الخطر الحقيقي في قرار وزير التربية والتعليم حول اختيار توقيت فرض مواد الهوية وآلية تنفيذه ليس خطرا تربوياً فقط .. إنه خطر اقتصادي مباشر يهدد احتياطي مصر من النقد الأجنبي، ويُدار بمنطق دفتر التحصيل بينما الدولة تحسب بميزان المدفوعات.
فبلا دراسة أثر تشريعي أو اقتصادي منشورة للرأي العام، قرر الوزير إدخال مادتي اللغة العربية والتاريخ في مجموع الشهادات الدولية بنسبة 20% بواقع 10% لكل مادة بدءاً من العام الدراسي 2027-2028، مع تطبيق استثنائي فوري هذا العام على طلاب النظام البريطاني IG باعتباره عامهم الأخير وهو قرار حسمه الوزير محمد عبد اللطيف يوم 20 أكتوبر 2026 بقوله: "القرار لن يلغى"، ليتضمن المجموع الكلي للشهادة الدولية درجات المادتين بنسبة 20% عبر امتحان عام تنظمه الوزارة.
والوزارة تتصدى كل يوم بحماس لنفي شائعة الـ 25 ألف جنيه رسوماً للمادة، وكأن الرسوم هي القضية والهوية هي الذريعة ..ولكن الرسوم ليست الكارثة .. الكارثة هي اقتصاديات القرار وما سيترتب عليه من هجرة تعليمية متوقعة.
والوزير اختار أن يفرض مواد الهوية على أخطر سنتين في حياة الطالب Grade 11 و Grade 12 .. السنتان اللتان يتحدد فيهما كل شيء .. القبول الجامعي والمنحة والتخصص وكل درجة فيهما توزن بميزان الذهب.
والقرار الوزاري رقم 148 لسنة 2024 ينص على أن يحتسب مجموع الدبلومة الأمريكية على 40% GPA و40% اختبارات نهائية دولية و20% لامتحان الوزارة في العربية والتاريخ .. والنتيجة لن تكون تعزيز الهوية، بل طرد الهوية وطرد العملة الصعبة معها.
فالحسبة التي لم يحسبها الوزير هي أن 10% على الأقل من طلاب المدارس الدولية يفكرون اليوم بجدية في الهجرة التعليمية المبكرة وهذا ليس انطباعاً، بل أرقام موثقة دولياً.
ففي العقد الماضي تضاعف عدد المصريين الدارسين في الخارج ثلاث مرات، من 12,300 طالب في 2008 إلى أكثر من 43,700 طالب بحلول عام 2022 وفقاً لتقارير اليونسكو.
واليوم يدرس نحو 50 ألف طالب مصري بالخارج بتكلفة مباشرة تصل إلى 1.2 مليار دولار تخرج من احتياطي مصر كل عام، وهو الرقم الذي أكده خبراء التعليم العالي في تحقيقات موسعة عن مفارقة "المليار دولار".
أي أننا ننزف مليار و200 مليون دولار سنوياً قبل القرار .. فماذا بعد القرار؟
وهنا يتجلى الخطأ الحسابي الفادح فحسبة الوزارة أنه لو أجرى 10 آلاف طالب امتحان الوزارة لمواد الهوية برسوم 5 آلاف جنيه تقريبا، فالمحصلة 50 مليون جنيه، أي أقل من مليون دولار واحد و هذا كل ما ستحصله الدولة.
اما حسبة الدولة وميزان المدفوعات فإن الطالب المهاجر الواحد يكلف أسرته بين 20 إلى 40 ألف دولار سنوياً جامعة وسكناً ومعيشة.
اي أن 1000 طالب يهاجر = 30 مليون دولار خسارة مباشرة للاحتياطي.
وبالتالي 10,000 طالب يهاجر = 300 مليون دولار، أي ثلث مليار دولار.
أي أن الوزير يخاطر بخسارة 300 ضعف ما قد يحصله.
ووزارة تريد أن تحصل ما يعادل مليون دولار، فتتسبب في خسارة ثلث مليار دولار من احتياطي البنك المركزي فهذا ليس قراراً تربوياً.. هذا قرار يضرب الأمن القومي الاقتصادي في مقتل.
الأخطر أن السوق البديل جاهز ويتربص بطلابنا ففي الوقت الذي تستهدف فيه مصر جذب 138 ألف طالب وافد يدرون عملة صعبة، ندفع طلابنا نحو منافسين يبنون اقتصادهم على التعليم الدولي.
تشير بيانات اليونسكو إلى أن ثلث الطلاب المصريين بالخارج اختاروا بالفعل الدراسة في الإمارات والسعودية ودول أوروبية وأمريكا وكندا بحثاً عن الاستقرار التعليمي .. وتركيا وحدها تستقطب مئات الآلاف من الطلاب الدوليين، بينما تتسابق ماليزيا وألمانيا على تقديم منح بالدولار.
فنحن لا نحتفظ بطلابنا، بل نمول جامعات الخارج من احتياطينا.
ويظن الوزير أنه يحصل الرسوم ويفرض الهوية، بينما هو في الحقيقة يمول جامعات الخارج بالدولار، ويفرغ جامعات الداخل من عقولها، ويحطم نفسية آلاف الأسر التي استثمرت كل ما تملك لتعليم أبنائها داخل مصر.
إنه خطأ حسابي واقتصادي واستراتيجي في آن واحد.. وهذا هو أخطر أنواع الأخطاء، لأنه يُدار بمنطق دفتر التحصيل ولا يرى ميزان مدفوعات الدولة، وسيكلف مصر أضعاف ما يظن أنه سيكسبه.
مرة اخرى الهوية لا تُفرض بفاتورة، ولا تُزرع في اللحظة الأخيرة في سنة التخصص.
من أراد هوية حقيقية فليزرعها في رياض الأطفال والصفوف الأولى، بمنهج جذاب ومعلم قدوة وقصة يحبها الطفل، لا بقرار جباية يأتي في Grade 12 فيدفع الطالب للبحث عن جامعة في إسطنبول أو برلين.