عاجل

ليس معنى كهنوتيا.. عالم أزهري يكشف المفهوم الحقيقي لـ الإذن بالذكر عند الصوفية

الذكر
الذكر

يثير معنى الإذن بالذكر، حالة من الجدل، ووسط الحديث عنه قال الدكتور محمد إبراهيم العشماوي أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر، هناك عدة أمور تتعلق بـ الإذن بالذكر. 

معنى الإذن بالذكر

أولا: لا إذن في الأحكام الشرعية التكليفية لأحد من أحد، إلا من صاحب الشرع، فجميع هذه الأحكام مطلوبة من المكلفين، دون توقف على إذن!

ثانيا: من بين الأحكام التكليفية المطلوبة من عموم المكلفين؛ الأذكار الشرعية، فهي غير متوقفة على إذن من أحد!

ثالثا: هناك أذكار تدخل تحت باب المجربات،  هكذا سماها ابن القيم وشيخه ابن تيمية، سموها [تجريبات السالكين]، يعني بالسالكين السالكين طريق الآخرة، وهو مصطلح علمي غلب على السادة الصوفية، ولا بد فيه من شيخ ومريد وطريق، قد يستنبط بعضهم من معاني الكتاب والسنة؛ أذكارا مخصوصة، على كيفية مخصوصة، وعدد مخصوص، فيرى لها أثرا عظيما، فيرشد غيره إليها، أو يأذن لغيره بها، إن طلب منه الإذن، وهذا كله ليس بشرع، ولا يدعي أحد أن هذه التجريبات أو الإذن بها شرع، بل اسمها [التجريبات] أو [المجربات]، وهي من لوازم طريق أهل الله في التربية الروحية، ومن مناهج التربية وأساليبها، بلغة العلم، وهي من البدع الحسنة، ما دامت تشهد لها أصول الشريعة، وما دامت دائرة في فلك الكتاب والسنة، وتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، ومحمودة ومذمومة؛ هو مذهب جمهور العلماء، وواقع الأمة يؤيده، خلافا لمن شذ فقال بحرمة جميع البدع، سواء شهدت لها أصول الشريعة أم لا.

وتابع: حتى لا يكون كلامنا خاليا عن دليل، فهذا بعض كلام ابن القيم عن شيخه ابن تيمية في موضوع المجربات. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في كتابه العظيم [مدارج السالكين]، وهو كتاب تصوف وتزكية من الدرجة الأولى، وإن أنكره عليه بعض أتباعه المعاصرين، جحدا للحق، وموافقة لمذهبه الجامد الهامد:

"ومن تجريبات السالكين التي جربوها، فأَلْفَوْها - وجدوها - صحيحة؛ أن من أَدْمَنَ (يا حيُّ، يا قيومُ، لا إله إلا أنت)؛ أورثه ذلك حياة القلب والعقل!

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - شديد اللَّهَجِ بها جدا، وقال لي يوما: "لهذين الاسمين - وهما الحي القيوم - تأثير عظيم في حياة القلب، وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم، وسمعته يقول: "من واظب على أربعين مرة، كل يوم، بين سنة الفجر وصلاة الفجر (يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث)؛ حصلت له حياة القلب، ولم يمت قلبه!".

ومَنْ عَلِمَ عبوديات الأسماء الحسنى، والدعاء بها، وسر ارتباطها بالخلق والأمر، وبمطالب العبد وحاجاته؛ عرَف ذلك، وتَحَقَّقَهّ؛ فإن كل مطلوب يَسأل بالمناسب له، فتأمل أدعية القرآن والأحاديث النبوية تجدها كذلك". انتهى بحروفه.

فبناء على مذهب المبدِّعة؛ يكون ابن تيمية هنا مبتدعا؛ لأنه استعمل ذكرا مشروعا في أصله، لكن على كيفية مبتدعة، في وقت مبتدع، بعدد مبتدع، لكننا لا نقول ذلك، لأن الرجل لم يزعم أن هذا شرع، بل قال: إنه من مجربات السالكين، وقد قلدهم فيها!

