عاجل

مصر تصنع السلام بصمت.. كيف تدير القاهرة أزمات الإقليم بعيد عن الاستعراض؟

كيف تدير القاهرة
كيف تدير القاهرة أزمات الإقليم بعيد عن الاستعراض

تشهد المنطقة أزمات أقليمة كبيرة وتعلو فيه نبرة التصعيد كما تتصدرها الأصوات المرتفعة والبيانات المتلاحقة، ولكن القاهرة اختارت مسارًا مختلفًا في إدارة ملفات المنطقة، قائمًا على التحرك الهادئ والدبلوماسية الرصينة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، فمن غزة إلى السودان وليبيا، برز الدور المصري كفاعلٍ رئيسي يعمل على احتواء الصراعات ومنع تمددها، معتمدًا على ثوابت سياسية راسخة تقوم على دعم الحلول السلمية، والحفاظ على وحدة الدول ومؤسساتها الوطنية، والتدخل كوسيط موثوق لا كطرف في النزاعات.

دبلوماسية بلا ضجيج

حيث تواصل القاهرة إدارة ملفات المنطقة بسياسة هادئة تقوم على الدبلوماسية المتزنة والعمل خلف الكواليس، دون استعراض أو ضجيج. هذا النهج جعل من مصر لاعبًا محوريًا في عدد من القضايا الساخنة التي تمس أمن المنطقة واستقرارها.

كيف تتعامل القاهرة مع أزمات الإقليم؟

تعتمد السياسة المصرية في التعامل مع أزمات الإقليم على ما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية الصامتة»، حيث تتحرك الدولة عبر قنوات رسمية مباشرة، سواء على مستوى الدبلوماسية الرئاسية أو عبر وزارة الخارجية، مع الحرص على تجنب الخطابات المتشنجة أو التصريحات المتعجلة. وتركز القاهرة على تحقيق نتائج ملموسة بدلًا من الاكتفاء بالمواقف الإعلامية.

غزة وساطة ثابتة رغم تعقيد المشهد

تُعد القضية الفلسطينية، وعلى رأسها العدوان المستمر على قطاع غزة، أحد أبرز الملفات التي تعكس هذا النهج. فقد لعبت مصر دور الوسيط الأساسي في محاولات وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، وفتح قنوات التواصل بين الأطراف المختلفة، دون السعي إلى تصدير المشهد إعلاميًا، رغم تعقّد الوضع وتشابك المصالح الدولية.

السودان وليبيا أمن قومي مصري

في السودان وليبيا، تنطلق التحركات المصرية من منطلقات الأمن القومي المباشر، باعتبار البلدين جارين استراتيجيين لمصر. وتعمل القاهرة على دعم الحلول السياسية التي تحافظ على وحدة الدولتين ومؤسساتهما الوطنية، وترفض منطق الميليشيات أو التدخلات الخارجية التي تُفاقم الأزمات بدلًا من حلها.

ويؤكد مراقبون أن الموقف المصري يسعى إلى احتواء الصراع ومنع تمدده إلى الداخل المصري، مع الدفع نحو تسويات نابعة من الداخل الوطني لكل دولة.

رفض التدخلات الخارجية

من الثوابت التي تحكم التحرك المصري الإقليمي، رفض التدخلات الأجنبية في شؤون الدول العربية، خاصة عندما تؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية أو تأجيج الصراعات المسلحة. وتدعو القاهرة باستمرار إلى حلول سياسية شاملة تحترم سيادة الدول وتُبقي القرار الوطني بأيدي أبنائها.

مصر تتعمل بدرجة من الحكمة السياسية والاتزان

أكد الدكتور إكرم بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، أن القاهرة تتعامل مع القضايا الإقليمية المحيطة بها بدرجة عالية من الحكمة السياسية والاتزان، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي أو استعراض الأدوار، مشيرًا إلى أن السياسة المصرية تقوم بالأساس على إدارة الملفات الإقليمية وفق ثوابت واضحة ومعلنة.

