مسلسل انهيار العقارات عرض مستمر.. خريطة بالمنازل الآيلة للسقوط في مصر
انهيار العقارات في مصر، لم يعد انهيار العقارات في مصر مجرد حوادث متفرقة تُسجل في صفحات الحوادث، بل تحوّل إلى مسلسل متكرر يحمل فصولًا دامية، تتصدر عناوين الأخبار بين الحين والآخر، مخلفًا وراءه ضحايا ومصابين وأسرًا تُفجع دون سابق إنذار، من القاهرة الكبرى إلى الإسكندرية، ومن عواصم المحافظات إلى القرى والمناطق العشوائية، تتكرر المشاهد ذاتها: عقار ينهار فجأة، صرخات استغاثة تحت الأنقاض، سيارات إسعاف، وحصيلة بشرية تُضاف إلى سجل طويل من الخسائر الإنسانية.
انهيار العقارات في مصر
وتشير تقديرات رسمية وتصريحات متكررة لمسؤولين محليين إلى وجود آلاف العقارات المصنفة بدرجات خطورة مختلفة، بعضها صدرت له قرارات إزالة أو ترميم لم تُنفذ، لأسباب تتراوح بين ضعف الإمكانات، وتعقيدات الإخلاء، وغياب السكن البديل، فضلًا عن مقاومة مجتمعية مفهومة من مواطنين يخشون فقدان المأوى الوحيد لهم. وفي ظل هذا الواقع، يتحول الخطر من احتمال نظري إلى تهديد يومي لحياة مواطنين يعيشون تحت سقوف متهالكة، ينتظرون المجهول في كل ليلة شتاء أو هزة أرضية أو حتى تحميل زائد على المبنى.

هذا التكرار اللافت يطرح تساؤلات حول جذور الأزمة، التي لم تعد مرتبطة بعقار بعينه أو محافظة دون أخرى، وإنما تكشف عن خلل هيكلي ممتد في منظومة البناء والإسكان، يبدأ من عقارات تجاوز عمرها الافتراضي دون صيانة، ويمتد إلى انتشار البناء المخالف وغير المطابق للاشتراطات، مرورًا بتراكمات تشريعية واقتصادية واجتماعية جعلت آلاف الأسر عالقة داخل مساكن مهددة بالسقوط، بلا بديل آمن أو قدرة على المغادرة.
وفي التقرير التالي يجيب لكم موقع نيوز رووم، عن كل هذه الأسئلة:
ومن جانبه أكد المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، أن تكرار حوادث انهيار العقارات لم يعد أمرًا عارضًا، بل نتيجة تراكمية لسنوات طويلة من الإهمال وغياب الصيانة، موضحًا أن أسباب الانهيارات متعددة، من بينها سوء مواد البناء، إلا أن العامل الأبرز يتمثل في قدم عدد كبير من العقارات وعدم خضوعها لأي أعمال صيانة دورية.
انهيار المنازل أغلبها تعود إلى نظام الإيجار القديم
وأشار منصور إلى أن شريحة واسعة من هذه العقارات تعود إلى نظام الإيجار القديم، وبعضها شُيّد منذ أكثر من مائة عام، لافتًا إلى أن الملاك يحصلون على عائد زهيد لا يسمح بإجراء صيانة حقيقية، بينما لا يتحمل المستأجر قانونيًا مسؤولية الإصلاحات الجذرية، وهو ما يخلق فجوة خطيرة تهدد سلامة الأرواح.
وكشف عضو مجلس النواب أنه سبق وتقدم بمقترح خلال مناقشة قانون الإدارة المحلية، يقضي بإنشاء صندوق خاص للصيانة يُمول من حصيلة الضرائب العقارية أو موارد مماثلة، تتولى من خلاله الدولة أعمال الصيانة للعقارات المصنفة كـ«شديدة الخطورة»، بدلًا من الاكتفاء برد الفعل بعد وقوع الكارثة.
