مجلة «he» تسلط الضوء علي المتحف المصري بالتحرير.. وتكشف أسرار لأول مرة
سلطت مجلة "he.magazine" الرائدة في عالم أسلوب حياة الرجال وثقافتهم الضوء، علي مقتنيات المتحف المصري بالتحرير الذي يعد جزءًا من تاريخ مصر الكبير، كما أبرزت المجلة بشكل خاص قناع الملك بسوسينس الأول، الذي حكم مصر قبل أكثر من 3000عام.
وتُكرّم المجلة في عدد خاص بها تراث مصر وتاريخها، وبشكل خاص الملك بسوسينس الأول وقناعه الذهبي الكامل الذي ظلّ مخفيًا لفترة طويلة.
في هذا العدد، تتكشف لحظة فارقة في تاريخ مصر، من المتحف المصري وحوارات حصرية تُشكّل ملامح السياحة والآثار والطيران، إلى رحلات عبر القاهرة القديمة، ودعوة لإعادة الآثار المصرية المفقودة إلى موطنها، وأهم الوجهات التي لا ينبغي لأي مسافر تفويتها.

وفي مقابلة حصرية للمجلة مع الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد إسماعيل خالد، كشف إن دخول المتحف المصري القديم في ميدان التحرير لا يشبه دخول مبنى فحسب، بل يشبه عبور عتبة زمنية، فسقوفه العالية، وأرضياته الرخامية، وجوه الهادئ الوقور، كلها تجسد روحاً لا يمكن لأي بناء حديث أن يضاهيها. هذا هو المتحف الذي تخيلته أجيال من المصريين كلما سمعوا كلمة "آثار"، وهو المكان الذي حفظ كنوز الأمة لأكثر من قرن.
خلال زيارة حديثة، حظيت مجلة "he" بشرف استكشاف قاعات المتحف برفقة الدكتور محمد إسماعيل، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الذي كرس حياته لحفظ وتفسير روح مصر القديمة. وبينما كان يرشدنا في أروقة المتحف، توقف أمام تحفة فنية لا يُقدّرها الكثير من الزوار حق قدرها: قناع الفرعون بسوسنس الأول الذهبي، وهو قطعة يعتقد أنها تستحق أن تُعرض جنباً إلى جنب مع قناع توت عنخ آمون الشهير عالمياً. وما تلا ذلك كان حواراً شاملاً حول الإرث وإعادة الاكتشاف ومستقبل أقدم متحف في مصر، وهو متحف لا يزال يتطور حتى مع بقائه رمزاً من رموز الماضي.

بسوسينس الأول.. القناع الثاني
اصطحبنا الدكتور إسماعيل نحو إحدى روائع المتحف التي غالبًا ما يتم تجاهلها: معروضات الملك بسوسنس الأول. وقف أمام التابوت الفضي اللامع، موضحًا أن "المقبرة أكتشفت من الفضة الخالصة وفي حالة ممتازة، وهي من أندر الاكتشافات".
قناع بسوسنس يستحق التقدير الذي يُضاهي شهرة قناع توت عنخ آمون
وقد تم اكتشاف المقبرة عام 1940، في ذروة الحرب العالمية الثانية، وهي فترة حجبت، دون قصد، تأثيرها العالمي. على الرغم من الحرفية الاستثنائية والبراعة الفائقة لقناع بسوسنس الذهبي الجنائزي، أشار إلى أن شهرته لم تضاهِ شهرة توت عنخ آمون. "السبب في عدم وصول اكتشاف قناع بسوسنس الذهبي إلى مستوى اكتشاف توت عنخ آمون هو أنه حدث خلال الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى تراجع الاهتمام الإعلامي به". ومع ذلك، وبينما كان يشير إلى القناع، بفنه الراقي وحضوره المهيب، أوضح أن بسوسنس يستحق التقدير الذي يُضاهي شهرة أشهر ملوك مصر الصغار.