وقال أيضا - بعد أن ذكر مواضع آيات السكينة في القرآن، وهي ستة -:

"وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إذا اشتدت عليه الأمور؛ قرأ آيات السكينة!

وسمعته يقول - في واقعة عظيمة جَرَتْ له في مرضه، تعجز العقول عن حملها، من محاربة أرواح شيطانية، ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة - قال: "فلما اشتد عليَّ الأمر؛ قلت لأقاربي ومن حولي: "اقرءوا آيات السكينة"، قال: "ثم أقلع عني ذلك الحال، وجلست وما بي قَلَبة!" .

وقد جربت أنا أيضا - والكلام لابن القيم - قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يَرِدُ عليه، فرأيت لها تأثيرا عظيما في سكونه وطمأنينته!". انتهى.

فابن تيمية في هذا النص استعمل ذكرا له أصل شرعي، على هيئة مخترعة، وكيفية مخترعة، لم يرد بها الشرع، وقلده فيها تلميذه ابن القيم، وتقليده في معنى حصول الإذن بها، سواء استأذنه، أو استعملها من غير استئذان!

رابعا: أما عن الإذن في هذه المجربات؛ فليس شرطا ضروريا، وليس معناه كهنوتيا، فلمن وقف على هذا الذكر أن يذكر به، من غير استئذان صاحبه، وله أن يستأذن، وهو أفضل؛ لأن هذه الهيئة لا يعلم سرها وأثرها إلا من جربها، فلعله يرشده إلى شيء فيها، أو ينهاه عن الذكر بها؛ لكونها غير مناسبة له؛ لأن الأذكار الشرعية من جملة الوحي، والوحي شفاء، كما قال تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين"، وكما قال تعالى: "قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة"، والشفاء ناتج عن الدواء، والدواء لا يُستعمل إلا بوصف الطبيب، وما يصلح لمريض قد لا يصلح لغيره، وتتفاوت المقادير بحسب تفاوت المرض، وفي المثل: (اسأل مجرِّبا، ولا تسأل طبيبا)!

والإذن أدب شرعي محتم، عند استعمال حقوق الغير ومتعلقاته، وإلا كان اعتداء، والله لا يحب المعتدين، والمجربات ليس مأذونا فيها إذنا عاما من صاحب الشرع، فاحتاجت إلى إذن خاص من صاحبها؛ لأنه مالكها، ولا يجوز التصرف في ملك الغير إلا بإذنه، ونحو هذا ما يسمى في عصرنا بحقوق الطبع والنشر، وحقوق الملكية الفكرية!

وشبيه بفكرة الإذن أن تستأذنني في نسخ هذا المنشور أو مشاركته، فآذن لك، فلو نسخته من غير إذن مني؛ كنتَ معتديا على حقي!

فالإذن هنا ليس معنى كهنوتيا، وليس إذنا بذكر الله، بل إذن في استعمال الحق، واستخدام التجربة، بهذا الذكر المخصوص فحسب، لا مطلق الذكر، وهو أدب لا أكثر!

وللإذن أيضا معنى علمي، وهو اتصال السند، ومعنى روحي، وهو اتصال المدد، "وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالِمون"!

خامسا: قد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه، في الذكر بأذكار مخصوصة، في أوقات مخصوصة، مثلما خص سيدنا معاذا بقوله: "يا معاذ، إني أحبك، فلا تدعنَّ دبر كل صلاة؛ أن تقول: "اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك"، فدل ذلك على جواز تخصيص بعض الناس ببعض الأذكار!

ومع هذا فقد فهمت الأمة العموم؛ لأنه لا دليل على التخصيص!

لكن الشاهد أنه صلى الله عليه وسلم خصّ معاذا بهذا الذكر، ولم يذكره لعموم الصحابة، فهذا وجه التخصيص!

