انتخابات التجديد النصفي الأميركية.. معركة سياسية ترسم ملامح الاقتصاد وتحدد مستقبل الأسواق والضرائب والفائدة
تتجه الأنظار إلى انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي تمثل محطة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية، في ظل ما تحمله نتائجها من انعكاسات محتملة على مستقبل الاقتصاد الأميركي، واتجاهات السياسات المالية والتجارية والنقدية، فضلاً عن تأثيرها على الأسواق العالمية والاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.
ولا تقتصر أهمية هذه الانتخابات على تحديد موازين القوى داخل الكونغرس، بل تمتد إلى رسم حدود العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية، بما قد ينعكس بصورة مباشرة على ملفات شديدة الحساسية، في مقدمتها الضرائب، والرعاية الصحية، والتعريفات الجمركية، وأسعار الفائدة، والإنفاق الحكومي، فضلاً عن تداعيات الحرب مع إيران على الاقتصاد الأميركي.
وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية في ظل احتدام المنافسة على مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، إلى جانب نحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ، وسط تمتع الحزب الجمهوري بأغلبية محدودة في المجلسين، الأمر الذي يجعل نتائج الاقتراع عاملاً مؤثراً في تحديد قدرة إدارة الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ أجندتها الاقتصادية والسياسية.
وبحسب تقرير أعده موقع «Investopedia»، واطّلع عليه موقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»، فإن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو كليهما قد تمنحهم مساحة أوسع للتأثير في السياسات الحكومية، حيث أعلن قادة الحزب عزمهم التحرك سريعاً لطرح تشريعات تستهدف إلغاء تخفيضات مرتبطة ببرنامجي Medicaid وMedicare، وإنهاء التعريفات الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب، فضلاً عن السعي لوقف الحرب في إيران ما لم تحصل على تفويض من الكونغرس.
غير أن امتلاك الأغلبية داخل الكونغرس لا يعني بالضرورة القدرة على تمرير جميع هذه المقترحات، إذ قد يحتاج الديمقراطيون إلى دعم جمهوري لتجاوز الفيتو الرئاسي، وهو ما يجعل مستقبل السياسات الاقتصادية مرتبطاً ليس فقط بنتائج الانتخابات، وإنما أيضاً بمدى قدرة الحزبين على التوصل إلى تفاهمات سياسية وتشريعية.
التضخم والتعريفات الجمركية.. معركة مباشرة مع تكلفة المعيشة
يأتي التضخم وتراجع القوة الشرائية للأسر الأميركية في مقدمة الملفات التي قد تتأثر بنتائج الانتخابات، خصوصاً مع استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع تكلفة السلع والخدمات.
ووفقاً للبيانات الواردة في التقرير، ارتفعت أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنسبة 3.7 بالمئة على أساس سنوي حتى سبتمبر 2026، لتظل أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 بالمئة.
وفي هذا السياق، يرى خبراء التوقعات في بنك «ويلز فارغو» أن نتائج الانتخابات قد تنعكس على مسار التضخم، إذ إن فوز الديمقراطيين قد يساهم في تخفيف بعض الضغوط السعرية، حال تمكنهم من الحد من قدرة الرئيس ترامب على فرض تعريفات جمركية جديدة.
في المقابل، فإن استمرار سيطرة الجمهوريين على الكونغرس قد يسمح باستمرار النهج التجاري الحالي، بما يحمله من احتمالات زيادة تكاليف الواردات والضغط على أسعار السلع، خاصة إذا تزامن ذلك مع تشديد سياسات الهجرة، وما قد يترتب عليه من تأثيرات في المعروض من العمالة وتكاليف الإنتاج.
وتبرز التعريفات الجمركية باعتبارها أحد أبرز الملفات القابلة للتغيير في حال تبدل موازين القوى داخل الكونغرس، خاصة في ظل عدم وجود إجماع واسع بشأنها داخل الحزب الجمهوري نفسه.
