عاجل

معتصم أبو خضره: رفع الفائدة لجذب الأموال الساخنة مسكن مؤقت.. والاقتصاد يحتاج إلى خفض تكلفة التمويل لتحفيز الاستثمار والإنتاج

معتصم أبو خضره
معتصم أبو خضره

أكد الدكتور معتصم أبو خضره، الخبير الاقتصادي، أن رفع أسعار الفائدة بهدف استعادة تدفقات الأموال الساخنة يمثل حلًا مؤقتًا للتعامل مع الضغوط التي يتعرض لها سوق الصرف، لكنه ينطوي على مخاطر اقتصادية إذا تحول إلى أداة رئيسية لإدارة الأزمات، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين دعم استقرار العملة واحتواء التضخم من جهة، وتحفيز الاستثمار الإنتاجي وتوسيع الطاقة الاقتصادية من جهة أخرى.

وأوضح أبو خضره أن رفع الفائدة قد يعزز جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المحلية أمام المستثمرين الأجانب الباحثين عن عوائد مرتفعة، بما قد يساعد على جذب تدفقات نقدية أجنبية تدعم سوق الصرف على المدى القصير. غير أن الاعتماد على هذه التدفقات يظل محفوفًا بالمخاطر، نظرًا إلى طبيعتها سريعة الحركة وإمكانية خروجها عند تغير الظروف الدولية أو تراجع العائد المعدل بالمخاطر، وهو ما قد يعيد الضغوط على العملة المحلية بدلًا من معالجة أسبابها الهيكلية.

وأضاف أن الأموال الساخنة قد تمنح الاقتصاد مساحة زمنية لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تمثل بديلًا عن بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي، مؤكدًا أن قوة الاقتصاد لا تُقاس بحجم التدفقات المالية قصيرة الأجل وحدها، وإنما بقدرته على زيادة الصادرات، وجذب الاستثمار المباشر، وتوسيع الإنتاج المحلي، وخلق فرص عمل ترفع مستويات الدخل وتدعم الطلب الحقيقي.

وأشار أبو خضره إلى أن رفع أسعار الفائدة قد يسهم في احتواء بعض الضغوط التضخمية من خلال تقليل الاقتراض والإنفاق، وزيادة الحافز للادخار، لكنه لا يعالج وحده جميع مصادر ارتفاع الأسعار، خاصة عندما ترتبط هذه الضغوط بزيادة تكاليف الإنتاج أو اختلالات العرض أو تغيرات سعر الصرف. ولذلك، فإن فعالية السياسة النقدية تتوقف على طبيعة التضخم وأسبابه، ومدى التنسيق بينها وبين السياسات المالية والإنتاجية.

ولفت إلى أن ارتفاع الفائدة يفرض في المقابل تكلفة كبيرة على الموازنة العامة، من خلال زيادة أعباء خدمة الدين كلما انعكست المعدلات المرتفعة على تكلفة الاقتراض الحكومي وتجديد الالتزامات التمويلية. كما يرفع تكلفة التمويل أمام الشركات والمستثمرين، وهو ما قد يؤجل قرارات التوسع وإنشاء المشروعات الجديدة، ويحد من قدرة القطاع الخاص على ضخ استثمارات إنتاجية تحتاج إلى تمويل طويل الأجل.

وأوضح أن هذه المعادلة تخلق تحديًا اقتصاديًا مهمًا؛ فبينما تستهدف السياسة النقدية امتصاص السيولة والحد من الضغوط التضخمية، قد يؤدي ارتفاع تكلفة خدمة الدين والتمويل إلى زيادة الضغوط على الموازنة والشركات، بما يحد من قدرة الاقتصاد على توسيع الإنتاج. وإذا لم تترافق السياسة النقدية مع إصلاحات مالية وإنتاجية ترفع كفاءة الإنفاق وتزيد موارد الدولة الحقيقية، فقد تستمر الحاجة إلى الاقتراض، وتظل تكلفة التمويل المرتفعة عبئًا على النشاط الاقتصادي.

وأكد أبو خضره أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى بيئة تمويلية تساعد أصحاب رؤوس الأموال على الانتقال من الاحتفاظ بالسيولة أو توظيفها في الأدوات المالية قصيرة الأجل إلى تأسيس مشروعات جديدة وتوسيع الأنشطة الإنتاجية. فقرار الاستثمار يرتبط بتكلفة التمويل، لكنه يرتبط أيضًا باستقرار السياسات الاقتصادية، ووضوح القواعد المنظمة للسوق، وتوافر الأراضي والمرافق، وسهولة الإجراءات، والقدرة على التنبؤ بالعائد والمخاطر على المدى الطويل.

وأضاف أن خفض الفائدة لا ينبغي أن يكون هدفًا منفصلًا عن بقية السياسات الاقتصادية، كما أن رفعها لا يمكن اعتباره حلًا شاملًا لكل الضغوط؛ إذ يجب أن تستند القرارات النقدية إلى مسار واضح للتضخم وتوقعاته، مع مراعاة تأثير تكلفة التمويل على الاستثمار والإنتاج والمالية العامة. فالمطلوب هو الوصول إلى توازن يسمح باحتواء التضخم دون إضعاف قدرة الاقتصاد على النمو، مع اتخاذ إجراءات متوازية لمعالجة الاختلالات التي تغذي ارتفاع الأسعار وتزيد الاحتياج إلى التمويل الخارجي.

وشدد على أن الخروج من دائرة الاعتماد المتكرر على التدفقات قصيرة الأجل يتطلب زيادة جاذبية الاستثمار المباشر، وتعزيز تنافسية الصناعة المحلية، وتوسيع القاعدة التصديرية، وتحسين بيئة الأعمال، إلى جانب إدارة أكثر كفاءة للدين العام. فهذه المسارات هي التي تساعد على توفير موارد أجنبية أكثر استدامة، وتخفف الضغوط على سوق الصرف، وتمنح السياسة النقدية مساحة أكبر للتحرك وفقًا لاحتياجات الاقتصاد الحقيقي.

واختتم الدكتور معتصم أبو خضره بالتأكيد على أن رفع الفائدة قد يحقق مكاسب نقدية مؤقتة، لكنه لا يصنع وحده استقرارًا اقتصاديًا مستدامًا، موضحًا أن نجاح السياسة الاقتصادية يتطلب ألا تتحول تكلفة جذب الأموال الساخنة إلى عبء يحد من الاستثمار والإنتاج ويزيد أعباء خدمة الدين. وأكد أن الأولوية يجب أن تكون لبناء اقتصاد قادر على توليد القيمة وفرص العمل والنقد الأجنبي من خلال الإنتاج والتصدير والاستثمار طويل الأجل، بما يسمح بتخفيف الاعتماد على التدفقات المتقلبة وتهيئة الظروف لخفض تكلفة التمويل بصورة مستدامة، دون الإضرار باستقرار الأسعار أو سوق الصرف.

تم نسخ الرابط