تتواصل رحلة أيقونات رمضانية في سادس أيام شهر رمضان، مع القارئ الشيخ محمود علي البنا، صاحب الصوت الملائكي.
فمع تسارع أيام العشر الأول من شهر الرحمة والمغفرة والعتق لا يخلو بيت من روحانيات البنا الذي أدرجته إذاعة القرآن الكريم ضمن قرآن المغرب الأسبوع الأول من ليالي رمضان.
«البنا» الذي خرج من قرية شبرا باص في الـ 17 من ديسمبر لعام 1927، ليكون ضمن أضلع دولة التلاوة المصرية الخمسة أتم حفظه لكتاب الله في عمر الحادية عشر، ولُقب بـ «الطفل المعجزة»، وهبه الله تعالى ملكة تقليد صوت كبار القراء كالشيخ محمد رفعت، والشعشاعي، فتميز صوته بالعذوبة وصار يُعرف كصوتٍ ملائكي، وكان التحاقه بالإذاعة عام 1948.
ولا عجب أن يتسبب صوت البنا في إصابة المستمعين بحالة أشبه ما تكون فقدان العقل من شدة الوجد كتلك التي سردها الدكتور علي جمعة، حين سرد أسرار نقل البنا من الإمام الحسين إلى المسجد الأحمدي، حيث قال: «كان الناس يصابون بحال من الجنان بسبب جمال وحلاوة الشيخ البنا، فمنهم من يقوم من مكانه ويقفز لأعلى ومنهم من يغمى عليه، وهذا ما يسمى بالسلطنة والطرب، وبسبب هذا تم نقل الشيخ محمود علي البنا من مسجد الحسين، إلى المسجد الأحمدي وظل فيه 25 عامًا، فلما تذكر دعوة أمه له بأن يكون خادمًا لأحمد البدوي، هدأ باله».
قد لا أكون أقل حالًا من هؤلاء مع صوت البنا الذي لازال يعلق في ذهني سؤالًا عن أسرار صوته مرتلًا ومجودًا، وكيف وجد نفسه وهو يرتل آيات سورة الأحزاب، فلقد كان لوقع تلاوته لهذه الآية: "مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)" مفتاحًا جديدًا للتدبر.
تفسير وخاطرة خاصة جعلتني أتوقف كثيراً أمامها، وأعيد البحث فيها وسط جدال الوحي المتواصل بعد رحيل النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم والتعاطف مع البهائيين الذي يروج له البعض كحرية معتقد.
أعي أن المقصود بالآية قضية التبني لكن ما لم أفهمه حينها لمَ تتابعت بالحديث عن نفي الأبوة والرسالة والنبوة عمن يلي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والسياق خاص بالقضية الأولى وهي الأبوة دون غيرها من زعم تناقل الرسالة أو النبوة، وكان الجواب حينما انصرفت إلى كتب التفسير فوجدتها بيان أن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يكون لنبيه سمعا وطاعةً من عموم أمته باعتباره أولى بهم من أنفسهم كما أن أزواجه أمهاتهم، وأنه لم يكن له ابنًا ولو نسبة تبني متبوعًا برسالة أو نبوة فكان له صلى الله عليه وسلم أولادًا ذكورًا لم يكتب لهم عمر الشباب فتكون لهم رسالة أو نبوة محتملة، أو كان لزيد بن حارثة موضع حديثهم رسالة من بعده صلوات الله وسلامه عليه، فهي إعلام بأنه لا أحد موحى إليه أو يتبع كمحمد أبد الدهر.
عشقت «البنا» ولن أتوقف فكان واجبًا علي ملازمته حتى وهبني الله حينها قدرة على أن أصلَ تلاوتي بصوت وأن أهُرول إليه كلما اشتاقت نفسي لسماعه، فما أعذبُ أن تستمع إليه وهو يقص عليك نبأ الأحزاب وآيات التحريم، ولعل أفضل ما يمكن استعارته في الحديث عن كروان القرآن ما لقبه به الدكتور علي جمعة عضو كبار العلماء بأنه «العسل المصفى».
فرحم الله صاحب الصوت الملائكي وأكرمنا ونفعنا بتلاوته وجمعني به في حوار الأرواح أو يوم اللقاء في جنات عدن.
