لم تعد المشكلة في عالمنا المعاصر هي أنَّنا لا نعرف، بل أصبحت أنَّنا نعرف الكثير لكنَّنا لا نفهم إلا القليل، فمبجرد أن تفتح هاتفك في باكر كل يومٍ تنهال عليك المعارف بعناوينها البراقة وكلماتها الرنَّانة التي غالبًا ما يقف كلٌّ مِنَّا عليها دون أن يكمل ما أتى بعدها، فقد بُنيت سياسات واستراتيجيات وسائل التواصل الاجتماعي على أن تهرول بعينيك دون أن يعي عقلك ويفهم كواليس ما يتعرض له.
إنَّها «سياسة التَّجهيل»، التي لطالما حذَّرنا منها مرارًا وتكرارًا، فهي تصيب العقل والإدراك بالجمود، بل وتغير كلَّ نُظم التَّفكير لدى متابعيها، فبعدما اعتاد كلٌّ منَّا في أن يفكر قبل أن يقرأ، وأن يُفنِّد كل ما يقرأ، أصبح أسير سيلٍ من العناوين لا يستطيع أن يقف عند واحدٍ منها، لأنَّ ما بعدها جاء برَّاقًا يخطف الأنظار ولا يترك لها فرصة في أن تخاطب العقل والقلب ليقف أمام تكوينها ومفرداتها ومعانيها.
إنها صِناعةٌ مُحكمةٌ، أخذت على عاتقها أن تكون حاكمة وليست محكومة، مُوجِّهةً دون مقاومةٍ، بل إن القائمين على هذه الصناعة وما حققوه من طائل الأموال، أدركوا قيمة "سِلعة الانتباه"، فاستثمروا فيها، بل وأبدعوا في حسن توظيفها، وهنا لم يكن الإنسان وفكره وعقله في دائرة اهتمامهم، بل هو صيدٌ سمينٌ يدعم سياساتهم وتجاراتهم.
القارئ الكريم! منحك الله عقلًا تُفكِّر به، بل وميَّزك بهذا العقل عن غيرك من المخلوقات، فكان مصدر تكريمك، فأخبرني هل قررت أن تهين نفسك قبل عقلك؟ أم أنَّك تعرف ما آل إليه حالك ولا تُبالي فتصبح من المُهمِلين؟ أم أنك رضيت أن تكون فريسة سهلة لكل من أراد أن ينال منك؟!
قِف مع حالك لحظة! ثم تدبَّر في كل ما يُعرض لك، واسأل من القائل أو الكاتب؟ وما المنطق الذي يروي بيه ما يقول أو يكتب؟ وما دليل قوله؟ وما الرسالة الكامنة فيما يقول؟ أجب عن هذه الأسئلة وامنح عقلك هُدنة لتعيد إليه رونقه وقيمته، فتكون من المكرمين.