عاجل

على مدار ما يقرب من عشرين عامًا من الدراسة والبحث والعمل في مجال التنمية العمرانية الشاملة، ومتابعة المشروعات القومية، ظل هناك سؤال أساسي يشغلني: كيف يمكن أن نضمن أن تتحول المشروعات التي تنفذها الدولة إلى تنمية حقيقية ومستدامة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية؟

هذا السؤال ليس أكاديميًا فقط، بل يرتبط بكفاءة إدارة مواردنا، وحسن توظيف إمكاناتنا، وقدرتنا على تحقيق أقصى عائد تنموي من الاستثمارات والمشروعات التي يتم تنفيذها.

لقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية تنفيذ مشروعات قومية كبرى في قطاعات متعددة، وامتدت جهود التنمية إلى مناطق وأقاليم كانت تحتاج إلى تدخلات استثمارية وعمرانية واسعة. ويأتي إقليم قناة السويس في مقدمة هذه المناطق، بما يمتلكه من أهمية استراتيجية ومقومات اقتصادية وعمرانية وبشرية كبيرة.

لكنني أرى أن التحدي في المرحلة المقبلة لم يعد مرتبطًا فقط بحجم المشروعات التي نستطيع تنفيذها، وإنما بقدرتنا على إدارة هذه المشروعات وربطها ببعضها البعض، وتحويلها إلى منظومة تنموية متكاملة.

فنجاح المشروع لا يعني بالضرورة نجاح التنمية، كما أن تعدد المشروعات لا يعني بالضرورة تكاملها.

قد تنجح جهة في تنفيذ مشروع، وتنجح جهة أخرى في تنفيذ مشروع مختلف، لكن الأثر التنموي الأكبر لا يتحقق إلا عندما تعمل هذه المشروعات ضمن رؤية واحدة، وتخدم أهدافًا مشتركة، وتستجيب لاحتياجات المكان والسكان.

ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من مفهوم تنفيذ المشروعات المنفردة إلى مفهوم إدارة التنمية العمرانية الشاملة؛ وهو مفهوم لا يقتصر على التخطيط العمراني أو إنشاء المدن والمرافق، بل يمتد ليشمل التكامل بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، وإدارة الموارد، وتنسيق الأدوار بين المؤسسات المعنية.

ما الذي نحتاج إليه في المرحلة المقبلة؟

أعتقد أن هناك أربعة محاور تستحق اهتمامًا أكبر في إدارة مشروعات التنمية، خاصة على مستوى الأقاليم ذات الأهمية الاستراتيجية:

أولًا: التخطيط على مستوى الإقليم وليس المشروع فقط.

ينبغي أن تكون هناك رؤية متكاملة تحدد أولويات التنمية وفقًا للمقومات والاحتياجات الفعلية لكل منطقة، وتربط بين الموانئ والصناعة والتجارة والسياحة والإسكان والخدمات، بحيث لا تعمل هذه القطاعات بمعزل عن بعضها البعض.

ثانيًا: التكامل والتنسيق المؤسسي.

التنمية مسؤولية مشتركة بين جهات متعددة، وهو ما يتطلب آليات واضحة لتنسيق القرارات وتوزيع المسؤوليات وتبادل المعلومات، بما يحد من تضارب الاختصاصات وتكرار الجهود، ويضمن توجيه الموارد نحو أهداف مشتركة.

ثالثًا: إدارة المشروعات باعتبارها منظومة واحدة.

من المهم ألا ننظر إلى كل مشروع باعتباره وحدة مستقلة، وإنما كجزء من محفظة مشروعات تنموية مترابطة، يتم ترتيبها وفقًا للأولوية والأثر المتوقع، مع ربط مراحل التنفيذ والتمويل بالأهداف التنموية التي نريد تحقيقها.

رابعًا: قياس الأثر الحقيقي للتنمية.

لا ينبغي أن يقتصر تقييم نجاح المشروعات على نسب التنفيذ أو حجم الإنفاق، بل يجب أن يمتد إلى ما تحققه من فرص عمل، وتحسين للخدمات، ورفع لجودة الحياة، وتعزيز للاقتصاد المحلي. فالمواطن في النهاية هو المستفيد الأساسي من أي عملية تنموية.

