لا يحتاج تنظيم الإخوان الإرهابي إلى خصومٍ يرسمون نهايته؛ فقد تكفلت أفعاله الفاضحة وصنائع أيدي عناصره بإنهاء وجوده سياسيًا وأخلاقيًا.
إن الهزيمة الحقيقية للجماعة الإرهابية ليست تلك التي تفرضها المعارك السياسية أو الإعلامية، بل حالة الانحلال الداخلي التي يعيشها التنظيم؛ حين تتحول سلوكيات عناصره إلى وثيقة إدانة دامغة، تفضح زيف خطابه المنافق، وتكشف عورته السياسية على نحو يعجز عنه ألد أعدائه.
وفي هذا السياق، لا تبدو المشاهد المخزية للإخواني أنس حبيب أمام السفارة المصرية في لاهاي مجرد سقطة عابرة، بل مرآة تعكس المستنقع الحقيقي للفكر الإخواني؛ وصفعة قوية تبدد ما تبقى من قناع الأخلاق والفضيلة المزيفة التي تاجر بها التنظيم لعقود.
وعندما يُستبدل العمل السياسي بالسباب الرخيص، والتجريح الشخصي، والبذاءة الفجة، يسقط القناع الأخير؛ ليتأكد أن هذه الجماعة قد انتحرت دينيًا وأخلاقيًا قبل أن تسقط سياسيًا، ولم يتبقَّ منها سوى ظاهرة صوتية بذيئة تلفظ أنفاسها الأخيرة.
وحين نعود بالذاكرة إلى محطات التاريخ، قريبها وبعيدها، نجد أن هذا المستنقع اللفظي والسلوكي ليس طارئًا على الجماعة، وإنما هو انعكاس لعقيدة تنظيمية تبيح الوسيلة المنحطة في سبيل تحقيق غاياتها السياسية.
لقد دأبت الجماعة منذ نشأتها على ارتداء ثوب الفضيلة والورع أمام العوام، بينما تُطلق ألسنة لجانها وعناصرها، خلف الأبواب المغلقة وفي اجتماعات الأسر والشُّعب والمعسكرات الإخوانية، لنهش كرامة الخصوم بأحط العبارات.
إن هذا الانفصام الأخلاقي المتجذر يبرهن على أن «الأدبيات التربوية» التي يتبجح بها التنظيم لم تكن يومًا سوى غلاف خارجي هش، يتساقط فور أول مواجهة سياسية حقيقية؛ لتظهر الحقيقة عارية: جماعة عاجزة عن تقديم فكر أو بديل وطني، لا تملك في جعبتها سوى بذاءة اللسان وتشويه الشرفاء، تعويضًا عن إفلاسها الشامل ونهايتها المحتومة.
الصورة الذهنية الخادعة
منذ تأسيس جماعة الإخوان عام 1928، احتلت الصورة الأخلاقية للداعية مكانة مركزية في خطابها الاجتماعي.
وفي «مرحلة التعريف»، ارتبط تقديم الدعوة بصورة الرجل المتدين، الزاهد، الهادئ، البشوش، القريب من الناس؛ رجل لا يطلب لنفسه شيئًا، وإنما يحمل رسالة إصلاحية إلى المجتمع.
كانت تلك الصورة أحد أهم مداخل بناء الثقة؛ فالمجتمع المصري، الذي يمنح للأخلاق والتدين مكانة معتبرة، يستطيع أن يختلف مع فكرة سياسية، لكنه يظل شديد الحساسية تجاه التناقض بين القول والفعل.
غير أن الانتقال من الدعوة الاجتماعية إلى المنافسة السياسية يضع الصورة المعلنة أمام اختبار مختلف؛ إذ لا يعود السؤال متعلقًا بما يقوله الداعية عن فضائل الأخلاق، وإنما بما يفعله عندما يشتد الخلاف، وتتصادم المصالح، ويصبح الخصم السياسي عقبة أمام طموحاته.
