الحضانة والنفقة تُثير الجدل.. قانون الأحوال الشخصية على صفيح ساخن (تقرير)
قانون الأحوال الشخصية، واحد من أهم القوانين التي ينتظرها الشارع المصري، حيث يشكل أحد الركائز الأساسية لتنظيم العلاقات الأسرية في البيوت المصرية، فهو ينظم حقوق وواجبات الزوجين، ويراعي مصالح الأطفال بشكل مباشر، ومع التطورات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة، تزداد أهمية هذا القانون في معالجة قضايا الحضانة والنفقة، التي غالبًا ما تشهد جدلًا واسعًا بين الأبوين بعد الانفصال أو الطلاق.
قانون الأحوال الشخصية
وتبرز أزمة الحضانة والنفقة كأحد أكبر التحديات في تطبيق القانون، حيث يتطلب تحديد سن الحضانة وترتيب المستحقين للطفل، وكذلك تقدير النفقة بما يتوافق مع تكاليف المعيشة، توازنًا دقيقًا بين حماية حقوق الطفل وضمان عدالة الطرفين.
ومن جانبه قال الدكتور خالد حنفي، المحامي بالنقض والإدارية والدستورية العليا وعضو اللجنة التشريعية السابق بمجلس النواب، إن قانون الأحوال الشخصية يعد من أخطر وأهم القوانين التي تمس كل بيت مصري، نظرًا لارتباطه المباشر ببنية الأسرة واستقرارها، مؤكدًا أن هذا الملف يحتاج إلى معالجة شاملة ومتوازنة تأخذ في الاعتبار مصلحة جميع الأطراف، وعلى رأسهم الأطفال، وخاصة وأن هناك حديث عن تعديا هذا القانون منذ أكثر من 10 سنوات.
وأضاف حنفي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن إصلاح المنظومة يجب أن يبدأ من مرحلة ما قبل الزواج، مشددًا على ضرورة إقرار تحاليل ما قبل الزواج بشكل إلزامي، لما لها من دور كبير في الحد من الأمراض الوراثية والمشكلات الصحية التي قد تؤثر على استقرار الأسرة مستقبلًا، موضحًا أن هذه الخطوة لا تهدف إلى منع الزواج، بل إلى التوعية واتخاذ الاحتياطات اللازمة.
الحضانة أزمة تحتاج إعادة ترتيب
وأشار إلى أن ترتيب الحضانة في القانون الحالي يمثل إشكالية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بموقع الأب، الذي يأتي في ترتيب متأخر بعد عدد كبير من الأقارب، وهو ما يراه غير منصف، مؤكدًا ضرورة تعديل هذا الترتيب بحيث يأتي الأب مباشرة بعد الأم، لتحقيق قدر أكبر من التوازن الأسري.
وأضاف المحامي بالنقض والإدارية والدستورية العليا، أن حصول الأب على حق الحضانة في بعض الحالات يتطلب إجراءات قضائية معقدة وطويلة، وهو ما يستدعي تبسيط الإجراءات بما يحقق مصلحة الطفل في المقام الأول، لافتًا إلي أن سن الحضانة الحالي (15 عامًا) مناسب ولا يحتاج إلى تعديل، وأن رفعه إلى 18 عامًا قد يضر بالطفل، خاصة في هذه المرحلة العمرية التي يحتاج فيها إلى دور الأب بشكل أكبر، سواء في التوجيه أو بناء الشخصية، كما أن الطفل، سواء كان ذكرًا أو أنثى، يحتاج إلى توازن في العلاقة مع كلا الوالدين خلال هذه المرحلة الحساسة.
ملف الرؤية والاستضافة مرتبط بشكل وثيق بالحضانة
وأوضح حنفي، أن ملف الرؤية والاستضافة مرتبط بشكل وثيق بالحضانة، لافتًا إلى ضرورة تنظيم حق الاستضافة قانونيًا، بما يضمن للأب مشاركة حقيقية في تربية الأبناء، خاصة بعد السنوات الأولى من عمر الطفل، لافتًا إلي أن استمرار العلاقة بين الأبناء وكلا الوالدين بعد الانفصال أمر ضروري لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي للطفل، محذرًا من استخدام الحضانة كأداة للضغط أو الكيد بين الطرفين.
