يتواصل الحديث في ثالث أيام شهر رمضان ضمن حديثنا عن أيقونات رمضانية، بشيخ المبتهلين «سيد النقشبندي»، صاحب الصوت الذي تتلقفه الآذان بنهمٍ قبل استقراره في الأرواح والقلوب فتأمن ورائه في عشق لا يعرف نهاية، فهو الذي لاذ بـ «باب مولاه» فكان لواذه سببًا في أن لا يغيب بيننا وإن فارق الجسد.
ولد «النقشبندي» في محافظة الدقهلية العامرة بالرموز كالشعراوي، الراحل السيد سعيد، نصر الدين طوبار، وأم كلثوم، يوم السابع من يناير 1920 قبل ان ينتقل عنها إلى الصعيد، حفظ القرآن الكريم، وتعلم الإنشاد الدينى فى حلقات الذكر بين مريدى الطريقة النقشبندية، واشتهر بـ «مولاي»،«يا منزل الذكر في ليلة القدر»، «ماشي بنور الله»، و«أغُيب»، وتوفي «النقشبندي» إثر نوبة قلبية في الرابع عشر من فبراير 1976.
اعتادت إذاعة القرآن الكريم التي لم تفارقنا رحلة طفولتنا وشبابنا أن تجعل مناداتنا بقوله «لأنك ظاهر في كل شيء خفيت عن الخلائق في ظهورك»، ولم يكن لقولته «مولاي» سوى هزة أرضية عنيفة يصعب على قياس ريختر أن يحسم واقعها في القلوب. وارتبط به آذاني الفجر والمغرب رمضانًا تلو الآخر، فلا يُعرف شهر الخير بين المصريين سوى بروحانياته، قرآنه، أهازيجه، مدائحه، عاداته وتقاليده التي توارثتها الأجيال المتعاقبة، ورغم أن دولة التلاوة والمديح المصرية مَعِين عذب لا ينضب، إلا أن لأعلامها مكانة لا تنتزع بمرور الأيام ورحيل الأجساد.
ومع تسابق أيام رمضان ارتبط حضور «النقشبندي» في قرارة أذني بسندال الحداد الذي امتلكه جدي بشمال محافظة الدقهلية، فكان رحمه الله تعالى حدادًا صوفيًا يعرف لكل طريق إلى الله قدره، كان يخبرني أن المداح والمبتهل لا يقل مكانة في العمل الدعوي عن الشيخ، المفسر، والقارئ، فالجميع في التعريف بالله ورسوله جُند مجندة.
وقد جعلني رحمه الله قادرًا على أن أميز صوته بين ألوف المنشدين والمداحين والمبتهلين على اختلاف مشاربهم وأوطانهم. وعلى الرغم من أن شيخ المبتهلين واحدًا ممن تنبأ وتيقن بغيابه فأنشد عبقريته «أغيب» إلا أنه لم يغب عنا حقيقة يومًا من الأيام، وقف ببابا مولاه مناجيًا «مولاي» فتتبعه الواقفون في كل زمان ومكان، وشكت نفسه فشكو، وعظمت ذنوبه فاستغفروا وترحموا له، جعل الروح تطرب حبًا وخشوعًا فتنهال مع كلماته شلالات الدمع تزرف على وجنات العاشقين لمولاهم.
ولله في خلقه شؤون وحكم فقد كان لما أوقعه «النقشبندي» في القلوب من محبة خالقها نصيبا من اسمه، حيث يتكون اسم «النقشبندي» من مقطعين أحدهما «نقش» والآخر «بندي»، وهي في اللغة العربية: نقش حب الله على القلب، وفي الفارسية فإن «النقش بند» فتعني الرسام أو النقاش، وعرف بـ«النقشبندي» نسبة إلى الطريقة النقشبندية وشيخها بهاء الدين نقشبند المتوفى سنة 791 هجرية، فرحم الله ملك التواشيح.