الذهب والفضة بين صدمة الأسعار واختبار القيمة.. هل اقتربت المعادن النفيسة من قاع التصحيح أم أن السوق لم يستكمل إعادة التسعير؟
في الأسواق المالية، لا تكون التوقعات الأكثر تشاؤمًا دليلًا كافيًا على اقتراب القاع، مثلما لا يمثل الهبوط الحاد وحده برهانًا على انهيار القيمة الاقتصادية للأصل.
وبين هذين الطرفين، تتجدد معركة التقييم في سوق المعادن النفيسة، حيث يتداخل تأثير أسعار الفائدة والدولار مع الطلب الاستثماري والاستخدامات الصناعية، لتتحول حركة الذهب والفضة إلى اختبار لمدى قدرة المستثمرين على التمييز بين التصحيح السعري وتغير الأساسيات.
وقد أثارت سيناريوهات متداولة تتحدث عن إمكانية وصول أسعار الذهب والفضة إلى مستويات سالبة بحلول عام 2027، في محاكاة لانهيار أسعار النفط خلال أزمة عام 2020، جدلًا بشأن طبيعة الأصول التي يمكن أن تتعرض لمثل هذه الظاهرة. لكن قبل التعامل مع هذه التوقعات باعتبارها إشارة إلى انهيار وشيك أو اقتراب مؤكد من القاع، ينبغي التحقق من مصدرها الأصلي ومن المقصود تحديدًا بالأسعار السالبة؛ إذ لا تتوافر في المصادر التي أمكن التحقق منها أدلة كافية تثبت أن مؤسسة هورايزون كابيتال أصدرت بالفعل توقعًا موثقًا بهذا المضمون.
لماذا لا يمكن إسقاط تجربة النفط على الذهب والفضة؟
كان انهيار أسعار النفط إلى المنطقة السالبة في أبريل 2020 حالة استثنائية ارتبطت بعقد آجل محدد لخام غرب تكساس الوسيط، مع اقتراب موعد التسوية في ظل انهيار الطلب خلال جائحة كورونا وامتلاء مرافق التخزين المتاحة. وأصبح بعض المتعاملين مستعدين لدفع أموال للتخلص من التزامات تسليم مادي لم يعد لديهم مكان لاستيعابها.
هذه الآلية تختلف جوهريًا عن طبيعة سوق الذهب. فالذهب أصل يمكن تخزينه بكميات كبيرة نسبيًا مقارنة بقيمته، ويتمتع بسوق عالمية واسعة، ويُستخدم في الاحتياطيات الرسمية والاستثمار وصناعة المجوهرات. ولذلك لا يكفي انخفاض الطلب أو ارتفاع المخزونات وحدهما لجعل سعره سالبًا؛ بل يتطلب ذلك ظروفًا استثنائية مختلفة جذريًا عن التصحيح السعري المعتاد.
أما الفضة، فتجمع بين صفات المعدن النفيس والمادة الصناعية، ما يجعلها أكثر حساسية لتغيرات النشاط الاقتصادي والطلب على الإلكترونيات والطاقة الشمسية وبعض الصناعات التحويلية. لكنها أيضًا لا تُقاس بمنطق النفط وحده، ولا يعني تراجع الطلب الصناعي أن تكاليف الاحتفاظ بها ستتجاوز قيمة المعدن نفسه بصورة تلقائية.
والتمييز هنا أساسي: قد يتراجع سعر الأصل بشدة من دون أن يفقد قيمته الاقتصادية، لكن امتلاكه لقيمة مادية لا يمنع تعرضه لخسائر سعرية كبيرة.
الفائدة والدولار يعيدان اختبار جاذبية المعادن
تتعرض المعادن النفيسة حاليًا لضغوط ناتجة عن ارتفاع العوائد على الأصول المنافسة، وقوة الدولار، وتوقعات استمرار السياسة النقدية الأمريكية المقيدة لفترة أطول.
وفي 29 أكتوبر 2026، تراجع الذهب الفوري بنحو 0.8% إلى قرابة 4,035 دولارًا للأوقية، بينما اتجهت الفضة ومعادن نفيسة أخرى إلى تسجيل خسائر شهرية ثانية متتالية، مع استمرار توقعات رفع الفائدة الأمريكية في ديسمبر. Reuters
وتكشف هذه الحركة عن نقطة جوهرية في تقييم الذهب: فالمستثمر لا يقارن المعدن بالدولار وحده، وإنما يقارنه أيضًا بالعائد الذي يمكن أن يحصل عليه من السندات والأدوات المالية الأخرى. وعندما ترتفع العوائد الحقيقية، تزداد تكلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر فائدة دورية، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم حتى في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية.
لكن الصورة ليست أحادية الاتجاه. فالمخاوف المتعلقة بالديون السيادية، وتآكل القوة الشرائية للعملات، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، قد توفر دعمًا للذهب على المدى الأطول. وقد خفّض استطلاع أجرته رويترز في أكتوبر متوسط توقعات المحللين لسعر الذهب خلال 2026، مع رفع توقعات 2027 بصورة محدودة، في إشارة إلى أن المشاركين في السوق لا يتعاملون مع التراجع الحالي باعتباره حكمًا نهائيًا على الاتجاه طويل الأجل. Reuters
الفضة.. المعدن الذي لا تحكمه الملاذات الآمنة وحدها
تختلف معادلة الفضة عن الذهب؛ إذ لا يتحدد سعرها فقط بالطلب على التحوط من المخاطر المالية، بل يتأثر كذلك بمستويات التصنيع والاستثمار في الطاقة الشمسية والإلكترونيات وغيرها من الصناعات.