وأوضح بدر الدين، في تصريحات خاصة لـ "نيوز رووم"، أن الدور المصري في التعامل مع القضايا الإقليمية، وعلى رأسها الأوضاع في غزة والسودان وليبيا، يتم عبر مسارين متكاملين؛ الأول هو الدبلوماسية الرئاسية أو ما يُعرف بدبلوماسية القمة، والثاني عبر تحركات وزارة الخارجية على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية.

وأضاف أستاذ العلوم السياسية، أن مصر تنظر إلى هذه القضايا باعتبارها «ملفات ساخنة» تمس بشكل مباشر الأمن القومي المصري، لافتًا إلى أن السودان يمثل العمق الجنوبي لمصر، بينما تمثل ليبيا الجار الغربي، وبالتالي فإن أي تطورات أو اضطرابات داخل هاتين الدولتين تنعكس مباشرة على الاستقرار والأمن المصري، مشيرًا إلى أن الثوابت الحاكمة للسياسة المصرية في هذا الإطار تقوم على السعي لإيجاد حلول سلمية للأزمات، على أن تكون هذه الحلول نابعة من الداخل، دون تدخلات خارجية قد تؤدي إلى تعقيد المشهد وزيادة حدة الصراعات، مؤكدًا أن التدخلات الخارجية غالبًا ما تفرز تداعيات سلبية خطيرة على استقرار الدول.

الحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها ووحدة شعوبها

وشدد بدر الدين، على أن من المبادئ الأساسية للسياسة المصرية الحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها ووحدة شعوبها، إلى جانب دعم التوافق الداخلي والحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيوش الوطنية، باعتبارها السلطة الشرعية الضامنة لأمن الدول واستقرارها، محذرًا من خطورة انتشار الميليشيات المسلحة وما تسببه من فوضى وتفكيك للدولة، كما يحدث في بعض الساحات الإقليمية.

وأكد أستاذ العلوم السياسية، أن مصر تتحرك على عدة مستويات دبلوماسية، سواء عبر اللقاءات الثنائية بين القيادة السياسية المصرية وزعماء الدول، أو من خلال القمم الجماعية والإقليمية، فضلًا عن دورها الفاعل داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية، مشيرًا إلى أن هذا الدور حظي بإشادات دولية واسعة، من بينها إشادة الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك تقدير عدد من القوى الدولية لدور القاهرة في ملف غزة.

مصر دائمًا تكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الأزمة

وتابع: أن مصر تحرص دائمًا على أن تكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الأزمة، وتقوم بدور الوسيط النزيه الذي يسعى إلى التوفيق بين الأطراف الداخلية، مع رفض أي تدخل خارجي قد يؤدي إلى مزيد من الاشتعال وعدم الاستقرار، انطلاقًا من رؤية ثابتة مفادها أن الحلول الحقيقية للأزمات يجب أن تنبع من داخل الدول نفسها.

أكدت الدكتورة نجلاء مرعي، أستاذ العلوم السياسية، أن مصر لعبت ولا تزال تلعب دورًا محوريًا في إدارة الأزمات العربية والإقليمية، انطلاقًا من رؤية واضحة تقوم على صناعة السلام وتحقيق الاستقرار في المنطقة، وليس مجرد إدارة الأزمات أو احتوائها مؤقتًا.

وأوضحت مرعي في تصريحات خاصة لـ "نيوز رووم"، أن القاهرة أثبتت على مدار السنوات الماضية أنها الداعم والدرع الأول للقضية الفلسطينية، مشيرة إلى أن التحركات المصرية، سواء السياسية أو الدبلوماسية، عكست قيادة تاريخية لمصر في محيطها الإقليمي، وهو ما تجلّى في العديد من المحطات المفصلية التي شهد لها المجتمع الدولي وعبّر عن تقديره للدور المصري المتوازن.

وقف إطلاق النار في غزة

وأضافت أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة لم يكن بالنسبة لمصر مجرد تهدئة ميدانية مؤقتة، بل حمل رسالة سياسية واضحة للعالم، مفادها أن القاهرة قادرة على إعادة ضبط إيقاع المنطقة على أسس ثابتة، قوامها السلام العادل، وحماية المدنيين، ووقف نزيف الدم الفلسطيني.

