في العام الثالث والثلاثين من حكم تحتمس الثالث، أحد أعظم ملوك الدولة الحديثة وأشدّهم بأسًا، شدّ الجيش المصري رحاله نحو الشرق، حيث يجري الفرات عند تخوم مملكة ميتاني. كان ذلك فصلًا من صراع طويل على النفوذ في الشرق الأدنى القديم، وكان النهر العظيم يقف هناك حاجزًا بين قوتين متنافستين، ويضع أمام القادم إليه أسئلة النقل والإمداد والعبورغير أن الملك لم ينتظر النهر ليفاجئه، فقد بدأت المعركة قبل أن يلوح الفرات في الأفق. على سواحل جبيل في لبنان، حيث يرتفع الأرز شامخًا، صنع المصريون قواربهم من أخشابه، ثم فكّكوها وحملوها على عربات تجرّها الثيران، وساروا بها عبر المسافات الطويلة حتى بلغوا ضفة الفرات المقصودة، فأعادوا تركيبها هناك. كانت الفكرة بسيطة في جوهرها عميقة في حكمتها: أن يحمل الجيش معه جسره إلى النهر، فلا يرتهن للعثور على قارب في أرض غريبة. وما كان لذلك أن يتم لولا انسجام دقيق بين الصنّاع والناقلين والمقاتلين.
ومن يتأمل المخاطرَ يرَها تتشابك كخيوط نسيج واحد: طريق يمتد بلا نهاية، وإمداد يبتعد كلما تقدّم الجند، ثم نهر عظيم لا بد من عبوره في أرض قد يتربص فيها العدو. فالعبور هنا يكمن في اختيار موضع مناسب، وتنظيم لحركة الجنود والقوارب، وقراءة لطبائع المياه وتياراتها، وحرص على أن تبلغ القوات الضفة الأخرى وفي مقدورها أن تواصل الطريق. وكان الجند المحتشدون عند الشاطئ أهدافًا سهلة إن علم الخصم بالموعد أو اهتدى إلى المكان. ولم يكن النجاح ليتحقق إلا بقائد عظيم يحسن إدارة هذه العناصر كلها في وقت واحد.
وأطرف ما في الرواية المصرية عن بلوغ الفرات أنها تصف النهر بأنه يجري معكوسًا. ولا يُفهم هذا الوصف إلا إذا استحضرنا نيل مصر، ذلك النهر الذي ينحدر من الجنوب إلى الشمال ليصبّ في البحر المتوسط. أما الفرات فيمضي نحو الجنوب والجنوب الشرقي، فبدا في أعين المصريين كأن الدنيا انقلبت، وكأن الماء عصى ما ألفوه من نواميس.
وفي هذه الملاحظة العابرة ما يعين على إدراك مشقّة المهمة؛ فالعبور يستلزم معرفة بالمجرى والتيار والضفاف والمواضع الصالحة. ولعل هذا ما يمنح حملة تحتمس الثالث بُعدًا يتجاوز سِيَر المعارك، إذ وقف الجيش أمام بيئة غريبة عنه واحتاج إلى حلول تليق بها، وفي ذلك كله إظهار لقدرة الملك على أن يقود جيشه إلى أقاصي الأرض ويبلغ به غايته.
ثم تمضي القرون، أكثر من ثلاثة آلاف عام، ويقف جيش مصر مرة أخرى أمام الماء. كان ذلك في السادس من أكتوبر عام 1973، حين بدأ العبور في حرب هدفت إلى استرداد الأرض المحتلة وتغيير الواقع العسكري الذي خلّفته هزيمة يونيو 1967. كانت القناة حاجزًا مائيًا، وكان على ضفتها الشرقية ساتر ترابي شاهق ضمن تحصينات خط بارليف. وتطلّب الأمر حلولًا هندسية تمكّن القوات من اجتياز القناة، ثم تفتح الطرق أمام المعدات والأسلحة الثقيلة إلى الضفة الأخرى.
وهنا أيضًا كان للماء كلمته، فمن أبرز ما ابتُكر في تلك الملحمة مضخات قوية دُفع بمياهها نحو الساتر الترابي، فأزاحت الرمال وفتحت ثغرات تمرّ منها القوات. وبعد فتح الممرات، أُقيمت المعابر والجسور وسُيّرت المعديات لتحمل الرجال والسلاح والمركبات. وكان توقيت إنجاز هذه المهام — خلال ساعات معدودة — عاملًا حاسمًا في تثبيت الأقدام شرق القناة قبل أن يستفيق العدو.
وقد وثّق جورج و. جاوريش في دراسته العسكرية عن المهندسين المصريين كيف أن نجاح العبور لم يكن ثمرة شجاعة الجنود وحدهم، بل جاء نتيجة تخطيط محكم وتدريب مكثف وتجهيز مسبق، وتوزيع دقيق للمهام. وهنا تتجلى أهمية القيادة التي تُحسن قراءة الأرض والماء معًا.
وتنطق التجربتان بأن الوسائل قد اختلفت والتقنيات تباينت والغايات التاريخية تباعدت، بيد أن حقيقة واحدة بقيت ثابتة: أن يُدرس العائق أولًا، ويُجهَّز الحل قبل ساعة الصفر. فبين قوارب الأرز التي حُمّلت على ظهور الثيران من جبيل إلى الفرات، ومضخات المياه التي أزاحت رمال بارليف، يطلّ الماء تحديًا جغرافيًا يُلزم الجيوش بإعادة تنظيم أدواتها، كما قد يصير التعامل معه كلمةَ الفصل في نجاح الخطة.
ومن هذه الزاوية، يفتح تاريخ العبور العسكري المصري بابًا لدراسة العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا والهندسة والقيادة. فالهدف العسكري لا يبلغه إلا من أحسن قراءة الأرض والماء، وحوّل الاستعداد والتنظيم إلى قدرة حقيقية على الحركة والعبور.