يجب انتزاع رداء «المعارضة السياسية» عن كل من يستدعي التدخل الأجنبي في شؤون وطنه، أو يستقوي بقوى الخارج للنيل من سيادته؛ فالارتزاق من أموال القوى الأجنبية، وصناعة الذرائع لتبرير العدوان على الدولة تحت ستار الخصومة مع السلطة، ليس ممارسةً سياسيةً ولا اختلافًا فكريًا، وإنما خيانةٌ للوطن في جوهرها، قد ترقى إلى جريمة الخيانة العظمى متى توافرت أركانها القانونية؛ إذ تسقط عند هذه الحدود كل ادعاءات الشرف السياسي، وتنكشف حقيقة من جعلوا من خصومتهم مع الحاكم مبررًا للاستقواء بالمعتدي على الوطن.
وثمة فارقٌ فاصل بين معارضة حاكمٍ والسعي إلى إسقاط وطن؛ وبين أن تختلف مع السلطة على إدارة الدولة، وأن تستدعي قوى أجنبية لتقويض سيادتها.
وفي خريف عام 1956، كانت مصر على موعد مع واحدة من أعنف محطات تاريخها الحديث؛ فقد تعرضت لعدوان عسكري اشتركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، بعد قرار الرئيس جمال عبد الناصر تأميم الشركة العالمية لقناة السويس في 26 يوليو من العام نفسه.
ولم تكن الطائرات والأساطيل وحدها أدوات الهجوم؛ إذ صاحبت العمليات العسكرية حربٌ نفسية وإذاعية استهدفت إرادة المصريين، وثقتهم بقيادتهم، وقدرتهم على الصمود.
وفي خلفية هذا المشهد، تحركت شخصيات إخوانية في الخارج، ومن بين أبرز الأسماء التي تكشفها الوثائق والشهادات محمود أبو الفتح، صاحب الاتصالات البريطانية، والشريك في مشروع إذاعي شاركت فيه شخصيات إخوانية بارزة.
وهنا تفرض الوثائق سؤالها الأكثر خطورة: ماذا يحدث حين تتحول الخصومة مع الحاكم إلى تعاون سياسي وإعلامي مع أطراف تستدعي الضغط الأجنبي على الوطن، في الوقت الذي تستعد فيه قوى خارجية للعدوان عليه؟
ذلك هو الامتحان الذي تضعنا أمامه حرب 1956؛ امتحانٌ لا تُقاس فيه المواقف بما رُفع من شعارات، وإنما بما تكشفه المراسلات والشهادات، وما اتخذه أصحابها من قرارات حين أصبحت سيادة مصر نفسها على المحك.
الهضيبي.. حين اصطدم الولاء للتنظيم بواجب الدفاع عن الوطن
حين تعرضت مصر لعدوان عسكري غاشم من ثلاث دول، من بينها إسرائيل، وُضعت شعارات جماعة الإخوان المتأسلمين أمام امتحان بالغ القسوة، وكان حسن الهضيبي مرشدًا للتنظيم في تلك اللحظة التاريخية الفاصلة.
ففي ذروة الحرب، كشفت الخلافات داخل سجن الواحات عن انقسام بين من رأوا الدفاع عن الوطن واجبًا يتقدم على الخصومة مع جمال عبد الناصر، ومن رفضوا مساندة النظام الحاكم حتى في مواجهة العدوان الخارجي.
ولم يكن ذلك مجرد اختلاف عابر؛ فقد وثّق الباحث ماتياس جيوت، في دراسته المنشورة بدورية «Middle Eastern Studies» عام 2023، الانقسام الذي نشأ بين الإخوان المسجونين أثناء أزمة السويس عام 1956، بشأن تأييد عبد الناصر في حربه ضد إسرائيل والقوى الغربية.
وهنا تتهاوى شعارات الجماعة الإرهابية أمام الوقائع؛ فالجماعة التي طالما رفعت رايات التضحية والفداء، تكشف شهادات المنشقين عنها أن بعض أبنائها عوقبوا تنظيميًا لأنهم أرادوا التضحية دفاعًا عن مصر! فأي قيمة تبقى لشعارات الجهاد والوطنية إذا كان تطبيقها يتوقف عند حدود المصلحة التنظيمية؟ لقد وضعت تلك الواقعة خطاب الجماعة أمام امتحان لا تجدي فيه الخطب ولا الشعارات؛ إذ لا يُقاس صدق الانتماء بما تردده الألسنة، وإنما بما تتخذه القيادات من مواقف حين يكون الوطن تحت القصف، وتصبح السيادة الوطنية على المحك.
