عاجل

في البداية هناك مبدأ ثابت قبل أي تحليل  .. إن الشعب المصري وجيشه وقيادته السياسية لم يكونوا يوماً في صفوف المعتدين، ولم يرفعوا سلاحاً إلا دفاعاً عن الأرض والعرض والمقدرات المشروعة وكذلك المملكة العربية السعودية، شعباً وقيادة وحكومة، لا ترغب في إراقة قطرة دم عربي واحدة، ولا تسعى لحرب ولا لعدوان، إلا إذا كان ذلك حمايةً لسيادتها ومقدساتها وأمن شعبها ومستقبل موارده المشروعة.

ومن هذا المبدأ نفهم الموقف الأخير .. مع إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر للدفاع عن المملكة العربية السعودية إذا طلبت ذلك، عادت نفس الأسطوانة المشروخة على مواقع التواصل: "دي مش معركتنا.. روحوا حاربوا إثيوبيا الأول".

منطق يبدو وطنياً في ظاهره، لكنه في جوهره خلط خطير بين جغرافيتين، وبين حربين مختلفتين تماماً في القانون والاستراتيجية والاقتصاد.

أولاً: معركة الرياض هي معركة القاهرة.. بالأرقام لا بالشعارات

من يقول إنها ليست معركتنا ينسى حقيقة استراتيجية: الحوثي لم يعد جماعة متمردة في مدينة صعدة اليمنية ، بل تحول بفعل الدعم الخارجي إلى قوة بحرية تهدد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي وهو مضيق باب المندب.

والأرقام لا تكذب .. حيث 12% من حجم التجارة العالمية تمر عبر باب المندب وقناة السويس، ونحو 30% من تجارة الحاويات العالمية وأي تهديد للمضيق يعني نزيفاً مباشراً لقناة السويس.

وتشير بيانات هيئة القناة والمنظمات البحرية إلى أن خسائر القناة قدرت بنحو 800 مليون دولار شهرياً منذ يناير 2024 بسبب انخفاض حركة المرور وتحويل مسار السفن إلى رأس الرجاء الصالح .
منا أن أي هجوم على منشآت أرامكو يعني ارتفاعاً فورياً ومباشراً لأسعار النفط العالمية، وتضخماً مستورداً يدفعه المواطن المصري البسيط في رغيف الخبز وأنبوبة البوتاجاز وتذكرة المترو.

زالبعد الإنساني و الأهم حيث تشير التقديرات الرسمية إلى وجود نحو 4 ملايين مصري يعملون في المملكة، وتحويلاتهم وحدها قفزت إلى نحو 12 مليار دولار في العام المالي 2024/2025، وهي صمام أمان للاقتصاد المصري والاحتياطي النقدي.

وباختصار شديد.. فان منع السفن السعودية في باب المندب هو منع غير مباشر للسفن المصرية، وضرب مباشر لقناة السويس، وتهديد مباشر لأرزاق 4 ملايين أسرة مصرية .. فهل هذه ليست معركتنا؟

ثانياً: لماذا لا نحارب إثيوبيا؟.. وهنا يجب ان نعرف الفرق بين حرب المضيق المشروعة وحرب السد الإثيوبي .. فالخلط الأكبر يكمن في مقارنة الدفاع عن السعودية مع ضرب سد النهضة الإثيوبي وهي مقارنة بين تفاحة وقنبلة، بين دفاع مشروع واعتداء مرفوض دوليا.


فحرب السعودية هي دفاع مشروع بطلب رسمي وتستند إلى ثلاث ركائز قانونية متكاملة لا لبس فيها:

المادة 152 من الدستور المصري: التي تشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب قبل إرسال القوات المسلحة خارج الحدود، وهو ما التزم به الرئيس حرفياً بدعوته لجلسة طارئة.

ومعاهدة الدفاع العربي المشترك الموقعة عام 1950: التي تنص مادتها الثانية صراحة على أن "تعتبر الدول المتعاقدة أن أي اعتداء مسلح يقع على أي دولة أو أكثر منها أو على قواتها، يعتبر اعتداء عليها جميعاً، وتلتزم بمعاونتها باستخدام القوة المسلحة".

المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: التي تقر الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن النفس فردياً أو جماعياً إذا وقع اعتداء مسلح.

كمل أن طبيعة المهمة دفاعية بناء على طلب الدولة السعودية صاحبة السيادة وداخل أراضيها، ضد ميليشيا مسلحة غير حكومية وغير معترف بها وتهدد الملاحة الدولية.


أما حرب إثيوبيا .. فهي حرب بين دولتين ذات سيادة وسد النهضة، رغم خلافنا المشروع والعادل معه، مقام على أرض دولة إثيوبيا ذات السيادة وعضو في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و القانون الدولي للأنهار يصنف نزاعات المياه كنزاعات تنموية، لا تهديداً للسلم والأمن الدولي، ولذلك يصعب الحصول على تفويض باستخدام القوة من مجلس الأمن، خاصة أن روسيا والصين دولتا منابع ترفضان إنشاء سابقة قد تنقلب عليهما.

كما ان ضرب السد يعني إعلان حرب شاملة بين دولتين، بتكلفة عسكرية واقتصادية باهظة، وعقوبات دولية مؤكدة، وتحويل مصر في نظر العالم من ضحية تدافع عن حقها التاريخي إلى دولة معتدية.

لهذا اختارت الدولة المصرية المسار الدبلوماسي والقانوني الرشيد، كما قال رئيس الوزراء أمام الأمم المتحدة: "المياه يجب أن تكون أداة للتكامل لا مدخلاً للصراع.. ومصر لا تعارض التنمية لكنها ترفض الإجراءات الأحادية".

ومصر لم تصمت، بل بنت شبكة تحالفات استراتيجية في حوض النيل، ووقعت اتفاقيات تعاون عسكري مع السودان وإريتريا والصومال وكينيا، مع احتفاظها الكامل بحقها القانوني في الدفاع عن وجودها.

ثالثاً: من المستفيد من فصل مصر عن الخليج؟

والسؤال الأخطر الذي يجب أن نطرحه بوعي هو لمصلحة من يبقى باب المندب تحت سيطرة ميليشيا مسلحة؟ ولمصلحة من يتم فصل الأمن المصري عن الأمن الخليجي؟

كل التحليلات الاستراتيجية الموثوقة تحذر من أن ترك الخليج يواجه تهديداته وحده قد يفتح الباب واسعاً لدخول إسرائيل تحت عنوان "حماية الملاحة الدولية" إلى ترتيبات أمن الخليج والبحر الأحمر، وهو ما يمثل تهديداً وجودياً للأمن القومي العربي كله.

إن موقف مصر الأخير ليس مجرد تضامن عاطفي أو شعارات جوفاء .. هو رسالة استراتيجية واضحة أن لدى العرب القدرة والإرادة على حماية أمنهم القومي بأنفسهم، دون انتظار وصاية من أحد، وأن مصر والسعودية، قيادة وشعباً، لا تريدان الحرب، لكنهما إذا فرضت عليهما دفاعاً عن مقدرات شعبيهما وأمنهما ومستقبل مواردهما المشروعة، فسيقفان صفاً واحداً، كما كانا دائماً.. درعاً للأمة لا سيفاً عليها.

تم نسخ الرابط