المتحف المصري بالتحرير بين تطوير غائب وقرارات بلا رؤية | خاص
على الرغم من المكانة الكبيرة التي يحظى بها المتحف المصري بالتحرير باعتباره أحد أهم رموز التراث المصري وواجهة تاريخية للآثار الفرعونية، إلا أنه يواجه حالة من التخبط والإهمال حول مصيره، في ظل تراجع الإقبال السياحي وتأخر خطط التطوير المعلنة.
وشهدت الفترة الأخيرة نقل أبرز القطع الأثرية من المتحف المصري بالتحرير إلى متحف الحضارات والمتحف المصري الجديد، بجانب وجود فجوة بين التصريحات الرسمية بشأن خطط التطوير وما يُنفذ على أرض الواقع، ما فتح باب التساؤلات حول غياب التخطيط، وعدم وجود أفكار جديدة لجذب السياح، أملًا في إنقاذ هذا الصرح التاريخي.
فجوة بين التصريحات الرسمية وخطط التطوير على أرض الواقع
أكد الدكتور محمد حمزة، خبير الآثار والتراث، عميد كلية الآثار الأسبق بجامعة القاهرة، أن متحف التحرير يمثل حالة فريدة في تاريخ المتاحف المصرية، مشيرًا إلى أن تطويره يجب أن تراعي الحفاظ على طابعه التاريخي، بما يضمن الدمج بين الحداثة والأصالة.
وشدد على أهمية توظيف أحدث التقنيات العلمية، مثل الذكاء الاصطناعي ونظم تحديد المواقع GPS، لربط المعروضات بالمواقع الأثرية التي جاءت منها، بما يوفر تجربة تعليمية وسياحية متكاملة للزائرين، ويتيح للزائر رؤية المعروضات كما كانت في مواقعها الأصلية وفهم القصة التاريخية وراء كل قطعة.
وأوضح أن تطوير المتحف لا يقتصر على تحديث المباني أو المعروضات فقط، بل يشمل تدريب الكوادر العاملة على أحدث أساليب الإرشاد السياحي والبحث الأثري، لتمكين الزائرين من فهم السياق التاريخي لكل قطعة أثرية وربطها بتاريخ مصر الغني.
وأضاف أن الحفاظ على التراث لا يتناقض مع الابتكار، بل على العكس، يمكن للتقنيات الحديثة أن تعزز قيمة المتاحف وتجعلها أكثر جاذبية للأجيال الجديدة، إذا ما تم التخطيط والتنفيذ بحرفية وشفافية، ولكن أشار إلى وجود فجوة واضحة بين التصريحات الرسمية وخطط التطوير على أرض الواقع، وتبقى معظم الخطط حبرًا على الورق لأسباب غير واضحة.
“أين الأفكار الجديدة؟”.. الأزمة في صانعي القرار
في السياق ذاته، أكد محمد فاروق، الخبير السياحي، أن ابتعاد الزوار عن متحف التحرير أمر متوقع بعد تفريغه من أبرز القطع الأثرية، وقال: "السؤال الذي يجب طرحه، هو ليه يتم تطوير متحف التحرير إذا كان محدش هيروح هناك؟"، وأضاف: "تم تفريغ المتحف من القطع مميزة، أين المومياوات؟، أين توت عنخ آمون؟.. اللي هيروح هيعمل ايه؟".
وتساءل الخبير السياحي في تصريحات خاصة لموقع "نيوز رووم"، قائلًا: "هل وزير السياحة الحالي يستطيع التطوير؟، ما هي الفكرة الجديد التي يمكن الاستفادة منها؟، لذا يجب أن نتساءل كيف يُمكن أن نطور متحف التحرير وليس تأخير التطوير لأنه ليس ضمن الخطة".
وأضاف: "تم تفريغ المتحف دون التفكير في المرحلة التالية، تم العمل على تجهيز المتحف المصري الكبير ولكن دون خطة لتحضر متحف التحرير، المشكلة تكمن في صانعي القرار لا يوجد أي شخص لديه خطة، ما البدائل التي تم تجهيزها للمتحف القديم؟، الجميع يريد الظهور دون مجهود".
وأشار محمد فاروق، إلى أنه تم فتح كافيهات فقط، ولكن لم يحدث أي تطوير في متحف التحرير، مضيفًا: "هذه مشكلة من اتخذ القرارات دون خطة، بعد ما تم تفريغ المتحف نتحدث عن تطوير.. هل هذا منطق؟، من المسؤول عن تفريغ المتحف؟، وماذا فعل للمرحلة الحالية؟".
وشدد على أن عملية بناء المتحف المصري الجديد استغرقت حوالي 20 عامًا، وتساءل: "ماذا فعلنا طوال هذه المدة لتجهيز متحف التحرير؟"، متابعًا: "يتم فتح متاحف أخرى مثل الأتوني، ولكن السؤال المهم من سيأتي لزيارة كل هذه المتاحف؟، يتم أخذ قرارات دون تفكير وبُعد نظر".
وأكد "فاروق" على أن الجميع كان يأتي لزيارة متحف التحرير لرؤية توت عنخ آمون، ولكن الآن يرى السائح أنه صرحًا سياحيًا ولكنه قديم ولا يريد الذهاب إليه، مضيفًا: "المشكلة تكمن في صانع القرار الذي يأخذ قرارات عشوائية".
