تتواصل رحلة «نيوز رووم» مع أيقونات رمضانية بالتزامن مع سابع أيام شهر رمضان لعام 1447 هجريا، وذلك عبر صوتٍ اعتبره البعض أحد كتبة وحفظة الوحي الشريف وإن أتى في عصرنا الحديث بعد ما يروب على 15 قرنًا من الزمان، فبصوته الذي جمع بين المعلم المربي والقارئ المتقن احتفظ الشيخ الحصري بمنزلة عظيمة في العالم الإسلامي.
وبالتزامن مع إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة تكريم الشيخ محمود خليل الحصري اليوم كـ شخصية قرآنية عالمية، كان شغفنا أن نتبحر في سيرته نلتمس من معينه الذي لم ينضب رغم سنوات عدة من الرحيل. فـ الشيخ الذي جمع القرآن الكريم بصوته عام 1961م، للحفاظ على الوحي الشريف من أن تمسه يد التحريف وضمانًا لاستمرارية ضبط تلاوته، لم يكن قارئًا عاديًا بل كان مُلهمًا بحق لعموم القراء من أبناء جيله ومن لحق به وإلى قيام الساعة.
ولد «الحصري» في عام 1917 بقرية شبرا النملة بمحافظة الغربية، وحفظ القرآن الكريم في الثامنة من عمره، ليبدأ رحلته مع اتقان فن المقامات وبعدها إلى العالمية، تميز بجودة حفظه، وأحكام، وروعة الصوت والأداء، وتمكن من قراءات وعلوم القرآن الكريم، وكانت له بصمة صوتية قرآنية خاصة لم يشابهه فيها أحد.
حفلت حياة الشيخ بمحطات عدة منها في عام 1944م حيث تقدم لامتحان الإذاعة وحصل على المرتبة الأولى من بين المتقدمين، كما عُيِّن الشيخ بعد ذلك قارئًا للمسجد الأحمدي بطنطا في عام 1950م، ثم قارئًا لمسجد سيدنا الإمام الحسين رضي الله عنه بالقاهرة عام 1955.
زادت شهرة الشيخ محليًا وعالميًا وجاب دول العالم تاليًا لآيات الذكر الحكيم، وسفيرًا مشرفًا لمصر والأزهر، وكان أول من نادى بإنشاء أماكن لتحفيظ القرآن في جميع القرى والمدن، ونقابة لقراء القرآن الكريم لرعاية شؤونهم ومصالحهم، وعُيِّن وكيلًا لمشيخة المقارئ المصرية عام 1958م، ثم شيخًا لها عام 1961م، كما عُيِّن خبيرًا بمجمع البحوث الإسلامية لشؤون القرآن الكريم بالأزهر الشريف، ثم رئيسًا لاتحاد قراء العالم عام 1967م.
ترك الشيخ الحصري تراثًا صوتيًا ضخمًا من تسجيلات القرآن الكريم في إذاعات العالم، وكان له السبق في مجال التسجيلات القرآنية، وحفظ بصوته العديد من الروايات كـ «ورش وقالون»، ولم يكن المصحف المعلم سوى تسطير لواحدة من أعظم الصدقات عبر العصور فيكفي أن تكون مربيًا ومعلمًا لملايين البشر على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأجناسهم خدمة لكتاب الله.
ويكفي من صدقه مع كتاب الله تعالى أن يرددها قوية: «لا أتقاضى أي مال على تسجيل كتاب الله»، وكأنه يرسخ لمن يحمل كتاب الله ألا يقع في شبهة وهو يتلوه أو يجعل المادة تسموا على الروح، فمهما بلغت الحاجة إلى المال فلا تعدل أن تكون رسولًا لنشر القرآن، وأن تنأى بنفسك عمن اشترى بآياته بخسًا وندما فيصدق فيهم قول الحق تبارك وتعالى:«وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ».
لم تكن رحلتي في الشغف بالشيخ الحصري كتلك التي أودعها الله عزوجل في قلبي للشيخين عبدالباسط والبنا، إلا أنه حفر لنفسه داخل الروح منزلة خاصة بعد ذلك، حينما يضع في قلبك وأنت صائم متعطشًا لبعض قطرات المياه أو لقيمات يقمن الصلب بعد معاناة مع الصيام، فيروي الروح ويغنيها بجودة أدائه وروعة إتقانه، فرحم الله من كان لكتابه أمينًا وفي صونه وحفظه معينًا لتبقى تلاوته الأندى لقوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ».