إن المبادئ التي تُباع وتُشترى في سوق الخصومة السياسية ليست أخلاقًا بالأساس، بل غطاء دعائي رخيص يستوجب تجريد أصحابه من أي مصداقية، بعدما ثبت أن طهارة المسلك لديهم تنتهي فور صدام المصالح.
وهنا تقودنا الذاكرة التاريخية إلى وثيقة شديدة الأهمية.
«الكشكول الجديد» .. مدرس الخط ومأسسة الدناءة
في سبتمبر 1947، ظهرت مجلة «الكشكول الجديد»، التي استمر صدورها حتى نوفمبر 1948، في سياق الصراع الإعلامي والسياسي بين الإخوان وحزب الوفد، بتوجيهات وتمويلات من الإنجليز والقصر.
وتكتسب قصة تأسيسها أهمية خاصة؛ لأنها لم تصل إلينا من خصوم الجماعة وحدهم، وإنما رواها محمود عساف، أحد المقربين من مدرس الخط حسن البنا، في كتابه «مع الإمام الشهيد حسن البنا» !!
يذكر عساف أن البنا ناقش معه كيفية الرد على الصحافة الوفدية، وأنه كلفه بإصدار مجلة مستقلة تواجه ذلك الهجوم بأسلوب بذيء، مع إبقاء صحيفة الإخوان اليومية بعيدة عن هذه اللغة المنحطة؛ حفاظًا على صورتها الكاذبة.
وتنسب شهادة عساف إلى البنا عبارة لافتة مفادها : »لا سبيل للرد على الوفد إلا بالسباب»
ولعل الدلالة الأعمق هنا لا تكمن في العبارة وحدها، وإنما في الفصل المقصود بين منبر يحتفظ بـ«الوقار المعلن»، ومنبر آخر يتولى الرد الهجومي بالدناءة وفحش اللسان.
وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف أمكن لجماعة تدعي أن مرجعيتها إسلامية أن تقبل استخدام خطاب هجومي بذيء في مواجهة الخصوم السياسيين؟
إنها ليست تفصيلة هامشية في تاريخ التنظيم، بل مفتاح لفهم صناعة الصورة الذهنية ذات الوجهين: وجه للعرض أمام المجتمع، وآخر للخصومة حين تسقط الأقنعة.
أنس حبيب.. وكاميرا الموبايل
بعد نحو ثمانية عقود، نجد أنفسنا أمام مشهد مختلف في الوسيلة، لكنه يثير السؤال الأخلاقي نفسه.
فبدلًا من صفحات المجلات الإخوانية البذيئة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة للصراع مع الدولة، وأصبحت كاميرا الموبايل أداة لصناعة المشهد وتوسيع انتشاره.
وفي التسجيلات المتداولة المرتبطة بأنس حبيب أمام السفارة المصرية في هولندا، برزت ألفاظ وضيعة منحطة وإساءات شخصية إلى العاملين بالبعثة الدبلوماسية.
والسؤال: ما الذي يضيفه التجريح الشخصي إلى أي قضية تريد أي جماعة سياسية الدفاع عنها؟
وما الذي يحققه توجيه الإهانات إلى أفراد يعملون داخل بعثة دبلوماسية، سوى نقل انتباه الجمهور من مضمون «الاحتجاج» إلى سلوك صاحبه، في مشهد يُراد له أن تنتشر عدواه السامة الوضيعة بين الشباب؟
وهل أصبحت البذاءة بطولة لأنها صُوِّرت؟ وهل يتحول التجريح، في حماية الشرطة الهولندية، إلى شجاعة لمجرد أنه نُشر على الملأ؟
إن الكاميرا هنا ليست شاهدًا محايدًا؛ إنها جزء من صناعة المشهد. غير أن المفارقة أن العدسة التي أُريد لها أن تمنح الفعل بطولةً هي ذاتها التي حفظت بذاءته، وقدمتها إلى الجمهور بلا رتوش.
