عاجل

من بطاقات التموين للكاش.. هل يحمي الدعم النقدي الفقراء في موجات الغلاء؟ |خاص

الدعم النقدي
الدعم النقدي

تواصل الحكومة بحث آليات تطوير نظام الدعم بما يحقق عدالة أكبر وكفاءة أعلى في توجيه الموارد، في إطار التحولات الجارية في منظومة الحماية الاجتماعية.

وقال الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إن الحكومة تدرس بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي اعتبارًا من العام المالي 2026/2027، ضمن خطة تستهدف تحديث آليات الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه بشكل أكثر دقة وفاعلية، ليثير ذلك تساؤلًا: هل يحمي الدعم النقدي الفقراء من موجات الغلاء؟

في البداية أكد الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، أن تحويل الدعم العيني إلى نقدي هو خطوة ضرورية، حيث نسعى حاليًا إلى تحرير أسعار السلع التموينية بشكل كامل، مع الحفاظ على شكل من أشكال الدعم النقدي للمواطنين الأكثر احتياجًا، موضحا أن هذا التحرير لا يعني رفع الأسعار بشكل عشوائي، وإنما إعطاء المواطن مبلغًا محددًا يمكنه من شراء السلع وفق أسعار السوق.

وأضاف عامر في تصريحات خاصة لـ “نيوز رووم”، أن السلع أصبحت متحررة أسعارها بالكامل، لكن الدولة تمنح للمواطن دعمًا نقديًا لتعويض الفروق البسيطة بين أسعار وحدات التموين والأسواق، وأن الفرق بين الأسعار داخل وحدات التموين والأسواق التجارية لا يعد كبيرًا، على سبيل المثال سعر الزيت في التموين أقل من السوق بحوالي 5 إلى 10 جنيهات فقط، مما يجعل الدعم المالي هو الوسيلة الأساسية لضمان حصول المواطن على السلع دون زيادة كبيرة في الأعباء المالية.

زيادة المرتبات والمعاشات لتتماشى مع التضخم الحقيقي 

وأشار إلى أن تحويل الدعم العيني إلى نقدي يسهل أيضًا إمكانية زيادة المرتبات والمعاشات لتتماشى مع التضخم الحقيقي في السوق، لا سيما وأن الحد الأدنى الحالي للراتب البالغ 7 آلاف جنيه غير كافٍ، موضحًا أن التضخم الحسابي الرسمي الذي تعلن عنه الحكومة والذي يبلغ 15 % لا يعكس الواقع، إذ إن التضخم الفعلي في السوق منذ العام الماضي وصل إلى 29%، مع ارتفاع أسعار منتجات أساسية مثل الزيت، الأرز، السكر، والشاي، والفارق بين التضخم الرسمي والحقيقي يأكل مدخرات المواطنين ويقلل من القوة الشرائية للرواتب

وأضاف الخبير الاقتصادي أن الحكومة تعمل على زيادة المرتبات والمعاشات تدريجيًا لمواكبة هذا التضخم، مع التأكيد على التزام القطاع الخاص بالحد الأدنى للرواتب وفق قانون العمل، حيث يتم مراقبة التزام المؤسسات الخاصة من خلال جولات تفتيشية لوزارة القوى العاملة.

وتطرق عامر إلى آليات استهداف المستحقين للدعم النقدي، مشيرًا إلى أن ذلك يتم بناءً على دراسة دقيقة تشمل مستوى الدخل، ملكية العقارات، استهلاك الكهرباء، وجود الأولاد في المدارس، ونوع التعليم، كما أن الحكومة لم تشمل كل المواطنين ضمن برنامج "تكافل وكرامة"، لكنها بدأت بتغطية الفئات الأكثر احتياجًا، مع وعد بتوسيع نطاق البرنامج تدريجيًا حسب الموارد المالية المتاحة في الموازنة العامة، فالمستهدف لدينا 5 ملايين مستفيد، لكن الصرف يتم تدريجيًا لضمان استدامة البرنامج، وأن الحكومة تستخدم فرقا من وحدات البحث الاجتماعي ورجال التأمينات لمراجعة الأوضاع المعيشية وضمان وصول الدعم إلى من يستحقه بالفعل.

نظام الدعم النقدي سيسمح للدولة بإعادة هيكلة منظومة التموين 

وأوضح أن التحول إلى الدعم النقدي من شأنه خفض أعباء الموازنة العامة واستهداف الفئات الأكثر استحقاقًا بالدعم ووقف الهدر والفساد الذي يشوب منظومة الدعم السلعي، إذ تمر السلع التموينية من زيت وسكر وغيره بعدة حلقات وسيطة قبل أن تصل إلى يد المستهلك (أصحاب بطاقات التموين) الأمر الذي يكلف الدولة نفاقات أكثر ويجعل صافي الدعم الذي يحصل عليه المواطن أقل من المخصص بالموازنة.

وشدد على أن التحول إلى نظام الدعم النقدي سيسمح للدولة بإعادة هيكلة منظومة التموين ككل وجعلها أكثر عدالة واستهدافًا للفئات المستحقة، وأن هذا التوجه لا ينفصل عن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يرمي لخفض فاتورة الدعم ضمن إجراءات ضبط المالية العامة للدولة.

