بين تعثر الوساطة وارتباك الذهب.. كيف تتحول أزمة واشنطن وطهران إلى اختبار لاقتصاد المخاطر العالمي؟
لا تعكس التطورات المتلاحقة في مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران مجرد تعثر جديد في جهود الوساطة، بل تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بقدرة الدبلوماسية على احتواء صراع باتت تكلفته تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، لتطال أسواق الطاقة وتوقعات التضخم وتوازنات الاستثمار العالمي.
ففي 28 أكتوبر، ظهرت مؤشرات متضاربة بشأن فرص التسوية؛ إذ أفادت تقارير بأن وسطاء قطريين قدموا إلى طهران مسودة جديدة لإنهاء الحرب، قبل أن يصف مسؤول إيراني رفيع المقترحات بأنها أفكار غير مقبولة لا ترقى إلى اتفاق رسمي. وفي الوقت نفسه، أكدت طهران استمرار اتصالاتها مع الوسطاء، مع تمسكها بترتيبات وشروط مختلفة عن التصور المطروح.
هذه التفاصيل مهمة؛ لأن نفي طهران قبول المبادرة لا يعني بالضرورة إغلاق باب التفاوض، كما أن استمرار الاتصالات لا يضمن اقتراب التسوية. فالمعضلة الحقيقية تكمن في ترتيب التنازلات: واشنطن تريد معالجة الملف النووي منذ بداية المفاوضات، بينما تطالب إيران بإنهاء الحصار البحري على موانئها وتخفيف القيود على صادراتها النفطية قبل الانتقال إلى الملفات الأخرى. وبين الموقفين، تتحول الوساطة إلى اختبار لقدرة الأطراف على التوصل إلى صيغة توقف التصعيد من دون أن يظهر أي منها بمظهر الطرف الذي تراجع تحت الضغط.
النفط يترجم المخاطر قبل أن تحسمها السياسة
في أسواق الطاقة، لا تنتظر الأسعار إعلان فشل المفاوضات بصورة رسمية، ولا تحتاج إلى توقف كامل للإمدادات حتى ترتفع. يكفي أن تتزايد احتمالات تعطيل الملاحة أو استهداف البنية التحتية النفطية حتى يعيد المتعاملون احتساب تكلفة المخاطر.
وقد ارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 115 دولارًا للبرميل خلال تداولات 28 أكتوبر، بعدما أثار هجوم حوثي على مصفاة رأس تنورة السعودية مخاوف جديدة بشأن الإمدادات، في ظل استمرار التوتر حول مضيق هرمز واتساع نطاق التهديدات الإقليمية.
وتكمن خطورة هذه المستويات السعرية في أن تأثيرها لا يتوقف عند شركات الطاقة أو الدول المنتجة. فارتفاع النفط ينتقل تدريجيًا إلى تكاليف الشحن والتأمين والنقل والإنتاج، وقد يرفع أسعار السلع والخدمات في الاقتصادات المستوردة للطاقة، بما يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة في توقيت تحاول فيه البنوك المركزية السيطرة على الأسعار.
ومن هنا، يصبح أمن الممرات البحرية عنصرًا اقتصاديًا مباشرًا، لا مجرد قضية جغرافية أو عسكرية. فمضيق هرمز يمثل إحدى أهم نقاط عبور الطاقة عالميًا، وأي اضطراب ممتد فيه يفرض على الأسواق تسعير احتمال نقص الإمدادات، حتى قبل أن تتضح الكميات التي قد تتأثر فعليًا.
الذهب أمام معادلة معقدة.. الملاذ الآمن ليس محصنًا من الفائدة
على الجانب الآخر، يواجه الذهب معادلة أكثر تعقيدًا من العلاقة التقليدية بين التوترات الجيوسياسية وارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة. فالمخاطر العسكرية تدعم جاذبيته، لكن ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية قد يقللان من جاذبيته النسبية مقارنة بالأصول التي تدر عائدًا.
وفي 29 أكتوبر، تراجعت أسعار الذهب الفورية بنحو 0.7% إلى قرابة 4,038 دولارات للأوقية، مع تقييم المستثمرين إشارات الاحتياطي الفيدرالي وانتظار بيانات التضخم الأمريكية. وجاء ذلك بعد مكاسب في الجلسات السابقة، بينما ظلت احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر عنصرًا مؤثرًا في قرارات المتعاملين.
وتكشف هذه الحركة عن نقطة أساسية في فهم سلوك الذهب: ليس كل تصعيد جيوسياسي كافيًا لدفعه إلى الصعود المستمر، لأن السعر يتأثر أيضًا بتكلفة الاحتفاظ بالأصل، واتجاه الدولار، والعوائد على السندات، وتوقعات السياسة النقدية.
بمعنى آخر، قد تدفع الحرب المستثمرين إلى شراء الذهب للتحوط، ثم تضغط توقعات استمرار الفائدة المرتفعة على هذه المكاسب. ولذلك فإن الاتجاه النهائي يتوقف على العامل الأكثر تأثيرًا في كل مرحلة: الخوف من اتساع الصراع، أم ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس.
