إن الإسلام دين متكامل، لم يقتصر على تقديم علاقة الإنسان بربه من خلال الشعائر والعبادات، بل امتد ليهذب أخلاقه وينظم علاقته بالناس والحياة من حوله. فكما اعتنى بالأصول الكبرى والقضايا العظيمة، لم يغفل دقائق التصرفات وتفاصيل الحياة اليومية، وجعل للكلمة آدابًا، وللطريق حقوقًا، وللزيارة أصولًا، وللمجالس حرمة، وللتعامل مع الآخرين آدابًا تحفظ كرامتهم وتصون مشاعرهم.
ومن هنا تتجلى عظمة هذا الدين في أنه لا يفصل العبادة عن الأخلاق، ولا يجعل التدين حبيس الشعائر، بل يترجم الإيمان إلى سلوك يراه الناس في نظافة الإنسان، وحسن مظهره، وطيب حديثه، واحترامه للخصوصيات، وحرصه على ألا يؤذي أحدًا بقول أو فعل.
وفي هذا الإطار يأتي الذوق العام بوصفه مظهرًا من مظاهر اكتمال التربية الإسلامية، وصورة عملية لحسن الخلق.
الذوق العام ثمرة حسن الخلق وكمال الإيمان
الذوق العام هو انعكاس لما استقر في نفس الإنسان من قيم الإيمان ومكارم الأخلاق. فحسن الخلق الذي أثنى الله به على نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، هو المنهج الذي ينبغي أن يهتدي به المسلم في تعامله مع الناس، فيحفظ كرامتهم، ويراعي مشاعرهم، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به.
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق من علامات الخيرية، فقال: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا». وحسن الخلق هو احتياز الفضائل واجتناب الرذائل. ومن هنا، فإن الوعي بالذوق العام يبدأ من تربية النفس على الأدب والتواضع والرحمة، حتى يصبح السلوك المهذب طبيعة راسخة لا تكلفًا عابرًا، ويغدو احترام الآخرين تعبيرًا صادقًا عن إيمان صاحبه ونبل معدنه.
تهذيب الكلام واحترام مشاعر الآخرين
الكلمة مرآة النفس، وبها يكشف الإنسان عن رقي فكره ونقاء قلبه. فقد وجه القرآن الكريم إلى القول الحسن في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
وكما وجه القرآن الكريم إلى ذلك، وجه الهدي النبوي إلى الكلمة الطيبة والقول الحسن. فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والكلمة الطيبة صدقة».
وجعل الشارع الحكيم السخرية والتنابز بالألقاب مما يتنافى مع أخلاق المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾. وقال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
وقال الفضيل بن عياض: «إن جُهل عليه حَلُم، وإن أُسيء إليه أحسن، وإن حُرم أعطى، وإن قُطع وصل». وكلها خصال تشير إلى ضبط النفس، وصون كرامة الإنسان، ومراقبة الله تعالى، وهي لا محالة ثمرة أخلاق راسخة.
وعرّف النبي صلى الله عليه وسلم المسلم بقوله: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم». ومن أذى اللسان: الشتم، واللعن، والغيبة، والبهتان، والنميمة، والسعي إلى السلطان، وغير ذلك. ومن أذى اليد: الضرب، والقتل، والهدم، والدفع، والكتابة بالباطل، ونحوها. وخُصّا بالذكر لأن أكثر الأذى يكون بهما، أو أريد بهما التمثيل، فهي دعوة إلى الاستقامة وطلب السلامة.
وفي إخباره صلى الله عليه وسلم عن أمارات المؤمن الحق، يقول: «ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء».
وحسن الكلام، كما يشمل اجتناب الألفاظ الفاحشة، يشمل كذلك اختيار العبارة اللائقة، ومراعاة المقام، والرفق عند النصيحة.