من جانبه أكد الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي أن نجاح الحكومة في التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، يقاس بمدى قدرة المواطن على شراء السلع الأساسية بالمبلغ الممنوح له نقديًا، موضحًا أنه إذا استطاع المواطن الحصول على احتياجاته الأساسية من خلال الدعم النقدي، فهذا يمثل نجاحًا كبيرًا للحكومة، أما إذا لم يكفِ المبلغ لشراء ما كان يحصل عليه سابقًا من خلال الدعم العيني، فإن ذلك يعد فشلًا يجب الاعتراف به.

الدعم العيني كان يمثل عبئًا ماليًا ضخمًا على الموازنة العامة للدولة

وأوضح الشافعي في تصريحات خاصة لـ “نيوز رووم”، أن الدعم العيني كان يمثل عبئًا ماليًا ضخمًا على الموازنة العامة للدولة، حيث بلغت نفقات توفير السلع الأساسية مثل السكر والأرز والمكرونة ما بين 60 و 80 مليار جنيه سنويًا، مؤكدًا أن التحول إلى الدعم النقدي يوفر على الدولة هذه النفقات، ويمنح المواطن حرية اختيار احتياجاته بنفسه بعيدًا عن مشكلات التهريب أو سوء الإدارة التي صاحبت نظام الدعم العيني.

وأشار إلى أن نجاح منظومة الدعم النقدي يعتمد بشكل أساسي على دقة تحديد المستحقين، موضحًا أن الحكومة تعتمد على قواعد بيانات دقيقة من وزارتي التموين والتأمينات الاجتماعية لضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، مع متابعة مستويات الدخل والمعيشة والإنفاق الأسري، مؤكدًا أن الدعم لا يتم توزيعه بشكل عشوائي، وإنما وفق معايير واضحة تضمن وصوله للمستحقين الفعليين.

ضبط الأسواق وتنظيم عرض السلع بالتوازي مع تطبيق الدعم النقدي

وشدد الشافعي على أهمية ضبط الأسواق وتنظيم عرض السلع بالتوازي مع تطبيق الدعم النقدي، لمنع أي ارتفاعات غير مبررة في الأسعار أو ممارسات احتكارية، لافتًا إلى ضرورة تفعيل الرقابة على الأسواق، وإنشاء بورصات سلعية، ومتابعة الأسعار داخل الأسواق التجارية لضمان استفادة المواطنين من الدعم النقدي دون تعرضهم لاستغلال التجار أو الوسطاء.

وأضاف: "إذا لم تتمكن الحكومة من تنظيم الأسواق بشكل فعال، فإن الدعم النقدي قد يفقد جزءًا كبيرًا من تأثيره، ويصبح المواطن مضطرًا لدفع أسعار أعلى للسلع الأساسية".

في سياق متصل أكد الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، أن الحكومة تتجه بشكل واضح نحو تحديث منظومة الدعم بمختلف أشكاله سواء النقدي أو العيني بما يواكب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية ويضمن كفاءة أكبر في توجيه الموارد.

وأوضح جاب الله في تصريحات خاصة لـ"نيوز رووم" أن هيكل الدعم في مصر يقوم على نظام مزدوج يجمع بين التحويلات النقدية مثل برامج تكافل وكرامة ، و الدعم العيني الذي يتمثل في السلع والخدمات الأساسية، مشيرًا إلى أن بعض صور الدعم العيني ستظل قائمة لفئات بعينها ولن يتم إلغاؤها، ومن أبرزها دعم الإسكان الاجتماعي ودعم الصادرات.

جزء من الدعم العيني الحالي لا يصل بالضرورة إلى الفئات الأكثر احتياجًا 

وأضاف أن جزءًا من الدعم العيني الحالي لا يصل بالضرورة إلى الفئات الأكثر احتياجًا بالشكل الأمثل، في حين أن برامج الدعم النقدي تستهدف بشكل مباشر الفئات المستحقة. ولفت إلى أن حجم الدعم شهد إعادة هيكلة ملحوظة عقب تحريك أسعار الوقود، حيث تم تقليص بعض بنوده، وأصبح يتركز بشكل أكبر في قطاعات محددة مثل المخابز ومنظومة الخبز وبعض الأنشطة الحيوية التي تتطلب تدخلاً داعمًا.

وأشار جاب الله إلى أن دعم السلع التموينية إلى جانب خدمات المياه والكهرباء سيظل مستمرًا خلال المرحلة الحالية، مع وجود توجه تدريجي لإعادة تسعير الكهرباء بحيث تقترب من مستوياتها الاقتصادية الفعلية، مع التأكيد على أن هذه التحركات تتم بصورة تدريجية ومدروسة لتخفيف أي آثار سلبية على المواطنين.

ولفت إلى أن هناك اتجاهًا لبحث آليات جديدة أكثر مرونة لتطوير منظومة الدعم، سواء من خلال تحويل بعض البنود إلى دعم نقدي أو اعتماد نموذج هجين يجمع بين الدعم النقدي والعيني، خاصة في ما يتعلق بالسلع التموينية والخبز، بهدف رفع كفاءة الإنفاق العام وتحقيق استفادة أفضل للمواطنين مع تخفيف الأعباء على الموازنة العامة للدولة.

تم نسخ الرابط