عبد الناصر يحكي عن الإخوان
لم يجد الرئيس عبد الناصر مكاناً أنسب من بورسعيد الباسلة، ولا توقيتاً أعظم من عيد النصر عام 1965، ليضع جماعة الإخوان أمام مقصلة الحقيقة التاريخية.
ففي خطابه الشهير، فضح عبد الناصر الانتهازية العقائدية للتنظيم، كاشفاً عن الموقف المخزي لمرشدهم العام الذي رفض نصرة الفدائيين في منطقة القناة؛ ليثبت للشعب المصري بالدليل القاطع أن شعارات "الجهاد" التي تتبجح بها الجماعة تسقط فوراً عندما يتعارض شرف الدفاع عن الوطن مع حساباتهم التنظيمية الضيقة ومصالحهم السرية.
وقال عبد الناصر، ناقلًا جواب المرشد: «أنتم هنا فى مصر قد تكون مصلحتكم انكم تحاربوا فى القناة، واحنا نرى ان المصلحة أن نحارب فى بلد آخر« .
وهنا تتجلى المفارقة الفاضحة بين زيف الشعارات وحقيقة المواقف؛ فبينما كان الفدائي المصري يرى في تحرير أرضه واجبًا لا يقبل المساومة، كان منطق التنظيم، كما نقله الرئيس عبد الناصر عن مرشدهم، يُخضع ميدان القتال لحسابات مصلحة الجماعة.
فأي جهادٍ هذا الذي تُحدَّد وجهته وفق مصالح القيادات الإخوانية، لا وفق مواضع الاحتلال؟ وأي وطنيةٍ تلك التي يصبح فيها الدفاع عن تراب مصر خيارًا تنظيميًا قابلًا للتأجيل أو الاستبدال؟ لقد وضع هذا التصريح شعارات الجماعة أمام تناقضٍ صارخ، وكشف جوهر الاتهام الذي وجهه إليها عبد الناصر: أن الوطن، في حسابات التنظيم، قد يصبح مجرد ساحة من ساحات نشاطه، بينما تظل مصلحة الجماعة هي المرجعية التي تعلو على ما عداها.
برقية من داخل السجن
حين عاقب التنظيم دعاة مقاومة العدوان
في 31 أكتوبر 1956، وبينما كانت مصر تتعرض للعدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، وجّه عدد من الإخوان المسجونين برقية إلى رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الداخلية، يطالبون فيها بالسماح لهم بالخروج إلى ميادين القتال لمواجهة القوات المعتدية، مؤكدين استعدادهم للعودة إلى السجون فور انتهاء المعركة.
وقد كشف حسين حمودة، في كتابه «أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون»، عن نص تلك البرقية التي أعلن أصحابها فيها أن «الوطن وطننا جميعًا ولنا حق الدفاع عنه»، مطالبين بالمشاركة الفورية في الخطوط الأمامية.
وهي شهادة أعاد تناولها الباحث عبده مصطفى دسوقي في سلسلة «ثقوب في جدران الإخوان المسلمين»، التي عرضت جوانب من الصراعات والانقسامات الداخلية للتنظيم.
غير أن المفارقة الأكثر خطورة لم تكن في خروج هذه البرقية من وراء أسوار السجن، وإنما فيما تكشفه شهادات المنشقين عن موقف القيادة التنظيمية من أصحابها؛ إذ تحوّل الاستعداد للدفاع عن مصر إلى سبب للصدام داخل الجماعة، ووصل الأمر، بحسب بيان المنشقين الصادر في 17 ديسمبر 1957، إلى فصل أعضاء بسبب موقفهم المؤيد لمقاومة العدوان.
وهكذا تبرز واحدة من أكثر المفارقات دلالة في تاريخ الجماعة: أعضاء يطلبون الخروج من السجن لمقاتلة المحتل، ثم يواجهون عقوبات تنظيمية بسبب موقفهم.
ولم يكن هؤلاء يطالبون بمناصب أو امتيازات، وإنما بحقهم في الدفاع عن أرض مصر؛ وهو ما يجعل قرارات الفصل المنسوبة إلى القيادات الإخوانية موضع إدانة تاريخية.
فأي معنى يبقى لشعارات الجهاد والتضحية حين يصبح طلب مواجهة المحتل سببًا للإقصاء التنظيمي؟ لقد كشفت هذه الواقعة، كما صورتها شهادات المنشقين، عن صراع لم يكن بين الإخوان وعبد الناصر فحسب، بل بين مقتضيات الولاء التنظيمي وواجب الدفاع عن مصر في ساعة العدوان، ولعل بعض مقاطع الفيديو المتداولة مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي تكشف عن تشابه لافت بين خطاب إعلاميي الإخوان المقيمين في الشتات اليوم، ومواقف أسلافهم إبان العدوان الثلاثي عام 1956؛ وكأن عقودًا من الزمن لم تُبدّل منطق الاستقواء بالخارج، وإنما غيّرت أدواته ومنابره.
