عاجل

 

ليست الجامعة مجرد مبانٍ وقاعات ومدرجات، وليست ساحة مفتوحة لاستضافة كل من يبحث عن الأضواء أو يسعى إلى صناعة الجدل، وإنما هي مؤسسة علمية وتربوية تحمل مسؤولية بناء العقول وصقل الوعي وترسيخ القيم. ومن هنا، فإن ما أُثير بشأن الفعالية التي شهدتها جامعة بني سويف يطرح تساؤلات مهمة حول معايير اختيار الضيوف، ومسؤولية القيادات الجامعية، ومدى الالتزام بحرمة المكانة العلمية والأخلاقية للمؤسسات التعليمية.

فالجامعة التي تفتح أبوابها للمعرفة مطالبة بأن تحافظ على رسالتها، وألا تسمح بتحويل قاعاتها إلى منصات للشهرة على حساب العلم والأخلاق. وإذا كانت الجامعات ترحب بالحوار والانفتاح الثقافي والفني، فإن ذلك لا يعني التخلي عن الضوابط التي تضمن احترام قدسية المكان ومكانة المؤسسة التعليمية.

ليس الاعتراض على الفن في حد ذاته، فالفنون الراقية جزء أصيل من الثقافة الإنسانية، ولها دور مهم في تشكيل الوجدان وتنمية الذوق العام، كما أن الجامعات ليست معزولة عن المجتمع، بل ينبغي أن تكون منارات للتنوير والإبداع. لكن الفارق كبير بين استضافة فنان يقدم تجربة إنسانية أو إبداعية تثري وعي الطلاب، وبين تنظيم فعاليات تتحول إلى مادة للجدل بسبب ألفاظ أو سلوكيات لا تتناسب مع طبيعة الجامعة ورسالتها.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاهله: لماذا يسعى بعض المسؤولين إلى استضافة شخصيات مثيرة للجدل، وكأن شهرتها وحدها كافية لمنح الفعالية قيمة علمية أو ثقافية؟ وهل أصبحت الأضواء الإعلامية معيارًا لنجاح الأنشطة الجامعية، حتى لو كان الثمن المساس بالصورة التي ينبغي أن تظل عليها الجامعة باعتبارها مؤسسة للعلم والمعرفة؟

إن رئيس الجامعة ليس مجرد مسؤول إداري يسعى إلى زيادة عدد الفعاليات أو تحقيق حضور إعلامي، وإنما هو مؤتمن على مؤسسة تصنع مستقبل الأجيال. وتُقاس قيمة القيادة الجامعية بقدرتها على الارتقاء بالتعليم والبحث العلمي، وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الأخلاقية، وتوفير بيئة تحترم العقل والإنسان، لا بعدد الكاميرات التي تحضر أنشطتها أو حجم الضجة التي تثيرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

إن المناصب الجامعية مسؤولية قبل أن تكون وجاهة، والألقاب العلمية تكليف قبل أن تكون مصدرًا للمكانة الاجتماعية. ومن ثم، فإن أي قرار باستضافة شخصية عامة داخل الحرم الجامعي يجب أن يخضع لمعايير واضحة، تراعي طبيعة الجمهور المستهدف، ومضمون الفعالية، والقيمة التي يمكن أن تضيفها إلى الطلاب. فليست كل شخصية مشهورة نموذجًا مناسبًا للاقتداء، وليست كل فعالية تحظى بانتشار واسع جديرة بأن تُقام داخل مؤسسة تعليمية.

والأخطر أن تتحول مثل هذه الممارسات إلى رسائل غير مباشرة للطلاب، توحي بأن الشهرة أهم من الإنجاز، وأن إثارة الجدل قد تكون طريقًا مختصرًا إلى الاهتمام والتقدير. فالطلاب لا يتعلمون من الكتب والمحاضرات وحدها، بل يتأثرون أيضًا بما يرونه من مواقف وقرارات، وبالنماذج التي تختار مؤسساتهم تقديمها إليهم. وعندما تستضيف الجامعة شخصية عامة، فإنها تمنحها مساحة من الثقة والاعتبار، وهو ما يفرض عليها مسؤولية التدقيق في مضمون اللقاء وما قد يصاحبه من أقوال أو تصرفات.