قناع بسوسنس الأول & قناع الملك توت عنخ آمون
هناك مقارنة حتمية بين قناع بسوسنس الأول الجنائزي الذهبي وقناع الملك توت عنخ آمون الشهير، إلا أن كليهما يعكس سياقًا تاريخيًا مختلفًا تمامًا. كلا القناعين مصنوع من الذهب، ويحملان رموزًا خالدة للملكية المصرية، كغطاء الرأس "النمس" واللحية المستعارة وملامح الوجه المثالية التي تُوحي بالسلطة الإلهية. مع ذلك، يتميز قناع بسوسنس الأول ببساطة ورصانة في زخرفته، إذ يفتقر إلى التطعيمات الواسعة من اللازورد والزجاج الملون التي تُميز قناع توت عنخ آمون الأكثر فخامة.
قناع توت عنخ آمون ثراء المملكة الحديثة.. بينما يؤكد قناع بسوسنس الأول على الكرامة والتقاليد والاستمرارية
ولا تعني هذه البساطة الأسلوبية تدني المكانة، بل تعكس الواقع السياسي والاقتصادي للفترة الانتقالية الثالثة. فبينما يُجسد قناع توت عنخ آمون ثراء المملكة الحديثة، يُؤكد قناع بسوسنس الأول على الكرامة والتقاليد والاستمرارية، مُذكرًا إيانا بأن السلطة الملكية استمرت بأشكال مختلفة حتى مع تطور موارد مصر وأولوياتها الفنية.
ويُعدّ تابوت بسوسنس الأول الفضي أحد أبرز رموز الثروة الملكية في مصر القديمة، وأكثرها إثارةً للجدل. وكما أوضح الدكتور محمد إسماعيل، خلال عهد بسوسنس الأول، كانت الفضة تُعتبر أثمن من الذهب، ويعود ذلك أساسًا إلى ندرة وجودها في مصر، ما استدعى استيرادها عبر شبكات تجارية بعيدة المدى. في المقابل، كان الذهب متوفرًا نسبيًا من المناجم، وبالتالي أكثر ألفةً لدى الحرفيين المصريين. لم يكن قرار دفن بسوسنس الأول في تابوت مصنوع بالكامل تقريبًا من الفضة الخالصة محض صدفة فنية، بل كان تعبيرًا مقصودًا عن مكانته الملكية الرفيعة. في هذا السياق، مثّلت الفضة رمزًا للفخامة والوجاهة، ما رفع من شأن الدفن حتى متجاوزًا مقبرة توت عنخ آمون الذهبية الشهيرة.

خلال زيارتنا، حظيت مجلة "he" بفرصة نادرة ومميزة للاطلاع على المعرض، مما أتاح لنا فرصة فريدة لرؤية هذه القطع الأثرية الاستثنائية عن كثب، متجاوزةً بذلك التجربة العامة المعتادة.
وفي لفتة كريمة، قام موظفو المتحف بإخراج قطع رئيسية، مثل قناع بسوسنس الأول الجنائزي وتابوت بسوسنس الأول الفضي، من صناديقها الواقية بعناية فائقة، مما سمح لنا بتصويرها وتقدير براعة صناعتها وحجمها وقيمتها المادية، وهي تفاصيل غالباً ما تغيب خلف الزجاج. لم يُثرِ هذا المستوى من الوصول تغطيتنا فحسب، بل عمّق فهمنا للقيمة التاريخية والثقافية لهذه القطع. نتقدم بجزيل الشكر للدكتور علي عبد الحليم، الأمين العام للمتحف القديم، الذي لولا دعمه وتعاونه لما كان هذا الوصول الحصري ممكناً، والذي يواصل التزامه بنشر تراث مصر الارتقاء بمستوى توثيق هذه الكنوز وعرضها للعالم.

المتحف المصري بالتحرير.. رمزٌ أيقوني
لاحقًا، بدأنا بسؤال الدكتور إسماعيل عن الشعور المميز الذي ينتاب المرء عند دخوله المتحف المصري القديم، وهو شعور يختلف تمامًا عن جو المتحف الجديد. ابتسم الدكتور إسماعيل واصفًا إياه بأنه "رمزٌ أيقوني، وهو ما يتبادر إلى الذهن عند سماع كلمة متحف". بُني المتحف عام 1902، وكان أول متحف يُشيد في مصر، ويبلغ عمره اليوم أكثر من 130 عامًا.

وعلى عكس العديد من متاحف مصر التي تشغل قصورًا أو حصونًا سابقة، فإن هذا المبنى "بُني منذ البداية ليكون متحفًا، ولم يُحوّل إلى متحف". في العقود الأولى من عمره، كان كل أثر يُكتشف في أنحاء البلاد يُنقل إلى هنا أولًا ليُخزن ويُدرس ويُفهرس، مما سمح للمتحف بأن يكون بمثابة المركز الرئيسي الذي تُوزع منه الكنوز لاحقًا على المؤسسات الجديدة عند افتتاحها. وعندما سُئل عن حجم مجموعته، أوضح قائلًا: "يضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية"، مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن العديد منها لا يزال في المخازن، "إلا أنك ترى هنا مجموعة كبيرة منها".