سادسا: الذكر نوعان: ذكر مقيد، وذكر مطلق، فالذكر المقيد هو المقيد بصيغة أو بعدد أو بوقت أو بصفة أو بهيئة، فهذا لا يجوز التغيير فيه، بل يلزم وقوعه على صفته الشرعية، مثل صيغة التشهد، والأذان، والأذكار عقيب الصلوات!

وذكر مطلق، وهو غير المقيد بذلك، كصيغة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، في غير الصلاة، بغير صيغة الصلاة الإبراهيمية؛ لأن الشرع لم يحصر صلاتنا عليه في صيغة أو عدد أو صفة، وقد فهم سيدنا عبد الله بن مسعود هذا المعنى، فأنشأ صيغة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من كلامه، خلاف الصيغة الإبراهيمية!

عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَأَحْسِنُوا الصَّلاَةَ عَلَيْه؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْه، قُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، إِمَامِ الْخَيْرِ، وَقَائِدِ الْخَيْرِ، وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ، اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ بِهِ الأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ" رواه ابن ماجه في [السنن]، وعبد بن حُمَيد، وأبو يعلى، والشاشي في [مسانيدهم]، وغيرهم، وهو أثر صحيح له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، وحسّنه جماعةٌ من المحدِّثين، وصححه الحافظ مُغَلْطَاي في [شرح سنن ابن ماجه]، ورواه الديلمي في [مسند الفردوس] مرفوعًا بلفظ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَأَحْسِنُوا الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعرَضُ عَلَيَّ".

وبناء عليه تنافس العارفون في إنشاء صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتفننوا في إتقانها وإحسانها؛ لكونها تُعرض على حضرته، فلا يعرضون عليه إلا أحسن ما عندهم!

فلا يجوز العدول عن الصيغة الإبراهيمية في التشهد، حال الصلاة، فإن فعل فقد ابتدع في الدين، ويجوز العدول عنها إلى غيرها خارج الصلاة، والزيادة في العدد، واستعمالها سرا وجهرا، فردا وجماعة!

وبهذا يتضح لك الفرق بين الذكر المقيد والذكر المطلق!

ومن الذكر المطلق؛ الذكر بالأسماء الحسنى، فقد ورد الأمر بالدعاء بها - والدعاء ذكر - مطلقا، من غير تقييد، في قوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها".

فيجوز استعمالها - بناء على هذا الإطلاق - مفردة ومركبة ومجموعة ومكررة، وبياء النداء، وبغير ياء النداء، وبالطلب بعدها، ومن غير طلب، فكل هذا جائز شرعا ولغة وورودا، ووقع نظيره في القرآن والسنة وعن السلف!

الذكر المطلق

ونبه أن الأصل في الذكر المطلق، واستعمال الأعداد الكثيرة؛ قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا"، وقوله تعالى:" "والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما".

وأقل حد للإكثار ثلاثمئة، بناء على أن أقل الجمع ثلاثة!

ولا يجوز أن يقال: "لا تخصص عددا"؛ لأن القرآن أذن في الذكر الكثير، مطلقا، ولم يفصِّل، فالذكر بعدد كثير خاص؛ امتثال لأمر القرآن!

وشدد: بناء على هذا الفهم الوسيع؛ استعمل السلف الصالح [السبحة]، بأشكالها المختلفة، كعقد الخيط، وكالحصى والنوى، لضبط الأعداد الكثيرة، مثلما روي عن سيدنا أبي هريرة - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة والتابعين، وكما أصَّل له الحافظ السيوطي في رسالته [المنحة في السبحة]، وهي من رسائل كتابه [الحاوي للفتاوي]!

وبهذا يتضح لك معنى الإذن بالذكر، بما يزيل الشبهة، ويقيم الحجة، بلسان العلم، فمن أصرَّ على اللجاج بعد ذلك؛ فهو معاند، صاحب هوى. 

تم نسخ الرابط