وشددت على أن هذا الاتفاق جاء ثمرة لجهود مكثفة قادتها الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدة أن تحركات القاهرة منذ السابع من أكتوبر جاءت انطلاقًا من مسؤولية تاريخية تجاه القضية الفلسطينية، وإدراك عميق بأن استقرار المنطقة يبدأ من تحقيق سلام عادل وشامل في فلسطين.

وأشارت أستاذ العلوم السياسية إلى أن مصر أثبتت عمليًا أن السلام لا يُفرض بالقوة، وإنما يُصنع بالإرادة السياسية والصدق في المواقف، لافتة إلى أن الدور المصري لم يقتصر على المسار السياسي فقط، بل امتد ليشمل تقديم مساعدات إنسانية وإغاثية مكثفة لأهالي غزة منذ اندلاع الحرب، في تأكيد واضح على التزام مصر الثابت بحقوق الشعب الفلسطيني والعمل على تخفيف معاناته.

وأكدت مرعي أن التحركات المصرية تجاه غزة عكست موقفًا عربيًا وإنسانيًا داعمًا للأمن الإقليمي والسلام، قائمًا على ثوابت راسخة، في مقدمتها دعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، مشددة على أن النجاح الدبلوماسي في هذا الملف عزز من مكانة مصر كركيزة أساسية لاستقرار الشرق الأوسط.

القاهرة لم تسع فقط إلى وقف إطلاق النار

وأضافت أن القاهرة لم تسع فقط إلى وقف إطلاق النار، بل أعلنت بوضوح ثوابت لا تقبل المساومة، وعلى رأسها رفض التهجير، ورفض تصفية القضية الفلسطينية، والتأكيد على أن حل الدولتين هو المسار الوحيد لتحقيق السلام العادل، وهو ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا وتكرارًا.

وفيما يخص الأزمة السودانية، أوضحت الدكتورة نجلاء مرعي أن مصر تُعد من أبرز الدول المعنية بالملف السوداني، بحكم الروابط التاريخية والجغرافية، والتأثير المباشر للأوضاع في السودان على الأمن القومي المصري، خاصة فيما يتعلق بأمن الحدود وحركة اللاجئين.

وأشارت إلى أن استقبال الرئيس السيسي لقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في زيارة رسمية، جاء في إطار بحث تطورات الأوضاع في السودان، والعمل على التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية مستقرة، مؤكدة أن القاهرة كثفت تحركاتها الدبلوماسية لدعم جهود التهدئة والحل السياسي، مع التأكيد على دعم مؤسسات الدولة السودانية ووحدة أراضيها.

مصر انخرطت بفاعلية في مختلف المساعي الإقليمية والدولية

وأضافت أن مصر انخرطت بفاعلية في مختلف المساعي الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار ووضع حد لمعاناة الشعب السوداني، سواء عبر القنوات الثنائية أو من خلال المحافل الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الآليات الدولية ذات الصلة، فضلًا عن اتصالات القاهرة المستمرة مع أطراف دولية فاعلة، من بينها واشنطن، لتعزيز فرص التوصل إلى تسوية شاملة تحفظ مقدرات الشعب السوداني وتحقق تطلعاته في الأمن والسلام والاستقرار.

كما شددت مرعي على أن موقف القاهرة والخرطوم متطابق فيما يتعلق بملف الأمن المائي، باعتبارهما دولتي مصب لنهر النيل، مؤكدة أهمية الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بحقوق ومصالح دولتي المصب.

واختتمت أستاذ العلوم السياسية تصريحها بالتأكيد على أن مصر تنطلق في سياستها الخارجية من مبدأ أساسي قوامه صناعة السلام، ورفض التدخلات الخارجية في شؤون الدول، والدفع نحو حلول وطنية خالصة للأزمات، سواء في غزة أو السودان، مشيرة إلى أن القاهرة تشارك في جهود دولية وإقليمية متعددة، بالتعاون مع شركاء دوليين وإقليميين، بهدف وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار الإقليمي الشامل.

تم نسخ الرابط