عاجل

الدكتور محمد راشد يطرح مقترحًا لإنشاء منظومة للتحوط العقاري في مصر لاحتواء مخاطر التعثر وحماية استدامة المشروعات العقارية

الدكتور محمد راشد
الدكتور محمد راشد

طرح الدكتور محمد راشد، خبير التطوير العقاري وعضو أمانة الإسكان والتنمية العمرانية المركزية بحزب الجبهة الوطنية، مقترحًا لدراسة إنشاء منظومة متكاملة للتحوط وإدارة مخاطر التطوير العقاري في مصر، تقوم على توظيف أدوات مالية واستثمارية متخصصة لاحتواء مخاطر التعثر، ومواجهة تقلبات الطلب والتكلفة والتمويل، وتعزيز قدرة المشروعات العقارية على الاستمرار في مواجهة الصدمات الاقتصادية والتشغيلية والبيئية، بما يمثل مسارًا مكملًا لجهود تنظيم السوق ورفع كفاءة إدارته.

وأوضح راشد أن الفكرة تقوم على تطوير مفهوم التحوط من صورته التقليدية المرتبطة بالأسواق المالية إلى نموذج يتناسب مع الطبيعة الاقتصادية لصناعة التطوير العقاري، التي تتسم بطول دورة الاستثمار، وتداخل التدفقات النقدية مع الالتزامات التنفيذية، وارتباط استمرارية المشروعات بقدرة المطور على إدارة السيولة وتوقع المخاطر والاستجابة للتغيرات التي قد تطرأ على السوق خلال مراحل التنفيذ. وأشار إلى أن التحدي لا يتمثل دائمًا في غياب الجدوى الاقتصادية للمشروع، وإنما قد ينشأ في بعض الحالات من فجوة مؤقتة بين التدفقات النقدية المتاحة والالتزامات المستحقة، أو من ارتفاع غير متوقع في تكاليف التنفيذ، أو تراجع معدلات التحصيل، أو اضطراب مصادر التمويل، وهي عوامل قد تتحول، إذا لم تُدار مبكرًا، إلى تعثر يمتد أثره إلى العملاء والمقاولين والممولين وبقية الأطراف المرتبطة بالمشروع.

وأكد أن المقترح يستهدف دراسة بناء ثلاثة مسارات مالية متكاملة، يتمثل أولها في صناديق أو أوعية استثمارية متخصصة تستطيع توسيع قاعدة التمويل طويل الأجل وتنويع الاستثمار في الأصول العقارية والمشروعات ذات الجدوى الاقتصادية، بينما يركز المسار الثاني على إنشاء آلية لاحتياطي المخاطر وتقاسم الخسائر، يمكن أن تسهم في مواجهة بعض حالات نقص السيولة المؤقت أو مخاطر الائتمان المحددة وفق ضوابط مسبقة، في حين يتجه المسار الثالث إلى دراسة تأسيس صندوق أو منصة متخصصة لإعادة هيكلة المشروعات المتعثرة القابلة للاستمرار، من خلال توفير تمويل استكمال مشروط، أو إدخال مستثمرين جدد، أو إعادة هيكلة المديونية، أو إعادة تنظيم الملكية والتشغيل وفقًا لطبيعة كل حالة.

وأضاف راشد أن القيمة الحقيقية لهذا التصور لا تكمن في ضخ الأموال لإنقاذ الشركات المتعثرة بصورة تلقائية، وإنما في التمييز بين المشروع الذي يمتلك مقومات الاستمرار لكنه يواجه أزمة سيولة، والمشروع الذي يحتاج إلى إعادة هيكلة استثمارية، والمشروع الذي فقد جدواه الاقتصادية وأصبح ضخ تمويل إضافي فيه غير مبرر. وأوضح أن الفصل بين الجدوى الاقتصادية للمشروع والملاءة المالية للشركة يمثل أحد أهم مرتكزات المنظومة المقترحة؛ فقد تتعرض شركة لصعوبات مالية بينما يظل أحد مشروعاتها قابلًا للاستكمال من خلال شريك جديد أو هيكل تمويلي أكثر كفاءة، كما قد تستمر شركة في العمل رغم وجود مشروع لا يبرر وضعه المالي ضخ استثمارات إضافية فيه.