لماذا تنتظر الدولة وقوع الضحايا
وضرب مثالًا بمحافظتي القاهرة والإسكندرية، موضحًا أن محافظة القاهرة لديها نحو 5 آلاف عقار مصنف ضمن الخطورة الشديدة، بينما أعلنت محافظة الإسكندرية عن وجود 24 عقارًا آيلًا للسقوط، متسائلًا: «إذا كانت الدولة تمتلك هذه الأرقام والحصر الدقيق، فلماذا ننتظر وقوع الضحايا؟».

وأضاف منصور أن الدولة تتحمل بعد كل حادث انهيار تكاليف ضخمة تشمل تعويضات للوفيات والمصابين، مؤكدًا أن توجيه جزء من هذه الأموال مسبقًا لأعمال الصيانة كان سيطيل عمر العقارات ويحمي أرواح المواطنين، قائلًا: «الوقاية دائمًا أقل كلفة من العلاج».
وانتقد عضو مجلس النواب ما وصفه بالاعتماد على الحلول النظرية بدلًا من الحلول الواقعية، مشددًا على أن المشكلة لا تُحل بفرض رسوم جديدة على المواطنين الذين يعانون بالفعل من أعباء اقتصادية، بل بتدخل حكومي منظم يعتمد على الصيانة الوقائية بدلًا من الانتظار حتى تقع الكارثة، مؤكدًا على أن استمرار تجاهل هذا الملف يعني تكرار المأساة نفسها، مشددًا على أن إنفاق الأموال على صيانة العقارات الآيلة للسقوط هو استثمار في حياة المواطنين، وليس عبئًا على الدولة.
انهيار العقارات في مصر لها أسباب متعددة ومتشابكة
أكد النائب عمرو درويش، أمين سر لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، أن أزمة انهيار العقارات في مصر لها أسباب متعددة ومتشابكة، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد فقط، مشددًا على أن أي حل حقيقي يجب أن يبدأ أولًا بتشخيص دقيق للأسباب.
وأوضح درويش، في تصريحات خاصة لـ«نيوز رووم» أن أهم سببين لانهيار العقارات يتمثلان في تقادم عدد كبير من المباني وعدم خضوعها للصيانة الدورية، إلى جانب انتشار البناء المخالف بشكل واسع بعد عام 2011، حيث تم تشييد العديد من العقارات في فترات زمنية قياسية دون الالتزام بالاشتراطات الهندسية، ما أدى إلى ضعف السلامة الإنشائية وتهديد أرواح المواطنين.
وأضاف أمين سر لجنة الإدارة المحلية، أن الأزمة تفاقمت بسبب سكن آلاف الأسر داخل عقارات آيلة للسقوط، سواء لمواطنين اشتروا وحدات بأسعار منخفضة دون النظر إلى جودة البناء، أو لأسر تقيم في عقارات قديمة ولا تمتلك القدرة المالية على الانتقال إلى مساكن بديلة أكثر أمانًا، وهو ما يجعلهم عرضة لمخاطر يومية.
قرارات الإزالة وحدها لا تمثل حلًا واقعيًا
وأضاف عضو مجلس النواب، أن قرارات الإزالة وحدها لا تمثل حلًا واقعيًا، في ظل وجود آلاف العقارات المخالفة التي يسكنها عشرات الآلاف من المواطنين، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يكمن في توفير سكن بديل آمن ومناسب وبأسعار تتوافق مع قدرات المواطنين.

وشدد درويش على أن التزام الدولة في هذا الملف ليس التزامًا قانونيًا فقط، بل التزام مجتمعي وإنساني وأخلاقي، لافتًا إلى أن نجاح أي خطة لمعالجة انهيار العقارات يتطلب الجمع بين توفير البدائل السكنية، ورفع الوعي المجتمعي بمخاطر الإقامة في العقارات غير الآمنة، إلى جانب تشديد الرقابة على البناء ومنع تكرار المخالفات.
