عاجل

في قلب نيويورك، وعلى مقربة من ميدانها الأشهر تايمز سكوير، دخلت إلى عالم برودواي المبهر ، مسرح يشارك جمهوره في تجربة فنية مكتملة التفاصيل.
كان العرض  الذي اخترته مع صديقتي الأمريكية المصرية "علاء الدين" ليكون  تذكرتي  الأولي لعبور  بوابة العالم الساحر ، رواية من الشرق  ارتبطت بقراءات الطفولة واستعراضات  الفيلم الشهير  الذي قام ببطولته "ويل سميث ومينا مسعود"  ، تحديت عقلي  في كيفية منافسة مشهد دخول الموكب للأمير" علي ابابوا "علي ظهر الأفيال ،  في برودواي لم أري أفيال ، لكنني وجدت 180 دقيقة من الإبهار ،  حياة كاملة تعاش على خشبة العرض ، رقص وغناء حي وموسيقي غنية واستعراضات مبهرة ، وأرض تنشق ليخرج الجني مرات ويعود بنفس الإبهار ، سجادة تطير في الهواء بلا أي مشهد لأحبال ظاهرة، تكنولوجيا حديثة تغلف أزياء أسطورية.

منذ اللحظة الأولى، لفتني التنظيم الدقيق. المسرح، مسرح نيو أمستردام، يتسع لحوالي 1700 مشاهد، تخيل العدد ! لا يطلق علي مسرح برودواي الا ما زاد عن 500  مقعد علي أية حال ، ومع ذلك لا تشعر بأي فوضى. 
الدخول يتم بانسيابية لافتة في صفوف واضحة، موظفون يرشدون الجمهور بهدوء واحتراف، وكل شيء محسوب بدقة زمنية تحترم قيمة التجربة. حتى لحظة الخروج، رغم الزحام، تسير بانضباط وكأنها جزء من العرض نفسه.

ما إن تطفأ الأنوار، حتى يبدأ عالم آخر 
هنا لا تعود مجرد متفرج، بل تصبح شريكًا في الحكاية. المسرح ليس مكانًا للعرض فقط، بل مساحة تعيش فيها حيوات متعددة في آنٍ واحد تضحك، تندهش، وربما تنسى تمامًا أنك تجلس على مقعد بين مئات الآخرين ، هل ارتفعت يدي في الهواء مع ياسمينا ، أعتقد فعلت .

أما الأوركسترا الحية كانت أحد أكثر العناصر التي أسرتني بمايسترو  وعازفين ينسجون الموسيقى لا فقط يعزفونها ولا تأتي من تسجيل بعيد، بل تنبض من قلب المكان، يخلقون الإيقاع لحظة بلحظة. هذا الحضور الحي يضفي عمقًا لا يمكن تعويضه، ويجعل كل مشهد يبدو وكأنه يولد أمامك لأول مرة.

أما عن الأداء، فكان مزيجًا مدهشًا من الغناء الحي والرقص المتقن. كل حركة محسوبة، كل انتقال بين مشهد وآخر يبدو سلسًا وكأنه جزء من نبض العرض. لم يكن هناك انفصال بين التمثيل والاستعراض؛ بل حالة اندماج كاملة تجعل من العمل وحدة واحدة متماسكة.

ويظل دور الجني، الذي يقدمه Michael James Scott، هو القلب النابض لهذا العرض. حضوره طاغٍ مفعم بالطاقة، قادر على كسر الحاجز بينه وبين الجمهور في لحظة. يضحكك، يفاجئك، ويقود الإيقاع العام للعرض بخفة وذكاء. لم يكن مجرد شخصية مساندة، بل عنصرًا محوريًا يمنح العرض روحه الخاصة.

شعرت بغيرة شديدة لدينا نصوص سحرية عديدة تحكي " ألف ليلة وليلة " او تنطق بلسان الحيوانات في " كليلة ودمنة " ، لدينا مبدعين في الغناء والتمثيل يمثلون ثروة حقيقية ، فماذا ينقصنا لتخرج نصوص مختلفة للحياة  تملئ الكون ابداعاً ،على تلك الخشبة، تتحول القصص إلى حياة، ويتحول الجمهور إلى جزء من سحر لا ينسى او كما رأى أرسطو :يظل المسرح مساحة لتطهير الروح حيث لا نكتفي بالمشاهدة، بل نعيد اكتشاف أنفسنا في حيوات تعرض أمامنا فنخرج أكثر فهمًا وربما أكثر إنسانية.

تم نسخ الرابط