الطاروطي قارئا: ماذا قالت الأوقاف عن المهن في خطبة الجمعة اليوم؟
يستقبل مسجد الرئيسي بمدينة بدر بمحافظة البحيرة اليوم شعائر صلاة الجمعة الأولى من شهر شعبان 1447، حيث تبدأ الشعائر بتلاوة للقارئ الشيخ عبدالفتاح الطاروطي وخطيبا الدكتور محمد خليفة .
موضوع خطبة الجمعة اليوم
وقالت الأوقاف في موضوع خطبة الجمعة اليوم التي تأتي تحت عنوان:«المهن في الإسلام طريق العمران والإيمان معا»، إن الدينَ الذي ارتضاهُ اللهُ لنا ليسَ بمعزلٍ عن شؤونِ حياتِنا وحِرَفِنا، فالعمرانُ مقصدُ الدينِ، والسعيُ في إتقانِ المهنِ والحِرَفِ هو عينُ العبادةِ ومشكاةُ القُربةِ.
وتابعت: كانَ في الرعيلِ الأولِ بينَ يدي رسولِ اللهِ ﷺ المعلِّمُ والطبيبُ والمترجمُ والمهندسُ والتاجرُ، حتى بلغتْ مِهَنُهم مائتي مهنةٍ وزيادةً، وصولًا إلى تلكَ الشبكةِ الذهبيّةِ من الحِرَفِ والمهنِ التي نسجَها الإمامُ تاجُ الدينِ السبكيُّ في فضاءِ كتابِهِ «مُعيدُ النِّعمِ» وكأنَّهُ يرسمُ بها جغرافيا الوظائفِ التي يقومُ عليها بنيانُ العمرانِ، فالتفتَ بعينِ البصيرةِ إلى الفلّاحِ في حقلِهِ وهو يغرسُ نماءَ الأرضِ، والمهندسِ وهو يخطُّ هندسةَ البقاءِ، والطبيبِ وهو يتحسّسُ مواضعَ الألمِ ليطبِّبَ الأبدانَ والقلوبَ معًا، ثمَّ تراهُ ينفذُ إلى قلبِ الأسواقِ، فيستنهضُ ذِممَ الخبّازينَ والطباخينَ ليكونوا أمناءَ على أقواتِ الناسِ، ويستعرضُ مهارةَ الخيّاطينَ والقصّارينَ والنسّاجينَ في حياكةِ سترِ الأمةِ، ولا يغفلُ عن أصحابِ الصنائعِ الدقيقةِ من الحدّادينَ والنجّارينَ والصيادلةِ، وصولًا إلى الحجّامينَ والحلّاقينَ؛ حيثُ جعلَ من كلِّ حرفةٍ مهما دقَّتْ أو جلَّتْ بابًا من أبوابِ القُربى، ومرآةً تعكسُ تجلّيَ اسم اللهِ البديعِ في حركةِ اليدِ وبراعةِ الصنعةِ، ليحوِّلَ المجتمعَ في رؤيتِهِ إلى خليّةِ نحلٍ متّسقةٍ، لا تتحرّكُ فيها إبرةُ خيّاطٍ ولا معولُ بنّاءٍ إلا وهي مشدودةٌ إلى أصلٍ من أصولِ الأخلاقِ، ومددٍ من مددِ التوفيقِ الإلهيِّ، ليتحقّقَ بذلكَ مقصدُ الشرعِ الشريفِ في صناعةِ الحضارةِ، وبناءِ الإنسانِ، إعلاءً لكلمةِ اللهِ في الأرضِ عبرَ الإبداعِ والابتكارِ حيثُ يقولُ سبحانهُ وتعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُم مِنَ الْأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، فالعبرةُ دائمًا بصدقِ العطاءِ وإحسانِ الصنيعِ، واللهُ سبحانهُ لا يضيعُ أجرَ من سعى في عمارةِ كونِهِ، مصداقًا لقولهِ جلَّ وعلا: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
أخلاقيات المهن في خطبة الجمعة اليوم
وأكملت الأوقاف: تتجلّى الأخلاقُ المهنيّةُ في أبهى صورِها حينَ يتلبّسُ المهنيُّ بروحِ الإيمانِ وجوهرِ الإسلامِ؛ فيقدّمُ إيثارَ الخلقِ، والصدقَ في النصحِ، والترفعَ عن الغشِّ والمداهنةِ، مستشعرًا قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، لتصيرَ الأمانةُ روحًا تسري في المهنِ؛ فيكونُ التاجرُ أمينًا، والطبيبُ رحيمًا، والمعلّمُ مخلصًا، والمهندسُ دقيقًا، فالحرفيُّ صاحبُ الرسالةِ هو من تمثّلَ قولَ الجنابِ الكريمِ ﷺ: «المُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ»، فهذهِ المنظومةُ القِيميَّةُ تحوِّلُ الأسواقَ إلى محاضنَ للتراحمِ، حيثُ يُستجلبُ الرزقُ بالتقوى قبلَ السعيِ، امتثالًا لقولهِ سبحانهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، فالصدقُ معَ الناسِ في تفاصيلِ المهنةِ هو جوهرُ الدينِ، ومن نصحَ لهم فقد نالَ محبّةَ اللهِ، فقد رُويَ عن الجنابِ المعظَّمِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى الله أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» وبذلكَ تتحقّقُ البركةُ التي وعدَ اللهُ بها حينَ قالَ ﷺ: «البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقَا، فإنْ صَدَقَا وبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا، وإنْ كَتَمَا وكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».



