ليس لإسرائيل حدود، ولن يكون لها. لا يمكن أن تكون صهيونيًا تعيش في إسرائيل أو خارجها ولا تؤمن بإسرائيل الكبرى. ولا يوجد شيء يجمع المعارضة في تابوت الحكومة سوى قناعات لا يستقيم وجودهم بغيرها. الدين هو الدولة، هو الوطن القومي، هو الهوية اليهودية. هذه ثوابت المشروع الصهيوني، وليست أفكارًا متطرفة لجماعات شذت.
قرأت في الأسابيع الأخيرة عشرات الكتابات المتواترة والملحّة، التي تناقش قضية “إسرائيل الكبرى”. قرأت بتأنٍّ ما كُتب بين ضفتين متباعدتين، طرحًا ونقاشًا. وبدا لي أن ثمة مفارقة يتكئ عليها طرفا التناقض. ينطلق الطرفان من أرضية طغت وطفت إلى الواجهة وكأنها رؤى لأطراف وجماعات متطرفة تحكم اليوم في الدولة العبرية. البعض يحذر، وغيرهم يقلل. البعض يراها فكرة لدى جناح متطرف، وغيرهم ينظر إلى الديموغرافيا كعقبة تحول دون طموحات أصحابها. يقولون إسرائيل دولة صغيرة المساحة، قليلة السكان، وهل كانت بريطانيا دولة كبيرة حين احتلت خمسين دولة وتحولت إلى امبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ومن يمنع إسرائيل من عبث طائرتها في المجال الجوي للبنان وسوريا والعراق وإيران. أليس المجال الجوي سيادة؟! ألا تدرس إسرائيل قصة أرض الميعاد في مدارسها؟
ومع احترامي للجميع، فإن “إسرائيل الكبرى” ليست حلمًا تبدده عقبات الجغرافيا، وليست قدرًا ينبغي الاستسلام له، وليست خرافة يمكن طمسها. إنها صلب ما شيدته الحركة الصهيونية، أصل الدولة ومحور وجودها. أحد أعمدة ثلاثة بنت الصهيونية عليها فكرة الوطن القومي، ونزع أحدها يُسقط بقية الأركان. لذا لن تجد أحدًا يؤمن بالصهيونية يمكن أن يُسقط فريضة “الوعد الإلهي”، أو “الشعب المختار”، أو “نقاء العرق”. هذه الأعمدة هي التي عبدت الطريق نحو حل “المشكلة اليهودية” البازغة مع صدور القوانين التمييزية ضدهم في روسيا القيصرية عام 1882، التي عُرفت بقوانين مايو.
كانت الدعوة التي أطلقها المفكر اليهودي ليو بنسكر عبر كتابه الشهير “الانعتاق الذاتي”، وتبنيه لفكرة الهجرة إلى فلسطين وتكوين وطن قومي، بمثابة اكتشاف طريق الخلاص من اضطهاد أوروبا الشرقية. وعليه تكوّنت جمعية “عشاق صهيون” بهدف مساعدة اليهود في الهجرة والعيش في فلسطين بتمويل من أدموند روتشيلد، حيث أسس أولى المستوطنات التي استقر بها “عشاق صهيون”. كان ذلك أول نشاط منظم لتيار الصهيونية العملية.
لكن حركة الهجرة كانت متواضعة جدًا، إذ كان كثير من هؤلاء يرون أن فلسطين أرض مقدسة يحجون إليها، لكنهم كانوا يرغبون في الهجرة إلى أوروبا الغربية، فضلًا عن العراقيل التي وضعها السلطان عبد الحميد الثاني بإصدار قانون في يوليو من العام نفسه يمنع دخول اليهود إلى فلسطين. كان ذلك بمثابة العقبة الأكبر أمام الحركة الصهيونية. فلا مشروع من دون بشر، ولا دولة من دون هجرة. فعدد اليهود في عام 1882 ، كان حوالي 25 ألفاً مقابل نصف مليون فلسطيني.