الفيدرالي في قلب الأزمة.. التضخم قد يقيّد خياراته
تزداد حساسية الأسواق لأن التطورات الجيوسياسية تأتي بالتزامن مع قرار الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة في نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، مع استمرار القلق بشأن التضخم وعدم استبعاد رفع جديد إذا استدعت البيانات الاقتصادية ذلك.
ويضع ارتفاع النفط صانع السياسة النقدية أمام معضلة واضحة: إذا انتقلت زيادة أسعار الطاقة إلى التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار، فقد يصبح التيسير النقدي أكثر صعوبة. أما إذا ظلت الزيادة مؤقتة ولم تنتقل إلى بقية مكونات الأسعار، فقد تكون آثارها أقل استدامة.
لكن المشكلة أن الأسواق لا تنتظر اكتمال انتقال الأثر التضخمي حتى تتحرك. فتوقعات الفائدة تؤثر بالفعل في الدولار والسندات وأسهم التكنولوجيا وتكلفة الاقتراض، ما يجعل مجرد احتمال استمرار التشديد كافيًا لإعادة ترتيب المحافظ الاستثمارية.
وهكذا تتداخل الجغرافيا السياسية مع السياسة النقدية: التصعيد يرفع مخاطر الطاقة، والطاقة تهدد مسار التضخم، والتضخم يقيّد قدرة الفيدرالي على خفض الفائدة، واستمرار الفائدة المرتفعة يزيد تكلفة التمويل على الشركات والحكومات والمستهلكين.
الأسواق لا تتداول الأخبار فقط.. بل تتداول احتمال استمرارها
المفارقة أن الأسواق قد ترتفع على خبر يتعلق ببدء اتصالات دبلوماسية، ثم تتراجع عندما يتضح أن الأطراف لا تزال بعيدة عن الاتفاق. والسبب أن المستثمرين لا يسعّرون الخبر في حد ذاته، بل يقارنون ما حدث بما كان متوقعًا قبل صدوره، ثم يعيدون تقدير احتمالات السيناريوهات المقبلة.
لذلك لا يكفي أن تستمر قطر أو غيرها من الوسطاء في نقل المقترحات حتى تنخفض المخاطر بصورة مستدامة. فالسوق يحتاج إلى مؤشرات عملية، مثل اتفاق واضح على وقف الأعمال العدائية، وترتيبات قابلة للتنفيذ للملاحة، وآلية لمراقبة الالتزامات، وتفاهم بشأن العقوبات والملف النووي.
أما المبادرات التي لا تحسم ترتيب الخطوات أو تترك القضايا الجوهرية دون معالجة، فقد تمنح الأسواق هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تؤسس بالضرورة لاتجاه مستقر في أسعار النفط أو الذهب أو الأصول المالية.
وتزداد أهمية هذا التمييز في ظل تعدد بؤر التوتر في المنطقة، بما فيها المخاطر المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، واحتمالات امتداد المواجهات إلى منشآت الطاقة. فكلما اتسع نطاق التهديدات، أصبح من الأصعب على المستثمرين التعامل مع الأزمة باعتبارها حدثًا عابرًا يمكن احتواؤه سريعًا.
الاختبار الحقيقي.. هل تستطيع الدبلوماسية خفض تكلفة الصراع؟
إن جوهر الأزمة الراهنة لا يكمن فقط في رفض إيران مقترحات بعينها، ولا في استمرار واشنطن في الضغط العسكري والاقتصادي، وإنما في غياب توافق على تسلسل الخطوات الذي يمكن أن يحول الوساطة إلى اتفاق قابل للاستمرار.
فالاقتصاد العالمي لا يحتاج إلى إعلان سياسي عن قرب السلام بقدر ما يحتاج إلى تراجع ملموس في مخاطر الإمدادات، واستقرار حركة التجارة، وانخفاض احتمالات التصعيد. ومن دون ذلك، ستظل الأسواق معرضة لتقلبات حادة كلما ظهرت مبادرة جديدة أو تعثرت أخرى.
وفي هذه البيئة، لا يمكن اعتبار الذهب رابحًا مضمونًا، ولا النفط مرشحًا للصعود بلا حدود، ولا الدولار مستفيدًا في كل الظروف. فكل أصل يتحرك وفق تفاعل معقد بين المخاطر الجيوسياسية والسياسة النقدية والسيولة وتوقعات النمو.
الخلاصة أن تعثر الوساطة لا يرفع تكلفة الحرب وحدها، بل يرفع أيضًا تكلفة عدم اليقين. وهذه هي الفاتورة التي تتحملها الأسواق قبل أن تتضح النتيجة السياسية: نفط أكثر حساسية لأي تهديد، وذهب يتأرجح بين طلب التحوط وضغط الفائدة، واقتصادات تواجه احتمال عودة التضخم في وقت لا تزال فيه تكلفة التمويل مرتفعة.
وإذا كانت الدبلوماسية لم تنجح بعد في حسم الخلافات الجوهرية، فإن معيار نجاحها المقبل لن يكون عدد المبادرات المطروحة، بل قدرتها على تحويل الاتصالات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، بما يخفض مخاطر الطاقة ويمنح الأسواق أساسًا واقعيًا لاستعادة الاستقرار.