ولهذا قد تتعرض الفضة لضغط مزدوج إذا تراجعت شهية المستثمرين للمعادن النفيسة بالتزامن مع تباطؤ الطلب الصناعي. وفي المقابل، يمكن أن تستفيد من تحسن النشاط الاقتصادي أو زيادة الطلب على بعض الاستخدامات الصناعية، حتى عندما تكون حركة الذهب أكثر ارتباطًا بتوقعات الفائدة والدولار.
وتشير تقديرات بحثية منشورة خلال أكتوبر إلى أن ضعف الطلب على الألواح الشمسية، واتجاه بعض الصناعات إلى تقليل استخدام الفضة أو استبدالها بمواد أخرى، يمثلان عاملين ضاغطين على آفاق المعدن، رغم استمرار وجود عوامل داعمة مرتبطة بالطلب الاستثماري وبعض الاستخدامات الصناعية.
وهذا يعني أن الرهان على صعود الفضة لمجرد أنها أرخص من الذهب أو لأنها تعرضت لهبوط أكبر لا يكفي لاتخاذ قرار استثماري سليم؛ إذ يجب النظر إلى التوازن بين المعروض والطلب، وحجم المخزونات المتاحة، ومسار الاستخدامات الصناعية، وتكلفة التمويل.
هل يمثل التشاؤم إشارة إلى اقتراب القاع؟
تتكرر في الأسواق فكرة أن التشاؤم المفرط قد يسبق انعكاس الاتجاه، وهي فكرة لها أساس في سلوك المستثمرين عندما تصبح المراكز البيعية مزدحمة ويكون جزء كبير من الأخبار السلبية قد انعكس بالفعل في الأسعار.
لكن هذه القاعدة ليست قانونًا اقتصاديًا. فقد يستمر الهبوط إذا تدهورت الأساسيات، أو ارتفعت العوائد الحقيقية، أو استمر خروج الأموال من الصناديق الاستثمارية، أو تراجع الطلب الفعلي. كما أن وصول المشاعر إلى مستويات متشائمة لا يحدد وحده توقيت القاع ولا يضمن أن الأسعار الحالية أقل من قيمتها العادلة.
ولإثبات أن المعادن النفيسة اقتربت بالفعل من قاع التصحيح، يحتاج المستثمر إلى مراقبة مجموعة من المؤشرات، أبرزها استقرار العوائد الحقيقية، واتجاه الدولار، وتدفقات الصناديق المتداولة المدعومة بالمعادن، ومشتريات البنوك المركزية، والطلب الفعلي من الأسواق الرئيسية، إلى جانب تطورات المعروض والتكاليف الإنتاجية.
وبالمثل، فإن أسهم شركات التعدين لا تتحرك دائمًا بالتوازي مع أسعار الذهب والفضة؛ لأنها تتأثر بتكاليف الطاقة والأجور والتمويل، وكفاءة التشغيل، واحتياطيات المناجم، والضرائب، والمخاطر السياسية في الدول التي تعمل بها. وقد تتراجع أسهم التعدين حتى مع استقرار أسعار المعادن إذا ارتفعت تكاليف الإنتاج أو تراجعت توقعات الأرباح.
القيمة المادية لا تعني حصانة سعرية
تكشف المناقشات الحالية عن خلط شائع بين امتلاك الأصل قيمة مادية وبين افتراض أن سعره لا يمكن أن يتراجع بصورة حادة. فالذهب معدن محدود نسبيًا ولا يمكن إنتاجه بقرار نقدي، لكن سعره يتحدد عند الهامش وفق تفاعل العرض والطلب وتكلفة الفرصة البديلة وتوقعات المستثمرين.
كما أن الأصول الحقيقية ليست جميعها متشابهة؛ فالعقار يعتمد على موقعه وقدرته على توليد دخل، والسلع الصناعية تعتمد على الاستخدام والطلب، والمعادن النفيسة تعتمد بدرجة كبيرة على دورها النقدي والاستثماري إلى جانب استخداماتها الفعلية.
ومن ثم، فإن الدفاع عن الذهب باعتباره أصلًا مختلفًا عن النفط لا يستلزم رفض احتمالات التراجع، بل يستلزم تقييم كل سوق وفق آلياته الخاصة. فالذهب قد يتعرض لتصحيح ممتد، والفضة قد تواجه ضغوطًا إضافية بسبب ضعف الصناعة، من دون أن يعني ذلك أن سعر أي منهما مرشح بصورة واقعية للوصول إلى مستويات سالبة وفق آليات التداول المعتادة.
الخلاصة أن التشاؤم الشديد ليس شهادة شراء، مثلما أن الهبوط لا يمثل وحده دليلًا على انهيار القيمة. فالمستثمر الذي يبحث عن قاع المعادن النفيسة يحتاج إلى قراءة بيانات السوق الفعلية، لا الاكتفاء بالعناوين الصادمة أو الاعتقاد بأن الأصل المادي محصن من الخسارة.
وفي سوق تتقاطع فيه السياسة النقدية مع الديون والمخاطر الجيوسياسية، لن يتحدد مصير الذهب والفضة بقدرة المستثمرين على رفض الروايات المتشائمة فقط، بل بقدرتهم على التمييز بين ضغوط مؤقتة في التقييم وتغيرات حقيقية في الأساسيات الاقتصادية التي تمنح هذه المعادن قيمتها.