حين يصبح الإنقاذ جزءًا من المشكلة.. تشارلي مونجر ومعضلة الديون التي لا تعرف نهايتها
لم يكن قلق تشارلي مونجر، الشريك الاستثماري التاريخي لوارن بافيت، من التوسع النقدي الحكومي مجرد تحذير تقليدي من التضخم، بل انطلق من سؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظام المالي الحديث: هل تستطيع الحكومات والبنوك المركزية مواصلة احتواء الأزمات عبر ضخ السيولة وتوسيع الديون، أم أن نجاح هذه الأدوات في منع الانهيارات قد يدفع إلى الإفراط في استخدامها، حتى تصبح تكلفة الإنقاذ نفسها مصدرًا للخطر؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أن الاقتصاد العالمي لم يعد يواجه أزمات منفصلة يمكن التعامل مع كل منها بمعزل عن الأخرى؛ فالتدخل الذي ينقذ المؤسسات المالية في لحظة اضطراب قد يرفع المديونية، والسيولة التي تمنع تجمد الأسواق قد تدفع أسعار الأصول إلى مستويات يصعب تبريرها اقتصاديًا، وخفض الفائدة الذي يحفز الاستثمار قد يشجع على الاقتراض المفرط إذا استمر لفترة أطول مما ينبغي.
وفي هذا السياق، لم يكن مونجر يرفض التدخل الحكومي باعتباره خطأ في كل الأحوال. ففي تصريحات سابقة، أقر بأن إنقاذ البنوك بعد الأزمة المالية العالمية كان قرارًا صحيحًا، لكنه حذر في الوقت نفسه من مخاطر التوسع المفرط في طباعة الأموال، ومن الاعتقاد بأن الحكومات تستطيع تمويل احتياجاتها بلا حدود.
من الانضباط الذهبي إلى اقتصاد إدارة الأزمات
لفهم المعضلة، لا بد من العودة إلى التحول الذي شهدته السياسة الاقتصادية خلال القرن العشرين. ففي ظل الأنظمة النقدية المرتبطة بالذهب، كانت قدرة الحكومات على توسيع المعروض النقدي مقيدة بدرجات متفاوتة بقواعد التحويل والاحتياطيات والالتزامات النقدية. وقد فرض ذلك نوعًا من الانضباط على إصدار النقود، لكنه لم يمنع الأزمات المصرفية أو الانكماش أو انهيار الطلب.
بل إن الكساد العظيم الذي بدأ عام 1929 كشف حدود الاعتقاد بأن الأسواق تستطيع دائمًا استعادة توازنها بسرعة ومن دون تدخل واسع. فقد أدى انهيار النشاط الاقتصادي وتراجع الائتمان وإفلاس المؤسسات إلى تعميق الأزمة، وأسهمت التجربة في ترسيخ دور أكبر للدولة والسياسة النقدية والمالية في مواجهة الركود.
ومع تطور الفكر الاقتصادي، ولا سيما الأفكار المرتبطة بجون ماينارد كينز، أصبح التدخل الحكومي أداة أساسية لدعم الطلب خلال فترات الانكماش، بينما تطورت أدوات البنوك المركزية لتشمل خفض الفائدة وتوفير السيولة وشراء الأصول في الظروف الاستثنائية.
غير أن هذه التحولات لا تعني أن العالم انتقل ببساطة من نظام منضبط إلى نظام بلا قيود. فالارتباط بالذهب لم يكن ضمانًا للاستقرار، كما أن النقود الحديثة لا تفقد قيمتها لمجرد أن إصدارها لا يرتبط باحتياطي من المعدن النفيس. المسألة الحاسمة هي مدى اتساق إصدار النقود والاقتراض مع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، وقدرته على توليد الدخل، والثقة في المؤسسات التي تدير السياسة النقدية والمالية.
وهنا يبدأ جوهر المعضلة التي أثارها مونجر: ليست المشكلة في وجود أدوات للإنقاذ، وإنما في تحول استخدامها الاستثنائي إلى توقع دائم لدى الحكومات والأسواق.
عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة
أظهرت الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم صدمة جائحة كورونا، كيف يمكن للسياسات النقدية والمالية أن تمنع انهيارات أوسع من خلال توفير السيولة، وخفض أسعار الفائدة، ودعم دخول الشركات والأسر. لكن التجارب نفسها كشفت أيضًا أن التدخلات الاستثنائية تترك آثارًا طويلة الأجل على الميزانيات العمومية للبنوك المركزية، وأسعار الأصول، وحجم الدين العام.
وفي بعض المراحل، اعتاد المستثمرون على توقع تدخل البنوك المركزية كلما تعرضت الأسواق لهبوط حاد، وهو ما يُعرف في الأوساط المالية بفكرة «مظلة الحماية النقدية». ومع ترسخ هذا التوقع، قد تتراجع حساسية بعض المستثمرين للمخاطر، ويزداد استعدادهم للاقتراض أو شراء أصول مرتفعة التقييم، انطلاقًا من افتراض أن السلطات لن تسمح بانهيار واسع.
