عاجل

بعد أزمة التنقيب.. هل تؤثر أزمة البحر الأحمر على استثمارات التعدين في مصر؟

التنقيب عن الذهب
التنقيب عن الذهب

في أعقاب واقعة التنقيب عن الذهب في البحر الأحمر، تتصاعد التساؤلات حول مدى تأثير الحادث على مستقبل قطاع التعدين في مصر، خاصة في ظل توجه الدولة نحو التوسع في استغلال الثروات المعدنية وتعظيم عوائدها الاقتصادية، وبين مخاوف من انعكاسات سلبية على مناخ الاستثمار، ورؤى تؤكد أن مثل هذه الحوادث قد تمثل نقطة انطلاق لإعادة تقييم المنظومة، يظل المشهد مفتوحًا على عدة احتمالات.

أزمة التنقيب عن الذهب

ويرى خبراء أن التأثير الحقيقي لا يرتبط بوقوع الحادث في حد ذاته، بل بكيفية التعامل معه، سواء عبر تشديد إجراءات الرقابة، أو إعادة صياغة الأطر القانونية المنظمة لنشاط التنقيب، خاصة في مجالات التعدين الصغير، كما يبرز التحدي في تحقيق توازن دقيق بين جذب الاستثمارات وضمان تطبيق معايير السلامة، بما يحافظ على استدامة القطاع ويحد من تكرار مثل هذه الوقائع.
وفي هذا السياق، قد تتحول الأزمة إلى فرصة لإصلاحات هيكلية أعمق داخل قطاع التعدين، تعزز من كفاءته وتدعم ثقة المستثمرين، ليبقى السؤال الأهم: هل يكون الحادث نقطة تعثر مؤقتة أم بداية لمرحلة أكثر تنظيمًا ونضجًا في إدارة الثروة المعدنية؟. 

تحرك عاجل من مجلس النواب

وفي أول تحرك برلماني تقدم النائب محمدعبده، عضو مجلس النواب، ببيان عاجل إلى الحكومة، على خلفية الواقعة الدامية التي شهدتها إحدى المناطق الجبلية بمدينة سفاجا في محافظة البحر الأحمر، والتي أسفرت عن مقتل 8 أشخاص وإصابة آخر، نتيجة مشاجرة مسلحة اندلعت بين عدد من المنقبين عن خام الذهب بشكل غير مشروع.

خطورة ظاهرة التنقيب العشوائي

وأشار عبدة، إلى أن ما حدث يعكس خطورة استمرار ظاهرة التنقيب العشوائي عن الذهب خارج الإطار القانوني، وما تسببه من فوضى وصراعات دامية تهدد أرواح المواطنين، خاصة في المناطق الجبلية النائية التي تفتقر إلى الرقابة الكافية، مؤكدًا أن الواقعة تكشف عن وجود بؤر خطرة تحتاج إلى تدخل حاسم وسريع من الدولة.

وأوضح عضو مجلس النواب، أن التحريات الأمنية كشفت أن الاشتباكات نشبت بسبب خلافات على أولوية التنقيب، قبل أن تتطور إلى استخدام الأسلحة النارية، وهو ما أدى إلى سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في آليات التعامل مع هذه الظاهرة المتنامية.

عقوبات واضحة لمواجهة التنقيب غير المشروع

وأكد النائب محمد عبدة، أن القانون وضع عقوبات واضحة لمواجهة التنقيب غير المشروع، حيث تنص المادة 42 من القانون رقم 145 لسنة 2019 المعدل لقانون الثروة المعدنية رقم 198 لسنة 2014، على معاقبة كل من يستخرج خامات من المناجم أو المحاجر دون ترخيص بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد على 5 ملايين جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بينما تصل العقوبة في حالة التكرار إلى الحبس لمدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن 250 ألف جنيه ولا تزيد على 5 ملايين جنيه.


وشدد على ضرورة تحرك الحكومة بشكل عاجل لوضع خطة متكاملة تشمل تشديد الرقابة، وتكثيف التواجد الأمني، واستخدام وسائل حديثة للرصد والمتابعة، إلى جانب دراسة إمكانية تقنين أو تنظيم عمليات التنقيب بما يضمن الحفاظ على الأرواح وحقوق الدولة في ثرواتها الطبيعية.

وجود خلل واضح في منظومة التقنين والرقابة

أكد الدكتور حسن بخيت، خبير الثروة المعدنية ورئيس رابطة المساحة الجيولوجية، أن الحادث الأخير في البحر الأحمر لا يعني فشل أو توقف نشاط التنقيب عن الذهب، بقدر ما يكشف عن وجود خلل واضح في منظومة التقنين والرقابة، مشددًا على أن "العيب ليس في التنقيب، وإنما في غياب الأطر المنظمة والمتابعة الفعالة".
وأوضح بخيت، في تصريحات خاصة لنيوز رووم، أن أي حادث يجب أن يكون فرصة للمراجعة والتعلم، معتبرًا أن ما حدث "قد يبدو في ظاهره أزمة، لكنه يحمل فرصة حقيقية لإصلاح المنظومة"، من خلال وضع قوانين واضحة وعادلة تضمن حقوق الدولة والمستثمرين على حد سواء، خاصة في مجال التعدين الصغير.

التعدين العشوائي ليست الحل

وأشار إلى أن المطالبة بوقف ما يُعرف بالتعدين العشوائي ليست الحل، مؤكدًا أن هذا النشاط يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة للاقتصاد إذا تم تقنينه بشكل سليم، لافتًا إلى أن دولًا مثل غانا تعتمد بشكل كبير على التعدين الصغير، حيث يمثل نسبة كبيرة من إنتاجها من الذهب.
وشدد على أن التحدي الأكبر يتمثل في اتساع المناطق الصحراوية وصعوبة إحكام السيطرة عليها، وهو ما يستدعي تبني آليات أكثر ذكاءً، تعتمد على ما وصفه بـ"رفع الحالة"، أي جمع بيانات دقيقة وواقعية عن حجم النشاط، سواء المرخص أو غير المرخص، وأماكنه، وعدد العاملين به، وطبيعة الأدوات المستخدمة.

غياب الأرقام الدقيقة يؤدي إلى قرارات غير دقيقة

وأضاف أن هذه البيانات تمثل حجر الأساس لأي قرار سليم، موضحًا أن "غياب الأرقام الدقيقة يؤدي إلى قرارات غير دقيقة"، داعيًا إلى تشكيل لجان متخصصة تعمل بشكل ميداني ومرن لرصد الواقع دون خلق حالة من التوتر مع العاملين في هذا القطاع.
وفيما يتعلق بقرار إتاحة التنقيب للمواطنين، أكد بخيت أن نجاحه مرهون بمدى واقعيته وقابليته للتطبيق، مشددًا على ضرورة الاستماع إلى الخبراء والعاملين على الأرض قبل إصدار أي تشريعات، حتى لا تبقى القوانين حبيسة الأدراج دون تنفيذ فعلي، مؤكدًا على أن الذهب يظل موردًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله، لافتًا إلى أن التجربة الناجحة لمنجم منجم السكري تمثل نموذجًا يُحتذى به، لكنها تحتاج إلى استكمال برؤية شاملة تعتمد على التخطيط العلمي وتحديث خرائط الموارد المعدنية، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة اقتصادية مع تقليل المخاطر مستقبلًا.
 

تم نسخ الرابط