افتتاح المتحف المصري الكبير.. يستقطب عيون العالم أجمع
عندما افتُتح المتحف المصري الكبير، استقطب اهتمامًا عالميًا واسعًا، فسألنا الدكتور إسماعيل عن الخطوات المتخذة للحفاظ على أهمية المتحف القديم وحيويته. أوضح أن الخطة وُضعت قبل افتتاح المتحف الجديد بفترة طويلة. قال: "بالتأكيد، وُضعت خططٌ عند افتتاح المتحف الكبير. لن يُغلق هذا المتحف أبدًا، فأهميته لا تزال قائمة، ويضمّ عددًا كبيرًا من القطع الأثرية".

من متحف التحرير لـ« متحف الذهب»
كما يتمحور هذا الاهتمام حول التركيز المتجدد على بسوسنس الأول، الذي وصف قناعه الجنائزي الذهبي بفخر قائلًا: "يُحب الناس الحديث عن قناع الملك توت عنخ آمون، لكن هذا القناع لا يقلّ روعةً عنه، وسيكون محورًا رئيسيًا في المتحف، إلى جانب تاريخ الذهب في مصر القديمة". وأكد أن المتحف سيُعرف قريبًا باسم "متحف الذهب"، وهو اسمٌ اختير لأنه "سيضمّ كميةً هائلةً من القطع الأثرية الذهبية".
إلى جانب روائعه الذهبية، سيسلط المتحف الضوء أيضًا على الفنون الجميلة القديمة، "اللوحات القديمة، والتماثيل، وتماثيل نصفية للملوك والقادة القدماء، كل ذلك سيُعرض هنا"، بالإضافة إلى قسم مخصص لتحنيط الحيوانات. "هناك العديد من الحيوانات المحنطة من العصور القديمة، وكان تحنيطها أمرًا بالغ الأهمية آنذاك"، كما أوضح، مشيرًا إلى أنه حتى الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب كانت تُحنط وتُدفن في سقارة. وقد ضم معرضهم الأخير في الصين العديد من هذه الأمثلة، "وقد أثار ذلك فضول الجمهور". وبهذه الركائز الثلاث، كنوز بسوسنس والذهب الفرعوني، والفنون الجميلة القديمة، والحيوانات المحنطة، يستعد المتحف العريق لإعادة ابتكار نفسه مع الحفاظ على تاريخه العريق.
لرؤية مقتنيات المتحف بالكامل تحتاج إلى 4 أو 5 أيام
مع وجود أكثر من 50,000 قطعة أثرية معروضة، سألنا الدكتور إسماعيل عن المدة التي سيستغرقها شخص ما لرؤية كل شيء داخل المتحف القديم. ضحك ضحكة خفيفة، موضحًا: "بالتأكيد، لا يمكن لأحد زيارة المتحف ورؤية كل شيء في يوم واحد؛ سيستغرق الأمر 4 أو 5 أيام لرؤية كل قطعة أثرية معروضة حقًا".
وصف هيكل المبنى بدقة شخص يعرف كل زاوية فيه عن ظهر قلب: يضم الطابق الأول قطعًا أثرية تغطي المراحل الأولى من التاريخ القديم وحتى العصر الروماني. في المقابل، "يحتوي الطابق الثاني على الذهب والحيوانات المحنطة". يشكل الطابقان معًا رحلة واسعة وغنية بالتاريخ بحيث لا تكفي زيارة واحدة إلا لمحة بسيطة. أثناء تجولنا، لاحظنا بعض الأقسام التي تُعرض فيها صورة بدلًا من القطعة الأثرية الأصلية، مع ملاحظة تفيد بأنها معروضة حاليًا في متحف آخر بالخارج. هل تُشجع مثل هذه الإجراءات السياحة إلى مصر، أم أن الناس يرغبون فقط في رؤية القطعة الأثرية في مكان آخر ويكتفون بذلك؟ أوضح الدكتور إسماعيل قائلاً: "لقد أقمنا معرضاً في شنغهاي استقطب 2.7 مليون زائر. وأظهرت إحصاءاتنا زيادة ملحوظة في عدد السياح الصينيين الذين يزورون مصر بعد المعرض. لهذه المعارض تأثير كبير على السياحة لدينا؛ فهي تُثير الاهتمام ليس فقط بمتاحفنا، بل أيضاً بالمواقع التاريخية الشهيرة كالأهرامات والأقصر وأسوان. إنها تُوقظ فيهم شغفهم بعلم المصريات وحب المغامرة."