لكن هذه الحماية ليست ضمانًا دائمًا. فالبنك المركزي يستطيع توفير السيولة، لكنه لا يستطيع بمفرده تحويل شركة خاسرة إلى نشاط مربح، ولا يمكنه ضمان استمرار ارتفاع أسعار الأصول، كما لا يملك معالجة جميع الاختلالات الناتجة عن سوء توزيع رأس المال أو ضعف الإنتاجية.
وفي حديثه عن التوسع النقدي، حذر مونجر من جاذبية تمويل الالتزامات عبر خلق النقود، لأن هذا الخيار قد يبدو أقل تكلفة على المدى القصير من زيادة الضرائب أو تقليص الإنفاق، لكنه يصبح خطيرًا إذا تحول إلى بديل دائم عن معالجة الاختلالات المالية.
وهذه هي نقطة التحول الأساسية: عندما تبدأ الحكومات في التعامل مع القدرة على الاقتراض باعتبارها بديلًا عن إصلاح المالية العامة، وعندما تسعّر الأسواق الأصول على أساس توقع الإنقاذ لا على أساس العائد والمخاطر، يصبح النظام أكثر اعتمادًا على استمرار الظروف الاستثنائية.
الديون السيادية.. الخطر ليس في الحجم وحده
غالبًا ما يُختزل الجدل حول الديون في سؤال: كم يبلغ الدين العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي؟ لكن هذا المؤشر، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحديد مدى خطورة الوضع المالي.
فالدولة التي تقترض بعملتها المحلية، وتمتلك قاعدة إنتاجية واسعة، وأسواقًا مالية عميقة، ومؤسسات نقدية موثوقة، تختلف في قدرتها على تحمل الدين عن دولة تعتمد على الاقتراض الخارجي أو تواجه ضعفًا في مواردها من النقد الأجنبي.
كذلك، لا تتساوى الدول في تكلفة خدمة الدين أو آجال استحقاقه أو قدرة اقتصاداتها على توليد الإيرادات. وقد يصبح الدين عبئًا متزايدًا عندما ترتفع الفائدة التي تدفعها الحكومة، أو يتباطأ النمو الاقتصادي، أو تتراجع الإيرادات العامة، أو تضطر الدولة إلى إعادة تمويل التزاماتها بأسعار أعلى.
ومن هنا، لا يتمثل الخطر الحقيقي في أن الاقتراض سيئ بطبيعته؛ فالاقتراض قد يمول بنية تحتية أو تعليمًا أو استثمارات ترفع القدرة الإنتاجية وتزيد الإيرادات المستقبلية. إنما تكمن المشكلة في استخدام الدين لتمويل نفقات لا تنتج قيمة اقتصادية كافية، أو في استمرار العجز دون مسار واقعي لضبطه.
وتتضاعف المعضلة عندما ترتفع أسعار الفائدة في الوقت الذي تتراكم فيه استحقاقات الديون. فالحكومة التي كانت تستطيع الاقتراض بتكلفة منخفضة قد تجد نفسها أمام فاتورة أعلى لإعادة التمويل، بما يضيّق المساحة المتاحة للإنفاق على الخدمات والاستثمار.
لهذا السبب، كان تحذير مونجر من الأوضاع المالية غير المسبوقة تحذيرًا من مخاطر تراكم الاختلالات، وليس إعلانًا بأن انهيار النظام النقدي أصبح حتميًا. فقد أقر في مناسبات مختلفة بأن توقيت ظهور العواقب وطبيعتها يظلان غير مؤكدين، وأن التاريخ لا يقدم نموذجًا دقيقًا يمكن إسقاطه آليًا على المستقبل.
هل تؤدي طباعة النقود حتمًا إلى التضخم؟
تحتاج هذه النقطة إلى قدر من الدقة؛ فزيادة القاعدة النقدية أو توسع الميزانية العمومية للبنك المركزي لا يؤديان بالضرورة، وبالصورة نفسها، إلى ارتفاع فوري ومتناسب في أسعار المستهلكين.
يتوقف الأثر على ظروف الاقتصاد، وسرعة تداول النقود، ومستوى الطلب، وقدرة الإنتاج على الاستجابة، وطبيعة الأدوات التي يستخدمها البنك المركزي. وقد تتوسع السيولة خلال أزمة مالية بينما يظل الإنفاق ضعيفًا، فلا يظهر التضخم الاستهلاكي بالحدة المتوقعة. لكن إذا استمر التوسع النقدي والمالي في ظل طلب قوي وقيود إنتاجية، فقد تتزايد الضغوط السعرية.