النفقات والتحول الرقمي
وفيما يتعلق بالنفقة، أكد حنفي أن التطور التكنولوجي والتحول الرقمي يتيحان للدولة إمكانية تحديد دخل الأب بشكل أكثر دقة، من خلال البيانات الرسمية والإقرارات الضريبية، وهو ما يسهم في تحقيق عدالة أكبر في تقدير النفقات، كشيرًا إلى أن قانون صندوق تأمين الأسرة يمثل أداة مهمة لدعم الأسر، مطالبًا بزيادة قيمته لتتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الحالية، بما يضمن توفير احتياجات الأطفال بشكل كافٍ.
ترتيب الوصاية هو ترتيب شرعي ومنطقي
وأشار إلى أن مسألة الوصاية تخضع لترتيب شرعي واضح، يبدأ بالأب ثم الجد، ثم الأقارب وفق تسلسل منطقي، مؤكدًا أهمية الالتزام بهذا الترتيب بما يحقق مصلحة الطفل ويحافظ على استقراره.
التوعية هي مفتاح حل هذه القضية
وشدد حنفي على أن حل أزمات الأحوال الشخصية لا يقتصر على التشريع فقط، بل يتطلب دورًا فعالًا من المؤسسات الإعلامية والدينية في نشر الوعي، وتعزيز قيم الاحترام المتبادل بين الزوجين حتى في حالة الانفصال، وأن الحفاظ على كرامة العلاقة بعد الانفصال ينعكس بشكل مباشر على نفسية الأبناء، محذرًا من أن الصراعات المستمرة بين الأبوين قد تؤدي إلى نشأة أجيال تعاني من اضطرابات نفسية واجتماعية.
قالت المحامية نهى الجندي، إن قانون الأحوال الشخصية يشهد تطورًا مستمرًا بهدف تحقيق التوازن بين حقوق جميع الأطراف، مؤكدة أن المعيار الحاكم في أي تعديل يجب أن يكون مصلحة الطفل الفضلى باعتبارها الأساس في كافة القرارات المرتبطة بالأسرة.
مصلحة الطفل أولًا
وأضافت الجندي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن القضاء يلعب دورًا محوريًا في تحقيق هذا التوازن، من خلال تقييم كل حالة على حدة، مشيرة إلى أنه يمكن تعديل نظام الحضانة إذا ثبت وجود ضرر على الطفل، بما يضمن توفير بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا له، لافته إلى أن تحديد مصلحة الطفل لا يقتصر على جانب واحد، بل يشمل عدة معايير أساسية، من بينها توفير بيئة آمنة ومستقرة، والحفاظ على العلاقة المتوازنة مع كلا الوالدين، إلى جانب تلبية احتياجاته النفسية والتعليمية والصحية بشكل كامل.
الحضانة بين الجدل والتعديل
وفيما يتعلق بملف الحضانة، أشارت الجندي إلى أن هناك نقاشًا واسعًا حول سن الحضانة وترتيب المستحقين، موضحة أن الترتيب التقليدي يمنح الأولوية للأم ثم الأب، إلا أن هذا الترتيب يجب أن يظل مرنًا ويحدد وفقًا لمصلحة الطفل في المقام الأول، وليس بشكل جامد.
النفقة يجب أن تتناسب مع معدلات التضخم
وأكدت أن قيمة النفقة يجب أن تتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، لافتة إلى أن تقديرها يعتمد على دخل الأب واحتياجات الطفل الفعلية، بما يضمن حياة كريمة له دون إجحاف لأي طرف، وأن هناك حاجة لتفعيل آليات أكثر صرامة لضمان سداد النفقة، مثل الخصم المباشر من الراتب أو اتخاذ إجراءات قانونية على الأصول، بما يضمن عدم التهرب من الالتزامات.
الوصاية وحماية أموال القصر
وفيما يخص الوصاية على أموال القصر، شددت الجندي على ضرورة إعادة النظر في بعض الجوانب لضمان حماية حقوق الأطفال المالية، من خلال تعيين أوصياء موثوقين أو تعزيز دور محاكم الأسرة في الرقابة، مشيرة إلى أهمية إقرار حق الاستضافة بشكل واضح، لما له من دور كبير في تعزيز العلاقة بين الأب وأبنائه، وخلق بيئة نفسية صحية ومتوازنة للأطفال بعد الانفصال.
أكدت نهى الجندي أن هناك جهودًا حكومية ومجتمعية جادة لإصلاح قانون الأحوال الشخصية، لكن الأهم هو أن تكون التشريعات مرنة وقابلة للتطبيق، وتضع مصلحة الطفل فوق أي اعتبارات أخرى، باعتبارها حجر الأساس في بناء مجتمع مستقر.