وأشار إلى أن نجاح المنظومة يتطلب ربط أدوات التمويل بنظام للإنذار المبكر يرصد مجموعة من المؤشرات، من بينها الفجوة بين التحصيل الفعلي والمخطط، وتطور تكلفة الاستكمال، ومعدلات الإنجاز، والالتزامات قصيرة الأجل، وانتظام مستحقات المقاولين والموردين، ودرجة الاعتماد على مصدر واحد للتمويل أو الإيرادات. ومن شأن هذا النظام، إذا بُني على بيانات دقيقة وآليات حوكمة مستقلة، أن يساعد على اكتشاف مؤشرات الخطر قبل وصول المشروع إلى مرحلة التوقف، وأن يتيح اختيار التدخل المناسب في الوقت المناسب، بدلًا من انتظار تفاقم الأزمة وارتفاع تكلفة معالجتها.

ولفت راشد إلى أن تطبيق مفهوم التحوط العقاري لا ينبغي أن يقتصر على المخاطر المالية، بل يجب أن يمتد إلى منظومة أوسع تشمل التأمين الهندسي والبيئي، وإدارة مخاطر ارتفاع أسعار المدخلات، وتطوير أدوات التمويل طويل الأجل، وتعزيز الرقابة على التدفقات النقدية، وتقييم الأصول والمشروعات بصورة مستقلة. وشدد على أن بعض المخاطر، مثل الاحتيال وسوء الإدارة وضعف الطلب، لا يمكن معالجتها بمجرد إنشاء صندوق مالي، وإنما تتطلب أدوات وقائية ورقابية وتشغيلية متكاملة، بما يضمن عدم تحول التمويل الإضافي إلى وسيلة لتأجيل الاعتراف بالخسائر الحقيقية أو تحميل أطراف أخرى نتائج قرارات استثمارية غير منضبطة.

وفيما يتعلق بآليات التنفيذ، اقترح البدء بدراسة تشخيصية للسوق المصري لتحديد المخاطر الأكثر تأثيرًا، وحجم الفجوات التمويلية، والأدوات القانونية والمالية المتاحة، ثم تصميم نموذج تجريبي محدود النطاق بمشاركة مؤسسات التمويل والمطورين وشركات التأمين والمستثمرين المؤسسيين، وفق قواعد واضحة للأهلية والحوكمة وتقاسم الخسائر. وأكد أهمية إخضاع التجربة لتقييم مستقل يقيس قدرتها على دعم استكمال المشروعات القابلة للاستمرار، وتقليل الخسائر، وجذب التمويل الخاص، وحماية حقوق العملاء، قبل التوسع في تطبيقها، مع ضرورة تحديد الأطر القانونية والرقابية المناسبة لكل أداة، وعدم افتراض وجود ضمان حكومي مفتوح للخسائر.

وشدد راشد على أن تطوير صناعة التطوير العقاري يتطلب الانتقال من النظر إلى المخاطر باعتبارها مسؤولية منفردة لكل شركة إلى التعامل معها باعتبارها عنصرًا مؤثرًا في استقرار الصناعة بأكملها، مع الحفاظ على مسؤولية كل مطور عن قراراته الاستثمارية والتزاماته التعاقدية. وأوضح أن بناء منظومة مؤسسية للتحوط لا يعني حماية المطور من الخسارة أو إلغاء قواعد السوق، وإنما توفير أدوات أكثر كفاءة لتقليل انتقال آثار التعثر، وتوجيه التمويل نحو المشروعات القابلة للاستمرار، وتعزيز قدرة السوق على التعامل مع المتغيرات الاقتصادية دون الإضرار بحقوق العملاء أو تحميل المال العام أعباء غير محسوبة.

واختتم راشد بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتيح فرصة لإعادة التفكير في البنية المالية لصناعة التطوير العقاري، بحيث لا يقتصر تطوير السوق على تنظيم العلاقة بين أطرافه، بل يمتد إلى بناء آليات قادرة على استيعاب الصدمات وتوزيع المخاطر وتمويل الاستمرارية الاقتصادية للمشروعات. وأوضح أن السوق العقاري الأكثر نضجًا ليس هو السوق الذي يخلو من التعثر، وإنما السوق الذي يمتلك القدرة على اكتشاف المخاطر مبكرًا، والتمييز بين التعثر القابل للمعالجة والفشل الهيكلي، والتدخل وفق معايير اقتصادية واضحة؛ مؤكدًا أن الهدف الحقيقي من التحوط العقاري هو حماية قيمة المشروع القابل للاستمرار، وصون حقوق العملاء، وتقليل التكلفة الاقتصادية للتعثر، وتحويل إدارة المخاطر إلى ركيزة أساسية لاستدامة صناعة التطوير العقاري في مصر.

تم نسخ الرابط