عاجل
إدريس إحميد
إدريس إحميد

تشهد المنطقة تحولات استراتيجية متسارعة، حيث لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع يتعلق بمستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
فالصراع الحالي يبدو أقرب إلى محاولة إعادة صياغة موازين القوة، عبر خلط الأوراق الجيوسياسية، وإدخال أطراف جديدة إلى دائرة التوتر، بما يفتح احتمالات متعددة أمام مستقبل المنطقة.
الصراع على هندسة النفوذ الإقليمي
تتحرك السياسة الأمنية لكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على التفوق العسكري ومنع تشكل قوة إقليمية منافسة.
ولا يقتصر الهدف على تحجيم قدرات إيران العسكرية، بل يمتد إلى إعادة ضبط شبكة النفوذ المرتبطة بها في عدة ساحات إقليمية.
ويلاحظ أن أنماط الصراع تميل إلى استخدام أدوات الضغط المتعدد، بما يشمل العقوبات الاقتصادية والتحركات العسكرية المحدودة والضغط السياسي غير المباشر.
خلط الأوراق عبر توسيع دائرة الحرب
لبنان ومعضلة الدولة والسلاح
يظل احتمال توسع المواجهة مع حزب الله أحد أخطر عناصر التصعيد في المشهد الإقليمي.
فلبنان يعيش حالة توازن سياسي حساس بين مؤسسات الدولة والقوى المسلحة غير النظامية. ومع استمرار التوتر الحدودي، قد تتحول الجبهة الشمالية إلى ساحة استنزاف طويل، حتى في حال عدم الوصول إلى حرب شاملة.
وتعكس الضغوط المطالبة بإعادة تنظيم السلاح داخل لبنان رؤية سياسية ترى أن استقرار الدولة يرتبط بواحدية القرار العسكري، رغم تعقيد تطبيق هذا المسار داخليًا.
العراق واليمن والجغرافيا المفتوحة للصراع
تمثل الساحة العراقية نقطة تفاعل بين النفوذ الدولي ونشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بالمحور الإقليمي.
وفي اليمن، قد يؤدي دور أنصار الله إلى توسيع التأثير الاستراتيجي للصراع، خصوصًا إذا تأثرت حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يمنح المواجهة بعدًا اقتصاديًا عالميًا يتجاوز الإطار العسكري المباشر.
العامل الكردي ومعادلة التوازن الإقليمي
تطرح بعض القراءات احتمال استخدام البعد الكردي كورقة ضغط جيوسياسي.
لكن احتمال قيام كيان سياسي كردي مستقل في المدى القريب يبقى محدودًا بسبب التعقيدات الإقليمية، خاصة الموقف الأمني الحساس لـ تركيا التي تعتبر أي توسع سياسي كردي تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لأمنها القومي.
هل نحن أمام إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟
تذهب بعض التحليلات إلى أن الصراع الحالي قد يتجاوز هدف تحجيم النفوذ الإيراني إلى محاولة بناء نظام أمني إقليمي جديد يقوم على:
تقليص تأثير الفاعلين العسكريين غير الدولتيين.
إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.
فرض معادلات ردع طويلة المدى.
غير أن سيناريو إعادة رسم الحدود الجغرافية أو تفكيك الدول يظل عالي المخاطر، لأن أي تفكك سياسي واسع قد يفتح موجات عدم استقرار تتجاوز الإقليم.
سيناريوهات المستقبل
الاحتواء المشروط
استمرار التوتر دون حرب شاملة.
الحرب متعددة الجبهات المحدودة
تصعيد عسكري مع إبقاء خطوط حمراء تمنع الانفجار الكلي.
الانفجار الإقليمي الواسع
وهو السيناريو الأقل احتمالًا لكنه الأخطر عالميًا.
خاتمة
يدخل الشرق الأوسط مرحلة تاريخية دقيقة، حيث يتحول الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع على شكل النظام الإقليمي القادم.
فمستقبل المنطقة لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل قدرة القوى الدولية والإقليمية على إنتاج ترتيبات استقرار جديدة تقلل احتمالات الانفجار.
ويبقى السؤال الاستراتيجي مفتوحًا: هل نشهد ولادة شرق أوسط جديد، أم أن المنطقة تتجه نحو فوضى جيوسياسية طويلة الأمد؟

تم نسخ الرابط