الاحتياطي الفيدرالي وأسعار الفائدة.. الكونغرس في مواجهة النفوذ الرئاسي
يمثل مستقبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي أحد الملفات المهمة التي قد تتأثر بنتائج الانتخابات، إذ يمتلك مجلس الشيوخ صلاحية المصادقة على تعيينات الرئيس الأميركي في مجلس محافظي البنك المركزي، وهو ما يمنحه دوراً مؤثراً في تشكيل القيادة النقدية للولايات المتحدة.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل الضغوط التي مارسها ترامب على الاحتياطي الفيدرالي من أجل خفض أسعار الفائدة، الأمر الذي يضع استقلالية البنك المركزي ومستقبل توجهاته النقدية ضمن دائرة النقاش السياسي.
ومن المنتظر أن تشهد الفترة المقبلة تطورات تتعلق بتعيينات مجلس المحافظين، المكون من سبعة أعضاء، خاصة مع انتهاء ولاية جيروم باول كعضو في المجلس خلال يناير 2028، بما يستدعي مصادقة مجلس الشيوخ على المرشح الذي سيختاره الرئيس لخلافته.
وفي هذا الإطار، أشار خبراء اقتصاديون في «دويتشه بنك» إلى أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ قد تمنحهم القدرة على عرقلة المصادقة على بعض الترشيحات الرئاسية، إذا شغر أحد المقاعد قبل انتهاء مدته.
وبالتالي، فإن نتائج الانتخابات قد لا تحدد أسعار الفائدة بصورة مباشرة، لكنها قد تؤثر في تركيبة القيادة النقدية، وطبيعة العلاقة بين الإدارة الأميركية والبنك المركزي، وهو ما ينعكس بدوره على توقعات المستثمرين والأسواق المالية.
الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.. هل تتأثر قاطرة النمو الأميركي؟
على صعيد النمو الاقتصادي، تبرز استثمارات الذكاء الاصطناعي وإنشاء مراكز البيانات باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي الأميركي خلال المرحلة الحالية.
ويرى محللون أن نتائج انتخابات الكونغرس قد لا تؤدي إلى تغييرات سريعة في وتيرة إنشاء مراكز البيانات، خاصة أن إدارة ترامب اتخذت بالفعل خطوات تنظيمية وتنفيذية لإزالة عدد من العقبات أمام هذه المشروعات.
لكن مايكل بيرس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، يشير إلى أن التحديات الرئيسية التي تواجه مشروعات مراكز البيانات قد تأتي من القرارات المحلية، إذ تستطيع المجالس المحلية تعليق تنفيذ هذه المشروعات لفترات محددة.
ويعني ذلك أن مستقبل استثمارات الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بالتوجهات الفيدرالية، بل سيتأثر أيضاً بالقرارات التنظيمية المحلية، ومدى قدرة الولايات والمجتمعات المحلية على استيعاب التوسع المتسارع في البنية التحتية الرقمية.
الدين العام والحروب التجارية.. أعباء متزايدة على الاقتصاد الأميركي
وفي قراءة أوسع للمشهد الاقتصادي الأميركي، يرى أستاذ الاقتصاد السابق بجامعة نيويورك كامل وزنة، في حديثه لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»، أن انتخابات التجديد النصفي تتجاوز المنافسة التقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين، لتطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على نموها الاقتصادي في ظل تصاعد الدين العام، وارتفاع تكاليف الحروب، والتغيرات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على سوق العمل.
وأوضح وزنة أن الدين الأميركي تجاوز حاجز 40 تريليون دولار، مقارنة بنحو 5.7 تريليونات دولار عام 2000، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين إلى مستويات تتجاوز تريليون دولار سنوياً، وزيادة النفقات المرتبطة بالضمان الاجتماعي والرعاية الصحية نتيجة شيخوخة السكان.
وأشار إلى أن هذه التطورات تفرض ضغوطاً متزايدة على الموازنة الأميركية، وقد تحد من قدرة الحكومة على توجيه موارد إضافية للاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي.
وأضاف أن الحروب التجارية والرسوم الجمركية زادت من الأعباء الواقعة على الشركات والمستهلكين، ورفعت تكاليف عدد من السلع، فضلاً عن تأثيرها على العلاقات التجارية مع الشركاء الرئيسيين، وفي مقدمتهم كندا.