كما أن ارتفاع أسعار الأسهم والعقارات لا يعادل تلقائيًا ارتفاع التضخم الاستهلاكي، وإن كان قد يوسع الفجوة بين أصحاب الأصول وغيرهم، ويزيد مخاطر المبالغة في التقييمات.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: قد لا تكون عواقب السياسات النقدية الميسرة موزعة بالتساوي. فارتفاع أسعار الأصول يفيد غالبًا من يمتلكونها بالفعل، بينما قد يجد المشترون الجدد أنفسهم أمام أسعار أعلى، حتى لو لم ترتفع دخولهم بالمعدل نفسه.
وبالتالي، فإن تقييم السياسة النقدية لا ينبغي أن يقتصر على سؤال ما إذا كانت قد منعت الركود، بل يجب أن يشمل أيضًا آثارها في توزيع الثروة، وكفاءة الاستثمار، واستقرار النظام المالي، وقدرة الاقتصاد على النمو من دون الاعتماد المستمر على التمويل الرخيص.
الذهب والأصول الحقيقية.. تحوط لا ضمان
يستند جزء من الاهتمام بالذهب والأصول الحقيقية إلى المخاوف من تراجع القوة الشرائية للعملات أو ارتفاع المخاطر المالية. لكن تحويل هذه الفكرة إلى قاعدة استثمارية مطلقة قد يكون مضللًا؛ فالذهب لا يدر دخلًا دوريًا، وقد يتعرض لتراجعات حادة، كما أن العقارات والأصول الإنتاجية ليست محصنة من ارتفاع الفائدة أو ضعف الطلب أو تغير الظروف الاقتصادية.
والتمييز الأهم هنا هو بين الأصل الذي يمتلك قيمة اقتصادية قابلة للاستمرار، والأصل الذي يرتفع سعره بفعل توقعات المستثمرين وحدها. فالعقار، على سبيل المثال، لا يُقيّم فقط بسعر المتر أو معدل ارتفاع الأسعار، وإنما بقدرته على توليد دخل أو تلبية طلب حقيقي، وبالتكلفة اللازمة لتطويره وصيانته وتمويله.
والشركة كذلك لا تصبح استثمارًا جيدًا لمجرد أنها تعمل في قطاع استراتيجي؛ بل تتحدد جاذبيتها بقدرتها على تحقيق تدفقات نقدية مستدامة، وإدارة التزاماتها، وتحويل فرص النمو إلى أرباح فعلية.
ومن هذا المنظور، لا تعني دروس مونجر ضرورة الهروب من النظام المالي أو التخلي عن الأصول الورقية، وإنما تعني عدم الخلط بين السيولة والقيمة، أو بين الدعم الحكومي والجدوى الاقتصادية، أو بين ارتفاع السعر وقوة الأصل نفسه.
ما الذي قد يوقف دورة الاعتماد على الإنقاذ؟
لا توجد نهاية واحدة حتمية للتوسع النقدي أو تراكم الديون. فقد تنجح الاقتصادات في احتواء الاختلالات تدريجيًا من خلال نمو الإنتاجية، وضبط العجز، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتوسيع القاعدة الضريبية، وإعادة توجيه رأس المال نحو الأنشطة الأكثر إنتاجية.
وفي المقابل، قد تتفاقم المشكلات إذا استمرت الحكومات في تأجيل الإصلاحات، أو إذا أدى الاعتماد على التمويل الرخيص إلى تراكم التزامات تفوق قدرة الاقتصاد على خدمتها. وقد تظهر العواقب في صورة تضخم أعلى، أو أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول، أو تراجع في تقييمات الأصول، أو ضغوط على العملة، أو مزيج من هذه التطورات.
ولا يعني ذلك أن النظام المالي العالمي يقف بالضرورة على حافة الانهيار؛ فالدول تمتلك أدوات مختلفة للتكيف، كما أن الاقتصادات لا تتشابه في أوضاعها المالية والنقدية. لكن استمرار الاعتماد على حلول قصيرة الأجل دون معالجة أسباب الأزمات قد يجعل تكلفة المعالجة المستقبلية أعلى وأكثر تعقيدًا.
إن القيمة الحقيقية في تحذيرات تشارلي مونجر لا تكمن في توقع موعد انهيار أو تحديد أصل مالي بعينه بوصفه الملاذ الوحيد، بل في التشكيك في الاعتقاد بأن نجاح سياسة ما في تجاوز أزمة واحدة يمنحها صلاحية مفتوحة للاستخدام في كل أزمة لاحقة.
فالنظام المالي لا يفقد توازنه لمجرد أن الحكومات تتدخل، وإنما عندما يصبح التدخل بديلًا عن الإصلاح، ويصبح الدين بديلًا عن الإنتاج، وترتفع أسعار الأصول أسرع من قدرتها على توليد القيمة. وعندها لا يعود السؤال هو ما إذا كانت البنوك المركزية تستطيع توفير مزيد من السيولة، بل ما إذا كان الاقتصاد قادرًا على تحويل هذه السيولة إلى نمو حقيقي يكفي لتحمل تكلفتها.