عاجل

ما حكم زيارة المتاحف الأثرية التي تعبر عن ثقافة وحضارة البلاد؟

المتاحف
المتاحف

أكدت دار الإفتاء أن زيارة المتاحف التي تضم التماثيل والآثار المعبرة عن ثقافة وحضارة الشعوب بغرض التعليم أو الترفيه أمر جائز شرعًا، ولا يخالف تعاليم الإسلام، بل يتضمن معاني السير في الأرض والتعرف على الأمم ودراسة تاريخها، بما يعود بالنفع على الناس في واقع حياتهم. وهو فعل يتوافق مع ما درج عليه علماء الإسلام منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم، حين دوّن بعضهم أسماءهم على جدران الآثار المصرية، ثم تبعهم التابعون والعلماء والصالحون الذين كتبوا عن عجائب تلك الآثار ومكانتها الحضارية بين الأمم.

ما حكم زيارة المتاحف الأثرية؟

أما التحريم الوارد في الشريعة بشأن التماثيل والمنحوتات، فهو متعلق بما صُنع أو وُضع للعبادة أو لمضاهاة خلق الله، فإذا انتفت هذه العلل انتفت الحرمة تبعًا لها، ولا حرج حينئذ في إقامة المتاحف وزيارتها

حكم عرض التماثيل في المتاحف ودراسة تاريخ الأمم السابقة

اشتمال المتاحف الأثرية على التماثيل لا يَصِمُها بالمخالفة الشرعية لتعاليم الإسلام؛ حيث إن الإسلام لم يحرّم التماثيل تحريمًا مطلقًا لذواتها، وإنما وقع التحريم في عصر النبوة حتى يستقر الإيمان وتسكن القلوب إلى حضرة علام الغيوب، باعتبار حداثة عهدهم بالإيمان، وقرب عهدهم بالأصنام المعبودة من دون الله، فيزول ما في القلوب من تعظيم لتلك الأصنام، فالتحريم مخصوص بما كان مصنوعًا أو موضوعًا بقصد العبادة من دون الله، أو مضاهاة خلق الله، ومن المقرر شرعًا أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

وفي ذلك يقول الإمام أبو سعيد الإصطخري فيما نقله عنه الإمام الماوردي: إنما كان التحريم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقرب عهدهم بالأصنام ومشاهدتهم لعبادتها؛ ليستقر في نفوسهم بطلان عبادتها وزوال تعظيمها، وهذا المعنى قد زال في وقتنا؛ لما قد استقر في النفوس من العدول عن تعظيمها، فزال حكم تحريمها وحظر استعمالها.

وقال العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: لم تكن التماثيل المجسمة محرمة الاستعمال في الشرائع السابقة، وقد حرّمها الإسلام؛ لأن الإسلام أمعن في قطع دابر الإشراك؛ لشدة تمكن الإشراك من نفوس العرب وغيرهم، وكان معظم الأصنام تماثيل، فحرّم الإسلام اتخاذها لذلك، ولم يكن تحريمها لأجل اشتمالها على مفسدة في ذاتها، ولكن لكونها كانت ذريعة للإشراك، فأفاد أنه متى انتفت ذريعة الإشراك انتفت علة التحريم.

ويقول الشيخ الإمام محمد عبده فيما نقله عنه الشيخ رشيد رضا بعد أن ساق الأحاديث المتعلقة بالتصوير والتماثيل: إن الوعيد على تحريم التصوير خاص بمن كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، ولما صارت صور ذات الأنفس لمجرد الزينة، وزالت مظنة العبادة؛ اتخذ بعض أئمة السلف بعض الصور في بيوتهم، كما ترك الصحابة الصور في إيوان كسرى.