الإخوان تطلب من إيدن غزو مصر
تكشف الوثائق التاريخية الدامغة التي أفرج عنها الأرشيف البريطاني ونشرها محمد حسنين هيكل في كتابه «سنوات الغليان» عن واحدة من أبشع خطايا التآمر والاستقواء بالخارج ضد الأمن القومي المصري.
حيث تضمنت الرسالة المرفوعة إلى رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن تحريضاً سافراً يدعو لغزو مصر عسكرياً عبر تحريك الأساطيل الحربية البريطانية والأمريكية لاستعراض القوة، مع شيطنة الدولة المصرية وطلب تمويل أجنبي مشبوه لإدارة آلة دعائية تخدم الغرب.
وإن كان اسم محمود أبو الفتح قد تصدر واجهة الرسالة تنظيماً، فإن التمعن في شبكة التحالفات السياسية اللاحقة يثبت التورط والمسؤولية السياسية الكاملة لجماعة الإخوان المتأسلمين؛ إذ انخرطت قيادات الجماعة في تحالفات وثيقة ومشروعات مشتركة مع صاحب الرسالة، مما يفضح حقيقة التنسيق تحت الطاولة، ويؤكد أن عقيدة الجماعة لم تجد غضاضة في مباركة العمالة، واستجداء بوارج المحتل البريطاني لضرب سيادة وطنهم تحقيقاً لمصالحهم التنظيمية الملتوية.
وقد عادت هذه الوثائق إلى الواجهة بعد نشر كتاب هيكل، حين نشأ نزاع قضائي بينه وبين أسرة أبو الفتح بشأن صحة ما نسبه إلى محمود أبو الفتح ودوره في محاولات إسقاط عبد الناصر.
وذكرت تغطيات صحفية أن هيكل قدم صورًا موثقة من المحفوظات البريطانية ضمن أوراق القضية.
»صوت مصر الحرة«
الإخوان يدخلون حرب الميكروفونات
تقدم مذكرات الصحفي اللبناني زهير عسيران، المنشورة بعنوان «زهير عسيران يتذكر.. المؤامرات والانقلابات في دنيا العرب»، شهادة تفصيلية عن إنشاء إذاعة معارضة لعبد الناصر في بيروت.
ويروي عسيران أن محمود أبو الفتح اجتمع مع منتسبين إلى جماعة الإخوان المتأسلمين، وأن الاجتماع انتهى إلى قرار إنشاء محطة إذاعية موجهة إلى مصر.
وبحسب شهادته، أقيمت المحطة في منزله، بمساعدة المهندس لويس رزق، وحملت اسم «صوت مصر الحرة« .
والأهم أن عسيران سمّى شخصيتين شاركتا في افتتاح بثها: مصطفى السباعي، مؤسس جماعة الإخوان المتأسلمين في سوريا، وكامل الشريف، أحد رموز الجماعة؛ إذ تحدثا عبر الإذاعة في هجوم حاد على نظام عبد الناصر.
هذه شهادة تتجاوز الحديث عن تقارب فكري بين أطراف المعارضة؛ فهي تصف اجتماعًا، ومشروعًا إعلاميًا، ومكانًا للبث، ومشاركين معروفين بأسمائهم.
وتتجلى خيوط المؤامرة الإعلامية والتخريبية التي نسجها التنظيم الدولي للجماعة الإرهابية من ملاذاته الآمنة في الغرب، فيما رواه عسيران حول التنسيق العضوي بين سماسرة الخارج والمدعو سعيد رمضان—صهر مدرس الخط حسن البنا ومبعوث التنظيم في سويسرا.
حيث تحولت جنيف إلى وكر لتهريب الدعم التقني واللوجستي وتجهيز محطات التحريض؛ بهدف تقوية بث الأبواق الموجهة لضرب استقرار مصر.
ولم تقف هذه الجماعة المارقة عند حد التآمر على وطنها، بل انتهكت سيادة الدول الشقيقة باستغلال الأراضي اللبنانية كمنصة بث مشبوهة، قبل أن تتصدى لها الأجهزة الأمنية في بيروت بيقظة، وتجري تحرياتها التي قادت إلى تتبع خلاياهم وإخماد صوت هذه المحطة التحريضية.
بريطانيا تشن حربًا نفسية ضد مصر
بينما كانت الطائرات البريطانية والفرنسية تقصف أهدافًا مصرية، كانت لندن تدير جبهة أخرى تستهدف معنويات المصريين.