كيف بُنيت الأهرامات؟.. السؤال الذي حير الملايين حول العالم
لا يزال السؤال القديم يثير فضول الكثيرين على الإنترنت: كيف بُنيت الأهرامات؟ وهل كشفنا أخيرًا سرّها؟ يقول الدكتور محمد إسماعيل: "الخلاصة هي أن قاعدة أي هرم تبدأ على شكل مربع، ثم تُقام هياكل مناسبة تحت الأرض، وبعد ذلك يُبنى على مستويات".
وأوضح أنه قبل بدء البناء، "يُبنى أولًا القبر، ثم المخزن، وما إلى ذلك". وهذا يؤكد أن التخطيط بدأ قبل وقت طويل من بناء الهرم الظاهر. وعند سؤاله عن نقل الأحجار الضخمة، أوضح الدكتور إسماعيل: "كانوا يحصلون على الأحجار من طرة، ويحفرونها ويشكلونها هناك أولًا، ثم ينقلونها عبر النيل. تقع طرة بالقرب من سقارة، وكانوا ينتظرون موسم فيضان النيل لنقلها، لأنه كان يُسهّل عملية النقل كثيرًا".
ووصف كذلك كيفية رفع الأحجار فوق المستويات السابقة، "كانوا يستخدمون منحدرًا مصنوعًا من الطين والرمل ويرشون الماء لجعله زلقًا، وكانوا يستخدمون أعمدة خشبية لوضعها بشكل صحيح، ولدينا وصف لذلك". هذا التخطيط الدقيق والهندسة البارعة والاستخدام الذكي للظروف الطبيعية مكّن المصريين القدماء من إنشاء أحد أكثر الإنجازات المعمارية ديمومة وإثارة للإعجاب في تاريخ البشرية.
تُثير مسألة الآثار المصرية في الخارج مشاعر الفخر الوطني والتراث، وتُجسّد الجهود الدؤوبة لاستعادة كنوز البلاد المفقودة. وعند سؤاله عن الآثار المصرية التي لم تعد موجودة في مصر، كان ردّ الدكتور محمد إسماعيل قاطعًا لا لبس فيه، إذ قال بحزم: "كل قطعة أثرية أُخذت من مصر كانت بطريقة غير مشروعة، ويجب إعادتها".
مصر تمتلك الآن أكبر وأحدث منشأة لحفظ الآثار
وأضاف: "من المهم أن يتمكن المصريون من رؤية تراثهم"، مُشددًا على الأهمية الثقافية والوطنية لهذه القطع. في الماضي، كان يُقال إن مصر تفتقر إلى المرافق اللازمة لحفظ مثل هذه الكنوز بشكل لائق، لكن الدكتور إسماعيل رفض هذا الادعاء. وأوضح أن مصر تمتلك الآن أكبر وأحدث منشأة لحفظ الآثار، تتمتع بأعلى مستويات الأمن في العالم.

كما أوضح أن ليس كل ما يُنقل من آثار في الخارج غير مشروع، مشيرًا إلى أن مصر لديها اتفاقيات مع متاحف، مثل متحف تورينو في إيطاليا، تسمح بتبادل الآثار المكتشفة بمساعدتها بنسبة 50/50. المتحف الموجود في تورينو، والذي يُطلق عليه رسميًا اسم المتحف المصري، يعكس تعاونًا طويل الأمد يعود بالنفع على كلا البلدين مع احترام حقوق الملكية.
حتى اليوم، لا تزال مصر تكشف أسرارها القديمة، وغالبًا ما تخفي كنوزًا تحت أسس الحياة العصرية. وعندما سُئل الدكتور محمد إسماعيل عن حجم الاكتشافات المتبقية، تأمل في المشهد التاريخي الفريد لمصر، موضحًا: "هناك أمر واحد ثابت، وهو أن المصريين يعيشون على ضفاف النيل، وكانت الصحراء تُعتبر دائمًا ممرًا أحمر للمصريين أو أرضًا خطرة، لأن الخطر كان دائمًا يأتي منها".

وقد شكّل هذا الواقع الجغرافي أنماط الاستيطان على مرّ آلاف السنين، ومع تطور مصر، بنى الناس غالبًا فوق المباني القائمة. وأضاف: "لهذا السبب، عندما تتطور مصر، يبني الناس فوق ما بناه غيرهم، ولهذا السبب عندما ينقب أحدهم في منزله، سيجد آثارًا فوق منزل أو معبد آخر كان موجودًا في الماضي". والنتيجة هي بلد يكمن فيه التاريخ حرفيًا تحت الحياة العصرية، مع وجود آثار تنتظر من يعيد اكتشافها حتى في أكثر الأماكن غير المتوقعة.