وواصل الخبير السياحي تصريحاته قائلًا: "لم يعد أي نقطة تحول لجذب السائح بعد تفريغ المتحف، أين الأفكار الجديدة؟، التطوير يبدأ من التفكير، هل غاب التفكير؟، لا يوجد تخطيط، أزمة متحف التحرير في غياب الخطة والرؤية كالمعتاد".

تعقيدات فنية ومالية سبب تأخر تطوير المتحف المصري
فيما أكد مصدر بوزارة الآثار أن تأخر مشروع تطوير المتحف المصري بميدان التحرير يرجع بالأساس إلى تعقيدات فنية تتعلق بطبيعة المتحف نفسه وأخرى مالية، موضحًا أن المشكلة الرئيسية لا تكمن فقط في تطوير المبنى، ولكن في عدم ملاءمة المساحة الحالية لأساليب العرض المتحفي الحديثة، خاصةً مع هذا الكم الهائل من القطع الأثرية.
وأوضح المصدر، في تصريحات خاصة لموقع "نيوز رووم" أن المتحف يعد من أضخم المتاحف في العالم من حيث عدد القطع الأثرية المعروضة والمخزنة، مشيرًا إلى أنه يضم آثارًا تمتد عبر تاريخ مصر القديم وحتى العصرين اليوناني والروماني، وهو ما يفوق بكثير الطاقة الاستيعابية للمبنى الحالي.
وتابع المصدر أن أي خطة تطوير حقيقية تتطلب أولًا توفير مخازن أثرية ضخمة ومؤهلة لاستيعاب القطع التي سيتم رفعها من العرض، إلى جانب استيعاب الاكتشافات الأثرية الجديدة التي تضاف بشكل مستمر، مؤكدًا أن إدارة هذا الملف تحتاج إلى تفكير متخصص وعقول قادرة على الموازنة بين الحفاظ على الأثر وتقديمه بشكل حضاري يليق بقيمة المتحف وتاريخه.

افتتاح المتحف المصري الكبير سبب تأجيل التطوير
من جانبه، أكد الدكتور أحمد عامر، الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أن ما يثار بشأن تأخر تطوير المتحف المصري بالتحرير "غير دقيق"، موضحًا أن الأمر يخضع لخطة مدروسة وجداول زمنية واضحة، أسوة بما جرى في عدد من المشروعات المتحفية الكبرى، وعلى رأسها المتحف المصري الكبير ومتحف الفن الإسلامي، إلى جانب متاحف أخرى شهدت تطويرًا شاملًا خلال السنوات الماضية.
وأوضح "عامر" في تصريحات خاصة لموقع "نيوز رووم"، أن تطوير المتحف المصري لا يمكن تنفيذه بشكل عشوائي أو متسرع، نظرًا لقيمته التاريخية والعالمية، مشيرًا إلى أن أعمال التطوير تعتمد على دراسات متخصصة تتعلق بأساليب العرض المتحفي الحديثة، وأنظمة الإضاءة، وطبيعة التعامل مع القطع الأثرية، بما يضمن الحفاظ على الطابع الأثري للمكان.
وأضاف أن تنفيذ أعمال التطوير يتم وفق أسس علمية دقيقة؛ بهدف تحسين المتحف دون المساس بمعالمه الأساسية أو قيمته التاريخية، مشيرًا إلى أن التركيز خلال الفترات الماضية كان منصبًا بشكل أساسي على الانتهاء من مشروع المتحف المصري الكبير، وهو ما ساهم في تأجيل تطوير متحف التحرير.
أين ميزانية تطوير المتحف المصري بالتحرير؟
كشف لؤي أحمد مرشد سياحي، لغة إنجليزية، عن أسباب تأخر تطوير المتحف المصري في التحرير، وأكد في تصريحات خاصة لموقع "نيوز رووم"، أن أعمال التطوير تحتاج إلى ميزانية، مضيفًا: "التطوير محتاج فلوس.. أين الميزانية؟، هذا يُسال عنه المسؤولين خاصة أن جميع الأنظار متجهة للمتحف الجديد".
وأشار المرشد السياحي إلى أنه تم تفريغ متحف التحرير من القطع الأثرية المميزة التي كان يأتي السائح لمشاهدتها، وتابع: "الأجانب كان أهم شيء لديه هو رؤية توت عنخ آمون، ولم يتم وضع قطع أخرى بديلة، كل التركيز والأضواء والأخبار والبلوجر مع المتحف المصري الجديد".
ولفت "أحمد"، إلى أنه بجانب عدم وجود قطع أثرية مميزة في المتحف حاليًا، لكنه أيضًا يحتاج إلى تطوير أمور عديدة، ويأتي في مقدمتها: “جودة الحمامات، طريقة العرض والإضاءة ليست قوية، وإضاءة الفتارين، كما أن أغلب الوقت الأسانسير به عطل، ما يدفع كبار السن لعدم الذهاب إلى المتحف المصري بالتحرير”.
واختتم "لؤي"، تصريحاته الخاصة بالتأكيد على أن الجميع بات يهرب من المتحف المصري بالتحرير، متسائلًا: "ليه أصبح المتحف حاجة قديمة؟.. أتوقع أن سيقتصر على رحلات المدارس البسيطة التي لا تستطيع دفع تذاكر بقيمة مرتفعة".