ففي 30 أكتوبر 1956، استولت السلطات البريطانية على محطة «الشرق الأدنى» الإذاعية في قبرص، وحولتها إلى «صوت بريطانيا»، لتصبح أداة من أدوات الدعاية الموجهة إلى مصر خلال العدوان.
وتوثق دراسة تاريخية عن المحطة أن العميد برنارد فيرجسون كُلف بإدارة حملة الحرب النفسية، وأن الاستيلاء على المحطة أثار اعتراضات داخل طاقمها.
وفي 9 نوفمبر 1956، وصلت فضيحة البث إلى مجلس العموم البريطاني، حين عرض النائب أنتوني ويدجوود بن مقتطفات من برامج المحطة، وانتقد التناقض بين ما تقوله الحكومة البريطانية علنًا وما تبثه إذاعتها إلى المصريين.
وكشفت المناقشات أن الرسائل الموجهة إلى الجنود المصريين تضمنت تهديدات مرتبطة بالقصف، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة البريطانية تقدم عملياتها العسكرية للرأي العام باعتبارها محدودة الأهداف.
وتثبت الشواهد التاريخية الموثقة في أرشيف عام 1956 أن الحرب النفسية التي شُنت ضد مصر لم تكن مجرد مناورات بلاغية، بل كانت نشاطاً تخريبياً تقوده الاستخبارات البريطانية عبر ذراعها الإذاعية لزعزعة تماسك الجبهة الداخلية.
والمخزي هنا هو التقاطع العضوي والتزامن الفاضح بين هذه الآلة الاستعمارية وأبواق إذاعية معادية شاركت فيها قيادات من جماعة الإخوان؛ فبينما كانت الطائرات البريطانية تقصف المدنيين، كانت منابر الجماعة تنفث سمومها لإسقاط الدولة.
إن هذا التنسيق الفاضح في الأهداف والوسائل، والذي تلاقت فيه الدعاية التعبوية لجماعة الإخوان تماماً مع مخططات العدوان الأجنبي الساعي لتركيع الوطن عام 1956، لم يكن هفوة تاريخية عابرة، بل كان تمهيداً لشرعية وظيفية اكتملت فصولها مع استقرار التنظيم الدولي للجماعة الإرهابية لاحقاً في بريطانيا.
إن اتخاذ الجماعة من العاصمة البريطانية "لندن" مقراً مركزياً لإدارة شبكاتها ومنابرها، يكشف عن طبيعة "الصفقة التاريخية الممتدة"؛ حيث تحولت الرعاية السياسية والأمنية التي منحتها لندن لهؤلاء الهاربين إلى مكافأة مؤجلة على أدوارهم كطابور خامس طعن الجيش المصري في ظهره إبان معارك التحرير.
هذا التلازم البنيوي بين عقلية الاستقواء بالمحتل وصك العمالة الموثق في الأرشيف الغربي، يقدم إدانة تاريخية وقانونية قاطعة بتورط الجماعة في الخيانة الوطنية، ويثبت أن مصالح هذا التنظيم المارق كانت -ولم تزل- أداة طيعة في يد القوى الخارجية لتقويض الدولة المصرية وهدم مقدراتها.
لم يكن امتحان عام 1956 متعلقًا بالولاء لشخص الرئيس جمال عبد الناصر أو نظامه؛ بل كان اختباراً تاريخياً حاسماً لموقف الجماعة الإرهابية من سيادة مصر، ومن حق شعبها الأصيل في الدفاع عن أرضه وقراره المستقل.
فالأوطان، برغم رحابتها، قد تتسع لاختلاف أبنائها وتعدد آرائهم، لكنها لا يمكن أن تتسامح مع الاستقواء بالقوة الأجنبية والارتزاق على أعتاب العواصم الاستعمارية، أو التعامل مع الخيانة العظمى باعتبارها مجرد وجه آخر من وجوه المعارضة السياسية المشروعة.
ومن جماع كل هذه الحقائق والوثائق الدامغة، يستطيع المواطن المصري البسيط اليوم أن يفكك فلسفة عمل إعلام الإخوان الخائن الذي يبث سمومه من الخارج، وأن يدرك حقيقة أهدافه التدميرية التي لم تتبدل منذ عقود؛ ولعل الأيام القادمة، ومع تتابع الإفراج عن الوثائق في الأرشيفات الغربية، تتكشف عن خطابات ومؤامرات أكثر خيانة ودناءة من تلك الرسائل المخزية التي رفعتها الجماعة لرئيس الوزراء البريطاني "أنتوني إيدن" عام 1956 لتحرضه على ضرب مصر واستباحة دماء شعبها، ولعل خطابات جديدة أُرسلت بعد ثورة 30 يونيو المجيدة، وتاريخ الخيانة لا يُمحى أبدًا من الذاكرة.