كما لفت إلى أن الحرب مع إيران ساهمت في ارتفاع أسعار النفط والوقود، وهو ما انعكس على تكاليف النقل والزراعة والإنتاج، وامتد تأثيره إلى أسعار المواد الغذائية.
هل تستطيع الانتخابات تغيير المسار الاقتصادي الأميركي؟
وأكد وزنة أن الناخب الأميركي يتطلع إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي، وحماية الوظائف والقوة الشرائية، وتعزيز فرص النمو المستدام، إلا أن الوصول إلى هذه الأهداف يتطلب مراجعة عدد من السياسات القائمة، سواء على المستوى التجاري أو العسكري أو الداخلي.
وأوضح أن نتائج الانتخابات وحدها لن تكون كافية لمعالجة الأزمات الاقتصادية، حتى في حال تمكن الديمقراطيين من تحقيق مكاسب داخل الكونغرس، مشيراً إلى أن قدرتهم على التأثير في تمويل الحرب لا تعني امتلاكهم القدرة على إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأميركية بالكامل.
وشدد على أن التعاون بين الجمهوريين والديمقراطيين يمثل ضرورة لتحديد أولويات المرحلة المقبلة، سواء فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية أو الأمنية والعسكرية أو التعريفات الجمركية، لافتاً إلى أن استمرار الخلافات الحزبية قد يعطل الوصول إلى حلول مشتركة للتحديات القائمة.
ميشال صليبي: الانقسام السياسي قد يقود واشنطن إلى شلل تشريعي
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي واستراتيجي الأسواق المالية ميشال صليبي، في حديثه لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»، أن المراهنة على حدوث تحول جذري في مسار الاقتصاد الأميركي بمجرد انتهاء انتخابات التجديد النصفي تنطوي على قدر كبير من التبسيط، موضحاً أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في دخول واشنطن مرحلة من الشلل التشريعي والمماطلة السياسية، إذا تمكن الديمقراطيون من تحقيق مكاسب في الكونغرس.
وأوضح صليبي أن هذا السيناريو قد يحد من قدرة الرئيس ترامب على تمرير أجندته الاقتصادية، لكنه لن يمنح الديمقراطيين بالضرورة القدرة على تنفيذ برنامجهم بالكامل، خاصة في ظل استمرار الانقسام بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وأضاف أن انقسام السلطة قد يدفع السياسة الاقتصادية الأميركية بعيداً عن التخطيط طويل الأجل، باتجاه إدارة الأزمات والخلافات المستمرة، خصوصاً عند مناقشة ملفات حساسة مثل رفع سقف الدين العام وإقرار الموازنة الفيدرالية.
وأشار إلى أن استمرار التجاذبات السياسية وتنازع الصلاحيات قد يضعف ثقة المستثمرين الدوليين في استقرار البيئة التشريعية والاستثمارية الأميركية، بما قد يؤدي إلى زيادة تكلفة الاقتراض السيادي وفرض ضغوط إضافية على جاذبية الأصول الأميركية خلال المدى المتوسط.
الانتخابات تعيد توزيع النفوذ.. لكنها لا تحسم مستقبل الاقتصاد
وخلص صليبي إلى أن نتائج انتخابات التجديد النصفي قد تعيد رسم حدود العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، وتؤثر في قدرة الإدارة الأميركية على تمرير سياساتها الاقتصادية والمالية والتجارية، لكنها لن تكون كافية بمفردها لإطلاق مرحلة اقتصادية جديدة أو إنهاء التحديات الهيكلية التي تواجه الولايات المتحدة.
وبين رهانات التغيير ومخاطر الجمود التشريعي، يبدو الاقتصاد الأميركي أمام مرحلة تتشابك فيها الحسابات السياسية مع التحديات المالية والتجارية والنقدية، لتبقى قدرة واشنطن على تحقيق الاستقرار والنمو مرهونة بمدى نجاح مؤسساتها في إدارة الخلافات الحزبية والتعامل مع أعباء الدين العام وتكاليف الحروب والتحولات التكنولوجية.
فالانتخابات قد تغير موازين القوى في واشنطن، لكن ترجمة هذا التغيير إلى نتائج اقتصادية ملموسة ستظل مرهونة بما ستسفر عنه المرحلة التالية من قرارات وتوافقات سياسية.