، وإبلاغ الجهات الصحية المختصة بشكل مباشر، لضمان سرعة الاستجابة ومنع أي احتمالات لانتقال العدوى.

تجربة جائحة كورونا 

وتطرق إلى تجربة جائحة كورونا باعتبارها نموذجًا عالميًا لسرعة انتشار الفيروسات عبر السفر الدولي، موضحًا أن انتقال العدوى كان مرتبطًا بشكل أساسي بحركة السفر والاختلاط بين البشر، وهو ما دفع دول العالم إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة، شملت الفحص، والعزل، وفرض قيود على السفر، واستخدام وسائل الوقاية الشخصية مثل الكمامات والتباعد الاجتماعي.

وأضاف أن هذه الإجراءات رغم أنها لم تقضِ على الفيروس بشكل كامل في البداية، إلا أنها ساهمت في تقليل سرعة انتشاره حتى تم التوصل إلى اللقاحات والعلاجات، ثم بدأت تتحول إلى تحورات أقل شدة في التأثير على الصحة العامة.

مفهوم الترصد الوبائي يقوم على مبدأ الاستعداد الدائم 

وأشار إلى أن مفهوم الترصد الوبائي يقوم على مبدأ الاستعداد الدائم وعدم الانتظار حتى تفشي المرض، بل العمل الاستباقي على اكتشاف الحالات مبكرًا، وتحليل البيانات الصحية بشكل مستمر، والتواصل بين الدول لتبادل المعلومات حول أي تطورات وبائية.

وأكد أن بعض الأمراض الفيروسية تظل مرتبطة ببيئاتها الطبيعية ولا يمكن القضاء عليها بشكل نهائي طالما استمرت الظروف البيئية المساعدة على وجودها، مثل الحرارة المرتفعة، والرطوبة، وتكاثر الحشرات أو القوارض، إلا أن السيطرة عليها ممكنة من خلال أنظمة الترصد والتدخل السريع والوعي الصحي المجتمعي.

وشدد على أن التعاون الدولي في المجال الصحي يمثل عنصرًا أساسيًا في الحد من انتشار الأمراض، حيث تعتمد الدول على بعضها البعض في تبادل المعلومات والخبرات، بما يضمن سرعة الاستجابة لأي تهديد صحي عالمي محتمل.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الخوف من هذه الأمراض يجب أن يكون في إطار الوعي والاحتراز وليس القلق المبالغ فيه، مشيرًا إلى أن وجود أنظمة ترصد قوية، وإجراءات حجر صحي دقيقة، وتعاون دولي مستمر، كلها عوامل تجعل السيطرة على هذه الأمراض ممكنة، وتحد من خطر تحولها إلى أوبئة واسعة الانتشار.

تم نسخ الرابط