
كان ذلك في خريف عام ١٩٩٥ حين خطوت أولى خطواتي الحقيقية أمام الكاميرا في فيلم «اضحك الصورة تطلع حلوة» للمخرج الكبير شريف عرفة عن قصة وسيناريو وحوار الكاتب الكبير وحيد حامد.
لم يكن الدور بالنسبة لي مجرد فرصة عابرة فقد جاء محمّلًا بشيء من الامتنان ورد الجميل ؛ كنت قد قدمت تدريبًا في ورشة السيناريو بالمعهد العالي للسينما ويبدو أن الأستاذ وحيد حامد أعجب بما قدمته فأراد أن يكافئني بمنحي دورًا في الفيلم وهكذا وجدت نفسي أمام أول «أوردر تصوير» في حياتي .
كان التصوير في استديو جلال العريق بحدائق القبة وكانت أجواء الخريف يومها بديعة لكن ما جعل التجربة أكثر رهبة أن مشاهدي كانت أمام العملاق الراحل أحمد زكي .. ذهبت إلى الاستديو بسيارتي، واصطحبت معي الكاتب الصحفي والناقد والصديق محمود موسى الذي كنت قد تعرفت إليه من خلال الأستاذ وحيد حامد وما إن وصلنا إلى بوابة استديو جلال حتى استقبلني مروان حامد زميل دفعتي في معهد السينما ( ولكن بقسم اخراج ) والذي كان وقتها يعمل مساعد مخرج تحت التمرين بالفيلم ؛ وبمجرد أن رأى مروان محمود موسى إلى جواري ظن، في دعابة لطيفة، أنه يعمل معي «لبيس» !! وعلى الفور اتصل بوالده وحيد حامد ليخبره ضاحكًا أن تامر حضر إلى الاستديو ومعه «لبيس» على طريقة كبار النجوم !!
مثلت ثلاثة أيام متتالية أمام أحمد زكي وخلال تلك الأيام لم يعد الرجل بالنسبة لي مجرد «العملاق» الذي أقف أمامه للمرة الأولى وإنما صار صديقًا ؛ فقد اكتشفت فيه الإنسان قبل النجم فهو رجلًا متواضعًا عطوفًا وصريحًا وشديد الكرم وكان قربه يبدد شيئًا من رهبة الوقوف أمامه.
انتهت أيام التصوير لكنني لم أترك الدور خلفي فقد علقت عليه آمالي كلها وانتظرت عرض الفيلم بفارغ الصبر متخيلًا أنني على موعد مع الشهرة والمجد وأن دور «محمود صبي الاستديو» سيكون بوابتي إلى عالم النجومية !!
ومر عام كامل.
اقترب موعد نزول الفيلم وكنت وقتها في منزل الأستاذ عادل إمام بالعجمي حيث كنا نعرض مسرحية الزعيم بمسرح السلام بالإسكندرية وانا كنت اقدم بها دورا ثانويا ؛ وفجأة جاءني اتصال من الريجيسير إبراهيم عمران يخبرني أن العرض الخاص للفيلم سيكون بعد غد يوم الاثنين في سينما ميامي بوسط القاهرة. ؛ حمدت الله ان الاثنين اجازة من المسرحية وبالتالي نزولي امراً مسموح به ؛ دق قلبي بشدة شعرت بحماس منقطع النظير ..
هاتفْت صديقي الدكتور أشرف محمد الذي كان وقتها معيدًا لمادة الورشة الإبداعية التي كان يدرسها لنا الأستاذ وحيد حامد واتفقنا أن نذهب معًا إلى العرض الخاص ؛ وبالفعل قابلته أمام مطعم الجريون بوسط البلد حيث أوقفت سيارتي وسرنا على الأقدام باتجاه سينما ميامي موقع الحدث ..