توصيات تنفيذية قابلة للتطبيق

حتى تتحول هذه الرؤية إلى واقع، أرى أهمية تبني مجموعة من الإجراءات العملية:

1. إنشاء آلية تنسيقية لإدارة التنمية على مستوى إقليم قناة السويس: تضم الجهات المعنية بالتخطيط والتنمية والاستثمار والمرافق والمحافظات، وتعمل على تنسيق الأولويات ومتابعة المشروعات المشتركة، دون إنشاء كيانات موازية للاختصاصات القائمة.
2. إعداد خريطة موحدة للمشروعات والفرص التنموية: تتضمن المشروعات القائمة والمخططة، ومواقعها، ومراحل تنفيذها، والجهات المسؤولة عنها، والفرص الاستثمارية المرتبطة بها، بما يساعد على اكتشاف فرص التكامل وتجنب تكرار الجهود.
3. إعداد برنامج تنفيذي متكامل لبورسعيد: يحدد أولويات المشروعات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، ويربط بين تطوير الميناء والمناطق الصناعية والتجارة والسياحة والمناطق العمرانية والخدمات، مع تحديد مسؤوليات التنفيذ ومصادر التمويل والجداول الزمنية.
4. تفعيل نظام لقياس الأثر التنموي للمشروعات: من خلال مؤشرات واضحة تشمل فرص العمل، وحجم الاستثمارات المحفزة، وتحسين الخدمات، وكفاءة استخدام الأراضي والمرافق، ومدى استفادة المجتمع المحلي.
5. ربط المشروعات باحتياجات سوق العمل المحلي: من خلال التنسيق بين الجهات التعليمية والتدريبية والقطاع الخاص، لضمان تأهيل الكوادر المطلوبة للمشروعات الجديدة، وزيادة فرص تشغيل أبناء الإقليم.
6. تعزيز المشاركة المجتمعية والقطاع الخاص: من خلال جلسات حوار منتظمة مع المواطنين والمستثمرين والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني، والاستفادة من مقترحاتهم في تحديد الاحتياجات وتطوير الحلول.
7. إصدار تقرير دوري عن أداء التنمية بالإقليم: يعرض ما تم تنفيذه، ومعدلات التقدم، والتحديات، ومؤشرات الأثر، بما يعزز الشفافية ويساعد صُنّاع القرار على تصحيح المسار في الوقت المناسب.

بورسعيد.. فرصة لتطبيق نموذج متكامل

تمتلك بورسعيد مقومات تجعلها مؤهلة لتكون نموذجًا مهمًا في تطبيق هذا الفكر؛ فالميناء، والمناطق الصناعية، والأنشطة التجارية، والإمكانات السياحية، إلى جانب موقعها داخل منظومة إقليم قناة السويس، تمثل عناصر قوة يمكن أن تحقق قيمة اقتصادية وعمرانية أكبر إذا أُديرت في إطار رؤية واحدة.

لكن ذلك يتطلب أن ننظر إلى بورسعيد باعتبارها منظومة متكاملة، لا مجرد مجموعة من القطاعات أو المشروعات المنفصلة.

نحتاج إلى الربط بين فرص الاستثمار واحتياجات السكان، وبين تطوير المناطق الاقتصادية وتحسين جودة الحياة في المناطق العمرانية القائمة، وبين إنشاء المشروعات وضمان تشغيلها واستدامة خدماتها.

كما نحتاج إلى آليات مؤسسية أكثر فاعلية لمتابعة المشروعات وتنسيق الأولويات وتقييم النتائج، بحيث تكون القرارات مبنية على بيانات ودراسات واضحة، وتكون المسؤوليات محددة، ويكون الأثر التنموي هو معيار النجاح.

كلمة أخيرة إلى صُنّاع القرار

إن ما تحقق من مشروعات قومية كبرى يمثل رصيدًا مهمًا للدولة المصرية، لكن الحفاظ على هذا الرصيد وتعظيم عائده يتطلب تطوير أساليب إدارة التنمية، والانتقال من التركيز على تنفيذ المشروعات إلى الاهتمام بتكاملها وتشغيلها واستدامة نتائجها.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من الاهتمام بملف إدارة التنمية العمرانية الشاملة، باعتباره حلقة الوصل بين التخطيط والاستثمار والتنفيذ، وبين ما تنفقه الدولة وما يعود على المجتمع من عائد حقيقي.

فالتنمية ليست مجرد توسع في البناء، ولا تقتصر على إنشاء مشروعات جديدة، وإنما هي إدارة واعية للمكان والإنسان والموارد، وقدرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى فرص حقيقية ومستدامة.

وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: ليس فقط كم مشروعًا نستطيع أن ننفذ؟ بل كيف ندير هذه المشروعات معًا لتصنع تنمية حقيقية يشعر بها المواطن وتستفيد منها الأجيال القادمة.

تم نسخ الرابط