ما مدى انعكاس تطورات الأوضاع في فنزويلا على الشرق الأوسط؟
قالت الدكتورة نيفين وهدان، أستاذة العلوم السياسية، إن الأحداث المتلاحقة في فنزويلا، على الرغم من بعدها الجغرافي عن منطقة الشرق الأوسط، لا يمكن قراءتها بمعزل عن التأثيرات العالمية العميقة.
وأضافت الدكتورة نيفين وهدان في تصريح خاص لموقع نيوز رووم، أن العلاقات الدولية لم تعد محكومة بالجغرافيا التقليدية، بل تتأثر بالمصالح المعقدة والمتداخلة، وعلى رأسها الصراع على النفوذ والطاقة وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية.
وأوضحت وهدان أن فنزويلا تحظى بأهمية استراتيجية عالمية بوصفها دولة تمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكنها تعاني اختلالات هيكلية حادة نتيجة الانقسام السياسي الداخلي والعقوبات المفروضة عليها دوليًا.

أسواق النفط العالمي
وأشارت إلى أن أي تطور داخل فنزويلا له دلالات تتجاوز حدودها، ويؤثر مباشرة على أسواق النفط عالميًا، لا سيما في الشرق الأوسط بوصفه مركزًا عالميًا للطاقة.
وقالت الدكتورة وهدان إن التأثير الأساسي للتطورات الفنزويلية لا يتمثل في حجم الإنتاج الفعلي، الذي يظل محدودًا، بل في البعد النفسي والاستراتيجي لهذه الأحداث على الأسواق، حيث تؤدي حالة عدم الاستقرار في فنزويلا إلى شعور الدول المستهلكة بعدم اليقين بشأن استقرار الإمدادات النفطية وسلاسل التوريد العالمية.
وأضافت أن هذا ينعكس على تذبذب الأسعار وضغوط اقتصادية وسياسية على الدول المنتجة في الشرق الأوسط، التي يسعى الكثير منها إلى الظهور كمصدر للاستقرار الطاقي.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، أشارت وهدان إلى أن ما يحدث في فنزويلا يعكس ضعف الضوابط الدولية بعد انهيار مقومات الأمم المتحدة وأسسها القائمة على حل النزاعات بالطرق السلمية واحترام سيادة الدول، مؤكدة ضرورة مراجعة هذه القوانين والهيئات ووضع حدود فاصلة لمن ينحرف عن الإطار الدولي ويحترم سيادة الدول وحصانة رؤساء الدول.
وأكدت أن طبيعة الصراع الدولي الحالي قائمة على تنافس مفتوح بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، مشيرة إلى أن هذا التنافس لا يقتصر على أمريكا اللاتينية، بل يمتد إلى الشرق الأوسط حيث تتشابك مصالح القوى الكبرى في ملفات الأمن الإقليمي والنفوذ العسكري والتحالفات السياسية.

وأوضحت أن أي تصعيد أو تراجع في الساحة الفنزويلية يبعث برسائل عالمية تؤثر في حسابات الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط.
وأضافت أن الولايات المتحدة تنظر إلى فنزويلا كفرصة استراتيجية للسيطرة على مناطق النفوذ دون مواجهة مباشرة مع الدول المنافسة، وهو ما يثير قلقًا متزايدًا لدى القوى الإقليمية في الشرق الأوسط بشأن أدوات الضغط غير المنضبطة.
كما ترى أن روسيا والصين في فنزويلا ساحة اختبار لقدرتيهما على تحدي الهيمنة الأمريكية والدفاع عن شركائهما، وهو ما ينعكس على سياساتهما في الشرق الأوسط، من تعزيز الحضور العسكري والسياسي لموسكو إلى توسيع النفوذ الاقتصادي الصيني.
كما أشارت وهدان إلى أن إيران تتصدر المشهد السياسي، حيث تعكس علاقاتها بفنزويلا سعيها لتوسيع هامش حركتها خارج نطاقها الإقليمي، مشيرة إلى أن أي ضغوط على كاراكاس يتم قراءتها في طهران ضمن سياسة تطويق أوسع، وقد تدفعها لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط كنوع من إعادة التوازن الاستراتيجي، خاصة في ظل احتمالية توجيه ضربة إسرائيلية قريبة.
وأوضحت أن التطورات في فنزويلا تغذي الخطاب السياسي والإعلامي في الشرق الأوسط حول قضايا السيادة والتدخل الخارجي وازدواجية المعايير الدولية، ما يؤثر في تشكيل المواقف تجاه القوى الكبرى وسياساتها في المنطقة.
واختتمت الدكتورة وهدان حديثها أن تأثير التطورات في فنزويلا على الشرق الأوسط غير مباشر لكنه عميق ومتعدد الأبعاد، فهو يعيد تشكيل البيئة الدولية المحيطة بالمنطقة ويجعل القوى الإقليمية والدولية تعيد ترتيب أولوياتها وحساباتها، ما يجعل فنزويلا جزءًا لا يتجزأ من المشهد الاستراتيجي الأوسع للشرق الأوسط.