فما الرسالة التي نريد توجيهها إلى طالب العلم عندما يرى جامعته تتساهل في معايير كان ينبغي أن تكون واضحة ومحترمة؟ وكيف نطالبه بالانضباط والجدية واحترام القيم، بينما لا يجد هذه المعايير حاضرة بالقدر الكافي في بعض الأنشطة التي تنظمها المؤسسة المسؤولة عن تعليمه وتربيته؟

إن حرية التعبير لا تعني غياب المسؤولية، والانفتاح الثقافي لا يعني التخلي عن المعايير الأخلاقية، واحترام الفن لا يقتضي منح كل محتوى حصانة من النقد. فالجامعة تستطيع أن تستضيف الفنان والمثقف والمبدع، وأن تفتح أبوابها لمناقشة مختلف التجارب الإنسانية، دون أن تتنازل عن مكانتها أو تسمح بتحويل أنشطتها إلى عروض هدفها الأساسي جذب الانتباه.

كما أن الحفاظ على هيبة الجامعة لا يعني الانغلاق أو فرض الوصاية على عقول الطلاب، بل يعني تقديم نموذج متوازن يجمع بين الحرية والانضباط، وبين الإبداع والمسؤولية، وبين التنوع الثقافي واحترام القيم العامة. وهذه مسؤولية تبدأ من اختيار الفعاليات، ولا تنتهي إلا بالتأكد من أنها حققت هدفها وأضافت إلى وعي الطلاب ومعرفتهم.

لقد قدمت الجامعات المصرية عبر تاريخها علماء ومفكرين وأطباء ومهندسين وأساتذة أسهموا في بناء المجتمع ورفع مكانته. ومن حق هذه المؤسسات على قياداتها أن تحافظ على رصيدها العلمي والمعنوي، وألا تسمح بتبديده في فعاليات لا تتناسب مع رسالتها أو تمنح مظاهر الإسفاف غطاءً من الاحترام الأكاديمي.

وإذا كانت الواقعة التي شهدتها جامعة بني سويف قد أثارت هذا الجدل، فإن التعامل المسؤول معها ينبغي ألا يقتصر على تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بردود الأفعال، بل يجب أن يمتد إلى مراجعة معايير تنظيم الأنشطة الجامعية، وتحديد المسؤوليات بوضوح، والتحقق من تفاصيل ما حدث، واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق اللوائح والقواعد المعمول بها. فالمؤسسات القوية لا تخشى المراجعة، بل تستمد قوتها من قدرتها على تصحيح الأخطاء ومنع تكرارها.

إن المطلوب ليس منع الفن أو إغلاق أبواب الجامعات أمام المجتمع، وإنما إعادة الاعتبار إلى الأولويات الحقيقية. فالأولى بالجامعات أن تتصدر المشهد العلمي من خلال الأبحاث المتميزة، والمؤتمرات الجادة، ومناقشة قضايا المجتمع، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، وربط التعليم باحتياجات التنمية، لا أن تنشغل بمنافسة منصات الترفيه على جذب المشاهدات وتحقيق الانتشار.

إن هيبة الجامعة لا تُصان بالشعارات، ولا تُقاس بفخامة المباني أو كثرة الأنشطة، وإنما تُبنى بالعلم الجاد، والبحث الرصين، والقدوة الحسنة، والقرارات المسؤولة. وإذا كانت الشهرة عابرة، فإن سمعة المؤسسات العلمية تبقى، وإذا كان الجدل ينتهي بعد أيام، فإن أثر المواقف في عقول الطلاب قد يمتد لسنوات.

لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن الجامعة ليست مسرحًا للشهرة، ولا منصة لتلميع الأشخاص، ولا مكانًا تُختبر فيه حدود التساهل على حساب الأخلاق والعلم. إنها محراب للمعرفة، وحصن للوعي، ومؤسسة مسؤولة عن إعداد أجيال قادرة على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية.

فاحفظوا للجامعة هيبتها، وللعلم مكانته، وللقيادة الجامعية مسؤوليتها. ولا تجعلوا الرغبة في الأضواء تتقدم على الواجب، أو الشهرة تتفوق على القيمة، أو الجدل يحل محل المعرفة. فحين تتراجع رسالة العلم أمام بريق الشهرة، لا تخسر الجامعة موقفًا عابرًا فحسب، بل تخاطر برصيد من الثقة لا يُبنى في يوم، ولا ينبغي التفريط فيه من أجل فعالية تنتهي، بينما تبقى آثارها في الذاكرة

تم نسخ الرابط