كانت السينما مكتظة بالحضور وأضواء تلمع وكبار المخرجين والكتاب وصناع السينما يتوافدون إلى المكان أما أفيش الفيلم فكان محاطًا بالأنوار وصور النجوم تزين الشارع ؛ صحيح أنني لم أجد أي أثر لصورتي ولا حتى لاسمي على الأفيش لكنني لم أضق بذلك ؛ كنت منبهرًا بالحالة كلها بالزحام والصحافة والأضواء والوجوه التي طالما رأيتها على الشاشة وها أنا الآن أقف بينها !!
دخلنا السينما وجلسنا إلى مقاعدنا ثم خفتت الأضواء وبدأ العرض ..
كنت أنتظر ظهوري بفارغ الصبر. لكنني اكتشفت، وأنا أشاهد الفيلم، أننا — على حد تعبير سناء جميل في المشهد الشهير الذي جمعها بأحمد زكي — «صغيرين أوي يا سيد»!
فقد مر دوري أمامي بسرعة البرق !! ثلاثة أيام من التصوير وثلاثة أيام من الوقوف أمام أحمد زكي وسنة كاملة من الانتظار والأحلام اختُزلت على الشاشة في ظهور لم يتجاوز ثلاث دقائق !!
ثم مضت الأحداث الحقيقية للفيلم وكأن ظهوري لم يكن سوى ومضة عابرة في سياق الحكاية ؛ كانت ثلاث دقائق فقط، لكنها كانت كفيلة بأن تترك في داخلي ضيقًا شديدًا.
ثم أضاءت الصالة أنوارها بعد نهاية الفيلم وسط تصفيق الحضور وراحت شاشة النهاية تعرض أسماء المشاركين في العمل .. كنت أبحث عن اسمي وحين ظهر وجدته أول اسم بين أسماء الممثلين الثانويين الذين شاركوا في الفيلم!!
بدل أن يفرحني الأمر زادني انكسارًا وضيقًا !! كنت قد دخلت السينما وأنا أتخيل أنني على موعد مع المجد فإذا بي أكتشف أنني مجرد اسم صغير في ذيل حكاية كبيرة..
خرجنا من القاعة إلى الشارع سرنا نحو السيارة وسط الناس وزحام السيارات وأنا على حالي صامتًا تمامًا لم أنطق بحرف …
كان أشرف محمد يمشي إلى جواري وربما كان يعرف أن أي كلمة في تلك اللحظة قد تزيد الأمر ثقلًا حتى كسر صمتي بوضع يده على كتفي وقال:
«دايمًا البدايات كده… ما تزعلش ما أنت عشان توصل لازم تطلع السلم من أوله! بكرة تكبر وتوصل وتفتكر اللحظة دي وتضحك».
لم أجب واكتفيت بابتسامة ودموعي متحجرة وانا أقاومها حتي لا تنزل .. لكن كلماته بقيت معي.
ومضت الأيام وبدأ السلم يرتفع درجة بعد أخرى ومع كل درجة كنت أصعدها كانت تأتيني مكالمة من الدكتور أشرف محمد كان يبارك لي ويذكرني بتلك الليلة القديمة ؛ ليلة سينما ميامي ويقول لي بطريقة أو بأخرى:
< أتذكر الليلة التي ظننت فيها أنها ليلة النهاية؟>
كنت أضحك هذه المرة فما ظننته يومها نهاية كان في الحقيقة بداية ؛ وما حسبته خيبة كان درسًا وما بدا لي ثلاث دقائق ضائعة كان أول سطر في حكاية أطول مما تخيلت ..
وهكذا اكتشفت بعد سنوات أن بعض الأصدقاء لا يكتفون بأن يقفوا إلى جوارك في لحظة انكسارك بل يحتفظون لك بذاكرة الطريق ويذكّرونك بها كلما تقدمت خطوة هكذا كان الدكتور أشرف فقد ظل يفعل ذلك مع مع كل درجة جديدة ؛ كان يعيدني إلى تلك الليلة وإلى يده على كتفي وإلى الجملة التي لم أفهم عمقها وقتها:
«عشان توصل… لازم تطلع السلم من أوله».
واليوم كلما تذكرت الحكاية أبتسم ؛ فقد صدق الدكتور أشرف محمد وكانت تلك، فعلًا مجرد أول درجة في السُلم ..