لذا وُضع ما يحول الحلم إلى واقع. إنه الدين؛ ففيه سحر الانقياد، وبه ما يحسم التردد. تبنت المنظمة فكرة قومية الدين عبر ترسيخ مبدأ “الأرض الموعودة” التي لا يكتمل الإيمان إلا بها. ومن هنا فشلت حركة “الاندماجيين” المناهضين للصهيونية والساعين لاندماج اليهود في مجتمعاتهم وتعميق انتمائهم بالدول التي يعيشون على أرضها. وفشلت أيضًا فكرة قيام وطن يهودي في أوغندا.
كان تيودور هرتزل قد أصدر كتابه “الدولة اليهودية” عام 1896، داعيًا إلى تأسيس دولة، من دون التركيز كثيرًا على فلسطين، تاركًا لليهود خيار المكان، كونه كان يعلم مدى حساسية فلسطين في ذلك الوقت. لكن هرتزل نفسه حاول بصورة مباشرة الحصول على موافقة السلطان عبد الحميد مقابل حل مشكلة تدهور الاقتصاد العثماني، كما حاول أيضًا مع الإمبراطور الألماني غليوم مقابل ولاء الدولة اليهودية لألمانيا ومن قلب الدولة العثمانية. وغازل القوى الاستعمارية بأن الدولة اليهودية في فلسطين ستشكل جزءاً من أوروبا ضد أسيا.. ستكون موقعاً أمامياً للحضارة ضد البربرية.
كانت عقبات الحلم الصهيوني كبيرة، ومن ثم كان حتميًا خلق روح جديدة مستعدة للدفاع عن المقدس بالاعتماد على النص الوارد في سفر التكوين: “وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان..”. هذا النص جرى عزله عن بقية نصوص العهد القديم. وهذا ما دفع جورج فريدمان، عالم الاجتماع اليهودي، إلى أن يقول: “إن الدين ينتزع من جذوره الحية، ويعزل داخل قومية متكاملة”.
وهذا ما أدى إلى وجود شرعية دينية تبرر الشرعية القومية المزعومة. بالتالي لا يمكن فصل الزعمين؛ فأحدهما يسقط الآخر، وبالتالي تسقط شرعية الدولة نفسها. هذا ما جعل بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، يعلن قيام “مملكة إسرائيل الثالثة”، امتدادًا لمملكة داود والمملكة الثانية التي جاءت بعد ثورة المكابيين عام 167 قبل الميلاد.
وكانت المشكلة بالنسبة لبن غوريون هي البشر الذين يسكنون في هذه الأرض، والتي استبدلها نيتنياهو بالسيطرة الجوية على سماوات لبنان وسوريا والعراق، فضلًا عن اقتطاع واحتلال ما تيسر من الأرض. المشكلة إذن ليست فيما يردده مايك هاكابي سفير أمريكا في إسرائيل، ولا ما يلح عليه سموتريتش وبن غفير، ولا في الطرح المعلن من قبل نيتنياهو، لكن المشكلة تكمن في فهم ثوابت الصهيونية التي جعلت هذه التصورات أصل الدولة.
ووفقًا لهذا التصور القبلي للدين، يرى الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي أن المطالبة بالحقوق التاريخية لليهود تستند إلى تعمية وتزييف تاريخيين. فالبلاد التي يسميها الكتاب المقدس أرض كنعان تقع على الهلال الخصيب الذي يمتد من الفرات إلى النيل، وهو موقع تاريخي عبرته وامتزجت فيه كثير من الشعوب، ولم تكن قبل إبراهيم أرضًا مهجورة.
يقول جارودي: “أي تلاعب تاريخي هذا الذي لا يذكر من التاريخ الطويل لهذه المنطقة سوى بضعة أحداث: هجرة إبراهيم من كل الهجرات، ومملكة داود من بين كل الممالك، وثورة المكابيين من بين كل الثورات.. إن هذه النزعة الاستبعادية عارية عن الصحة من الأساس، كما لو زعم البريتون، وهم أحفاد السلت الذين أقاموا في الأرض التي أصبحت اليوم فرنسا، أن فرنسا ملك لهم بحكم الحق التاريخي”.
ببساطة، نحن أمام دولة قامت على زعم “الحق الإلهي”، ولا يمكن التخلي عنه لأنه يعني التخلي عن الدولة. وإذا كانت تلك حقيقتها، فعلى الأقل ينبغي على محيطها أن يحتاط لمخططاتها، ويجعل قواته أكبر من قواتها، أو توازيها.