بعد 20 عامًا.. القضاء الإيطالي يحكم بتعويضات 60 مليون يورو لضحايا «السلام 98»
قضت محكمة جنوة المدنية في إيطاليا بإلزام شركة «رينا» للسجل البحري الإيطالي بدفع تعويضات تبلغ نحو 60 مليون يورو لأسر ضحايا العبارة «السلام بوكاتشيو 98»، التي غرقت في البحر الأحمر في فبراير 2006، وأسفرت الكارثة عن وفاة 1097 شخصًا.
وصدر الحكم الابتدائي في 17 سبتمبر 2026، برئاسة القاضي دانييلي بيانكي، في ختام مرحلة أولى من دعوى مدنية رفعها نحو 700 من ذوي الضحايا والناجين، طالبوا في البداية بتعويضات إجمالية
بلغت 300 مليون يورو.
وتناولت الدعوى مسؤولية الشركة عن أعمال تصنيف السفينة واعتماد سلامتها، كما بحثت تفاوت التعويضات التي حصل عليها الرجال والنساء في مصر، رغم تماثل صلة القرابة بالضحايا.
خصائص فنية لم يكن طاقم العبارة على علم بها
استندت المحكمة إلى أن شركة «رينا» كانت على علم بخصائص إنشائية في العبارة، كان ينبغي توضيحها لطاقمها، ومن بينها انتهاء فتحات التهوية الخاصة بحجرات الاتزان داخل مرآب السفينة، بدلًا من امتدادها إلى خارج الهيكل.
وبرزت أهمية هذه الخاصية خلال حالة الطوارئ؛ إذ أمر القبطان بملء حجرات الاتزان في الجانب الأيسر لمواجهة ميل السفينة، وهي مناورة أسهمت في انقلاب العبارة.

ورأى القاضي أن قرار القبطان تأثر بعدم معرفته بالتفاصيل الإنشائية للسفينة، مشيرًا إلى أن الوثائق الفنية وأدلة الطوارئ المعتمدة ضمن إجراءات التصنيف كانت مكتوبة باللغة الإيطالية فقط، في حين لم يكن القبطان والضباط المصريون يتحدثونها، مما حد من قدرتهم على فهم معلومات أساسية للتعامل مع الأزمة.
ووصف القاضي أوجه القصور في حيثيات الحكم بأنها «إهمال مستمر وواسع النطاق» في الالتزامات المتعلقة بالسلامة، معتبرًا أن سلسلة من أوجه التقصير أسهمت في وقوع الكارثة أو تفاقم تداعياتها.
تعويضات النساء.. حكم بمعالجة التفاوت في المبالغ
تطرقت المحكمة إلى اتفاقات التعويض التي أُبرمت في مصر مع بعض أسر الضحايا، بعدما تبين أن نساء حصلن في حالات عدة على نصف المبالغ التي تقاضاها رجال تربطهم بالضحايا درجة القرابة نفسها.
وكان هذا التفاوت ناتجًا عن تطبيق معايير لتوزيع التعويضات استندت إلى قواعد الميراث في الشريعة الإسلامية.
لكن القاضي بيانكي اعتبر أن هذه الفروق تتعارض مع المبادئ الأساسية للنظام القانوني الإيطالي، وقضى ببطلان جزئي للبنود التمييزية في اتفاقات التعويض.
وبموجب الحكم، تقرر منح النساء المعنيات مبالغ تكميلية تعادل الفارق بين التعويضات التي حصلن عليها والمبالغ الممنوحة للرجال في الظروف نفسها.
كما فرقت المحكمة بين المدعين الذين سبق أن حصلوا على تعويضات بموجب اتفاقات اعتبرت صحيحة، وآخرين لم يتلقوا أي مبالغ، وقضت بتعويض الفئة الأخيرة عن الأضرار الناجمة عن فقدان أقاربهم.
غرق العبارة عام 2006.. ومسار قضائي استمر سنوات
بنيت العبارة «السلام بوكاتشيو 98» عام 1968، وعملت سابقًا لدى شركة الملاحة الإيطالية «تيرينيا»، قبل انتقال ملكيتها عام 1999 إلى شركة «السلام للشحن والتجارة» المصرية.
وفي ليلة 3 فبراير 2006، اندلع حريق على متن العبارة أثناء عبورها البحر الأحمر، لتتوالى الأحداث التي انتهت بغرقها ومصرع 1097 شخصًا.
وعقب الكارثة، فتحت تحقيقات وإجراءات جنائية في مصر، وصدر عام 2009 حكم غيابي بسجن مالك العبارة ممدوح إسماعيل سبع سنوات، قبل إعلان انقضاء العقوبة لاحقًا بمرور المدة القانونية.
وفي إيطاليا، واجهت الدعوى المدنية عقبات قانونية تتعلق باختصاص المحاكم بالنظر في القضية؛ إذ دفعت شركة «رينا» بأن الاختصاص يعود إلى بنما، باعتبارها دولة العلم التي كانت السفينة ترفع علمها.
ووصل النزاع بشأن الاختصاص إلى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي ومحكمة النقض الإيطالية بهيئتها الموسعة، قبل أن يُسمح باستكمال نظر الدعوى أمام القضاء الإيطالي.
كما استعانت المحكمة بتقرير خبرة فنية من 687 صفحة أعده 3 خبراء لتقييم المسؤوليات المرتبطة بالحادث.
«رينا» تعترض على الحكم وتتمسك بنتائج التحقيقات السابقة
في المقابل، أعربت شركة «رينا» عن رفضها للحكم، مؤكدة أنها تختلف معه بشدة، ومستندة إلى نتائج تحقيقات فنية وإجراءات قضائية سابقة تناولت أسباب غرق العبارة.
وقالت الشركة في بيان إن تحقيقين فنيين، أحدهما أجرته دولة العلم التي كانت السفينة ترفع علمها، إلى جانب عدد من الإجراءات الجنائية والإدارية، خلصت إلى أن أسباب الكارثة ترتبط بتصرفات مالك السفينة والقبطان، دون تحميل جهة التصنيف مسؤولية الحادث.
وأضافت أن هذه التحقيقات انتهت قبل أكثر من 10 سنوات، مشيرة إلى أنها تحتفظ بحق تقديم ملاحظات إضافية بشأن الحكم في مرحلة لاحقة.



