خلاف متصاعد بين دار الكتب واتحاد الناشرين بسبب ملفات الإيداع (خاص)
دخلت أزمة القرار رقم ١٩٨ لسنة ٢٠٢٦، الصادر عن الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، مرحلة جديدة من التصعيد، بعد البيان المطول الذي أصدره اتحاد الناشرين المصريين برئاسة فريد زهران، ردًا على البيان التوضيحي الصادر عن الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، بشأن آليات إيداع الكتب والحصول على أرقام الإيداع.
الأزمة التي بدأت بشكاوى متفرقة من ناشرين حول اشتراطات جديدة للحصول على رقم الإيداع، تحولت سريعًا إلى مواجهة مفتوحة بين الطرفين، وسط مخاوف متزايدة داخل الوسط الثقافي من تأثير الإجراءات الجديدة على صناعة النشر وحقوق الملكية الفكرية.
وكانت دار الكتب قد أصدرت بيانًا توضيحيًا أكدت فيه أن القرار يأتي في إطار تطوير منظومة العمل والتحول الرقمي وتسهيل الإجراءات الإدارية، مشيرة إلى أن الهدف هو بناء قاعدة بيانات إلكترونية حديثة تحفظ الإنتاج الفكري المصري وتواكب التطورات التكنولوجية، مع التأكيد على تقديرها الكامل للناشرين والمؤلفين وحرصها على التعاون مع جميع أطراف صناعة النشر، لكن اتحاد الناشرين اعتبر أن البيان تجاهل جوهر الأزمة، ولم يقدم ردودًا واضحة على النقاط الأساسية التي أثارت غضب الناشرين خلال الأيام الماضية.
وأوضح الاتحاد، في بيانه، أنه لم يطلع أصلًا على نص القرار رقم ١٩٨ لسنة ٢٠٢٦ قبل بدء تطبيقه فعليًا، مؤكدًا أن القرار لم ينشر أو يعلن بالطرق الرسمية المعتادة، وأن الاتحاد لم يعلم به إلا بعد تلقيه عشرات الشكاوى من ناشرين أكدوا رفض معاملاتهم ما لم يلتزموا بالشروط الجديدة.
وأبدى الاتحاد استغرابه مما وصفه بـ«تجاهل» دوره القانوني، متسائلًا عن أسباب عدم إشراكه في مناقشة القرار أو صياغته قبل صدوره، رغم كونه الجهة المهنية المنظمة لصناعة النشر في مصر بموجب القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٥.
واعتبر الاتحاد أن إصدار قرارات تمس جوهر صناعة النشر دون الرجوع إليه يمثل تهميشًا غير مبرر لدوره النقابي والمهني، خاصة أن القرارات الجديدة ـ بحسب البيان ـ ترتبط مباشرة بحقوق الناشرين والمؤلفين وآليات تداول المصنفات الفكرية.
وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في اشتراط تسليم نسخة إلكترونية من العمل بصيغة «وورد» قابلة للتعديل والنسخ، بدلًا من ملفات «PDF» المغلقة التي جرى العمل بها خلال السنوات الماضية.
ويرى اتحاد الناشرين أن هذا الشرط يثير مخاوف حقيقية تتعلق بحماية الملكية الفكرية، معتبرًا أن الملفات المفتوحة قد تعرض الأعمال الأدبية والعلمية لخطر التسريب أو القرصنة أو التلاعب بالمحتوى، وهو ما وصفه بأنه «تراجع غير مبرر» عن إجراءات الحماية المتعارف عليها.
وأشار الاتحاد إلى أن العمل بنظام ملفات «PDF» ظل قائمًا لما يقرب من عشر سنوات دون أزمات، مستندًا إلى القرار رقم ٣٦٣ لسنة ٢٠١٧، الذي نظم عملية الإيداع الإلكتروني سابقًا.
كما أثار الاتحاد اعتراضًا آخر يتعلق بإلزام الناشرين بتسليم الملفات على مرحلتين؛ الأولى قبل صدور الكتاب فعليًا عند طلب رقم الإيداع، والثانية بعد الطباعة النهائية.
وبحسب البيان، فإن هذا الإجراء يطرح إشكاليات قانونية ومهنية، لأن الدور الأساسي لدار الكتب ـ وفقًا لرؤية الاتحاد ـ يتمثل في حفظ وتوثيق المنتج الثقافي النهائي، وليس جمع مسودات أو نسخ أولية ما تزال في مراحل الإعداد والتحرير.
واعتبر الاتحاد أن مطالبة الناشرين بتسليم ملفات أولية قبل النشر قد تمثل مساسًا بخصوصية العملية الإبداعية وحرية النشر، فضلًا عن احتمالات تعارضها مع قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم ٨٢ لسنة ٢٠٠٢.
وفي المقابل، تتمسك دار الكتب بأن عملية الميكنة والتحول الرقمي أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تحديث نظم الأرشفة والتوثيق، والحفاظ على التراث الفكري المصري بصورة إلكترونية حديثة تتيح سهولة الحفظ والاسترجاع.
وترى مصادر داخل الوسط الثقافي أن الأزمة الحالية تكشف غياب قنوات الحوار المباشر بين المؤسسات الثقافية الرسمية واتحاد الناشرين، خاصة أن التحول الرقمي في قطاع النشر يحتاج إلى توافق مهني وتشريعي يضمن التطوير من جهة، ويحافظ على الحقوق الفكرية من جهة أخرى.
كما يخشى عدد من الناشرين من أن تؤدي الإجراءات الجديدة إلى تعقيد عملية استخراج أرقام الإيداع، بما ينعكس على حركة النشر وسرعة إصدار الكتب، خصوصًا لدى دور النشر الصغيرة والمتوسطة التي تعاني بالفعل من أزمات اقتصادية وارتفاع تكاليف الطباعة.
وفي ختام بيانه، أعلن اتحاد الناشرين رفضه الكامل للإجراءات المستحدثة، مطالبًا بإلغائها مؤقتًا لحين مراجعتها بالتنسيق مع الاتحاد، محذرًا من أن استمرار الأزمة دون حوار قد يؤدي إلى تصعيد يؤثر على صناعة النشر المصرية بأكملها.
كما كشف الاتحاد عن رفع الأمر بصورة عاجلة إلى جيهان زكي، مطالبًا بتدخل وزارة الثقافة للوصول إلى صيغة توازن بين متطلبات التطوير الرقمي وحماية الحقوق الإبداعية للمؤلفين والناشرين.
وبين تمسك دار الكتب بخطة «التحول الرقمي»، وتمسك الناشرين بحماية الملكية الفكرية وخصوصية المصنفات، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من الجدل خلال الفترة المقبلة، في انتظار تدخل رسمي يعيد صياغة العلاقة بين التطوير الإداري وحقوق صناعة النشر في مصر.