أكد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية والحكومية والخبير الاستشاري بالبلديات الدولية، أن سوء إدارة ملف العقارات المخالفة من جانب أغلبية المحافظين السابقين وعدد كبير من العاملين بالمحليات في مختلف المحافظات، كان سببًا رئيسيًا في تفاقم ظاهرة البناء المخالف وانهيار العقارات وارتفاع عدد الأدوار غير المرخصة.
البيروقراطية ساهمت بشكل مباشر في زيادة المخالفات
وأوضح عرفة في تصريحات خاصة لـ«نيوز رووم» أن البيروقراطية الشديدة في ملف تراخيص البناء أسهمت بشكل مباشر في زيادة المخالفات، لافتًا إلى وجود علاقة وثيقة بين البناء غير القانوني وتوسع نطاق العشوائيات، مؤكدًا أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق قيادات الإدارات المحلية بسبب ضعف الفهم الإداري والقانوني للملف، وغياب المتابعة الجادة والفعالة.
وأشار إلى أحكام المحكمة الدستورية العليا التي أكدت أن قرارات المحافظين بإزالة المباني المقامة خارج الأحوزة العمرانية للمدن والقرى تُعد قرارات إدارية وليست جنائية، كما أقرت إزالة المباني المخالفة على نفقة المخالف، وشددت على ضرورة التزام الدولة بسرعة إعداد التخطيط العمراني للقرى واعتماد الأحوزة العمرانية المعتمدة لمنع ظهور عشوائيات جديدة.
تطوير أداء الإدارات المحلية في 27 محافظة
واقترح أستاذ الإدارة المحلية حزمة من الاستراتيجيات التنفيذية لتطوير أداء الإدارات المحلية في 27 محافظة والمديريات التابعة لها، بما يضمن الحد من انهيار المباني والقضاء على العشوائيات، أبرزها ضرورة تعديل قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، واصفًا إياه بأنه قانون بيروقراطي يسهم بشكل غير مباشر في زيادة البناء المخالف وتدهور التخطيط العمراني.

وكشف أن إجمالي المخالفات وصل إلى نحو 3 ملايين و240 ألف عقار مخالف في 27 محافظة منذ ثورة يناير فقط، مطالبًا المحافظين الجدد والحاليين بـتطهير الأحياء والمراكز والمدن والوحدات القروية من العناصر الفاسدة داخل الإدارات الهندسية، وإلغاء ندب غير المتخصصين من الحاصلين على مؤهلات متوسطة كمرحلة مؤقتة، تمهيدًا لنقل تبعية الإدارات الهندسية إلى وزارة الإسكان.
تعديل قانون الإدارة المحلية
وأضاف أن الخروج من الأزمة يتطلب أيضًا تعديل قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979، لوجود مواد مشتركة مع وزارة الإسكان تتعلق مباشرة بمشكلات العشوائيات والبناء المخالف، وهو ما لم يتم حتى الآن، إلى جانب الإسراع بتعديل قانون المجتمعات العمرانية رقم 58 لسنة 1979 المرتبط بإعادة تقسيم المحافظات، مشددًا على أنه لا يجوز الاستمرار في العمل بقوانين تجاوز عمرها 44 عامًا.
قانون البناء الموحد
وطالب عرفة بسرعة نقل جميع الإدارات الهندسية التابعة لـ184 مركزًا و92 حيًا و1211 وحدة محلية قروية و214 مدينة، من المحليات إلى مديريات الإسكان بالمحافظات الـ27، باعتبارها الجهة المختصة، خاصة أن نسبة المهندسين بتلك الإدارات لا تتجاوز 8%، بينما يشغل الباقي وظائف فنية دون تخصص هندسي، مؤكدًا أن قانون البناء الموحد يحتوي على ثغرات عديدة تفتح الباب للفساد من بعض العاملين بالإدارات الهندسية، وفي المقابل تدفع المواطنين إلى مخالفة القانون بسبب تعقيد إجراءات التراخيص، مشددًا على أن الحل الجذري يكمن في تشريع قانون جديد يجرم المخالفات بصرامة، ويقر الحبس لكل من المقاول أو المهندس المنفذ وصاحب العقار المخالف دون استثناء.