ولما كان الأمر كذلك، وكان التعرف على ما وصل إليه أولئك السابقون من علوم وفنون مما يدفع إلى زيادة التقدم العلمي والحضاري النافع المستنير، فإن هذا لا يكتمل إلا بالحفاظ على تلك الآثار والاحتفاظ بها وجمعها سجلًا وتاريخًا دراسيًا يُستقرأ للتعرف على لغتهم وعاداتهم ومعارفهم في الطب والحرب والزراعة وغيرها، والقرآن الكريم في كثير من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار، قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

قال الإمام ابن عجيبة: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ على كثرتهم، واختلاف أحوالهم وألسنتهم وألوانهم وطبائعهم وتفاوت هيئاتهم؛ لتعرفوا عجائب قدرة الله بالمشاهدة، ويقوى إيمانكم بالبعث.

وقال العلامة ابن خلدون: اعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا.

حكم زيارة المتاحف الأثرية

إقامة المتاحف التي تشتمل على تلك التماثيل والآثار لا يخرج عن مقاصد: التعليم، والتأمل، والمشاهدة، والاعتبار، والترفيه، والترويح عن النفس، وكلها مقاصد محمودة شرعًا في أصلها.

ولا يتأتى تحصيل تلك المقاصد المحمودة إلا بوسيلة الزيارة، وقد تقرر شرعًا أن الوسائل لها أحكام المقاصد ما لم تكن الوسيلة محرمة في نفسها، ومعلوم أن السير في الأرض في حد ذاته مشروع، بل هو مطلوب شرعًا كما سبق.

قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: للوسائل أحكام المقاصد من الندب، والإيجاب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، ورب وسيلة أفضل من مقصودها؛ كالمعارف والأحوال وبعض الطاعات؛ فإنها أفضل من ثوابها، والإعانة على المباح أفضل من المباح؛ لأن الإعانة عليه موجبة لثواب الآخرة وهو خير وأبقى من منافع المباح.

وقد اطلع سلف الأمة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على تلك الآثار والتماثيل لما فتح الله عليهم مصر في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتحت إمرة عمرو بن العاص رضي الله عنه، فما هدموها، ولا أفسدوها، ولا نهوا عن زيارة بقاعها ومشاهدتها، بل زاروها، ودون بعضهم اسمه عليها.

قال الشريف أبو جعفر الإدريسي: رأيت بأحد جدر الهرم الأكبر لأحد هؤلاء الصحابة الغزاة النازلين بساحتها بعد الفتوح كتابة على طريقة الخط الكوفي القديم برأس قدوم نقرًا في الحجر ما مثاله: يوحد الله فلان، وقد ذهب عن خاطري اسمه لبعد العهد بذلك، ومتى قدر لنا الاجتماع هنالك أريتك إياه، فإنني أحقق موضعه منها.

فأفاد اطلاع الصحابة على تلك الآثار وزيارتهم لها، كما أفاد نقشهم أسماءهم عليها احترامًا لها؛ فالإنسان لا يكتب اسمه إلا على موضع يظن معه أنه يزدان فيه بالاحترام والتقدير.

وتعامل الصحابة فمن بعدهم مع تلك الآثار والتماثيل جاء موافقًا لتمام المحافظة على مكونات الحضارة، والرقي والذوق الرفيع في حفظ البنيان والعمارة، والإبقاء على زينة كل قطر مما شيده أهله من البنيان والآثار، وهو أيضًا موافق لتوجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «لا تهدموا الآطام، فإنها زينة المدينة».

والآطام: بناء من الحجارة مرفوع كالقصر، وآطام المدينة: حصونها.

قال الإمام بدر الدين العيني: إنما نهى لكون الآطام زينة لها، إذا هدمت توحش وتنفر عن السكنى، والدليل على صحة ذلك: أنه عليه السلام علل ذلك بقوله: «فإنها زينة المدينة».

ولم يكتف علماء الأمة بالإبقاء على تلك التماثيل والآثار، بل درسوها، وزاروها، وتأملوها، وصنفوا فيها وفي عجائبها الكتب الطوال، فمنها كتاب “مقصد المرام في عجائب الأهرام”، ومنها ما ألفه الإمام جلال الدين السيوطي تحت عنوان “تحفة الكرام بأخبار الأهرام

تم نسخ الرابط