من «الكشكول» إلى الهاتف المحمول
المقصود من المقارنة بين تجربة «الكشكول الجديد» وواقعة أنس حبيب ليس مجرد استدعاء واقعتين تفصل بينهما ثمانية عقود، وإنما إثبات امتداد منهج التسفل في الخصومة، وتتبع مفارقة الإخوان وأرحامهم السياسية المستأجرة وازدواجيتهم ونفاقهم الواضح: إعلان التمسك بالأخلاق من جهة، وتبرير اللغة الوضيعة ضد الدولة من جهة أخرى.
في التجربة التاريخية، كان الحفاظ على صورة الصحيفة الرسمية أحد الاعتبارات التي وردت في شهادة الإخواني محمود عساف.
أما في عصر المنصات الرقمية، فقد أصبح الفصل بين الصورة المعلنة والممارسة الفعلية أكثر صعوبة؛ لأن الكاميرا تختصر المسافات، وتحمل الكلام إلى جمهور أوسع كثيرًا من الدائرة التي وُجه إليها.
وهنا تنقلب المعادلة.
فما كان يُراد له أن يكون أداة للتعبئة قد تحول إلى مصدر للنفور والاشمئزاز، وما يُقدَّم باعتباره فعلًا جريئًا رأيناه خروجًا على أبسط قواعد الدين والأخلاق.
والسؤال الذي يستحق التوقف أمامه ليس: هل نجح أنس حبيب في جذب الانتباه؟
بل: أي صورة تركها المشهد في أذهان الذين شاهدوه؟ وهل خدم جماعته، أم جلب لها اللعنات؟
فالانتشار الرقمي لا يعني قبولًا اجتماعيًا، والضجيج لا يصنع مشروعية سياسية، وارتفاع الصوت لا يرفع صاحبه حين تهبط مفرداته إلى قاع الوضاعة .
وهنا يصبح أنس حبيب متَّبعًا لا مبتدعًا؛ تتغير الوسيلة من الورق إلى الهاتف المحمول، ويبقى المنهج حاضرًا: صورة أخلاقية للعرض، ولسان آخر عندما تبدأ الخصومة.
حلمي الجزار.. حين يصبح رفض الخوض في الأعراض قضية
إذا كانت واقعة لاهاي تثير سؤالًا عن حدود الخطاب السياسي، فإن تطورًا آخر شهدته أوساط الإخوان خلال أغسطس 2026 يجعل السؤال أكثر إلحاحًا.
فقد دعا القيادي الإخواني حلمي الجزار إلى الامتناع عن الخوض في أعراض الخصوم السياسيين وانتهاك حرماتهم، مؤكدًا أن اشتداد الخلاف لا يبرر هذه الممارسات.
والمثير أن الدعوة لم تمر باعتبارها تذكيرًا بقاعدة أخلاقية جامعة، بل أثارت هجومًا وجدالًا داخل أجنحة الجماعة المتشظية، أظهرت تمسكًا كبيرًا بالبذاءة وفحش اللسان!
وهنا تتجاوز المفارقة حدود السجال السياسي.
فحين تصبح المطالبة بصون الأعراض سببًا للخلاف داخل أجنحة الجماعة، فإن المشكلة لم تعد مجرد كلمة منفلتة، بل كشفًا لحقيقة الوجه القبيح الذي تخفيه الجماعة تحت قناع الدين والتقوى.
ولعل ما يستحق التأمل أن الجزار لم يطالب بالتوقف عن الكذب أو إطلاق الشائعات ضد الدولة، وإنما دعا إلى عدم انتهاك الحرمات الشخصية تحت ستار الخلاف.
وهذا تمييز جوهري؛ لأن الخصومة السياسية، مهما بلغت حدتها، لا تمنح صاحبها حق تحويل الحياة الخاصة للأفراد وأسرهم إلى ميدان للتشهير.
فالخوض في الأعراض ليس حجة سياسية، ولا دليلًا على صحة موقف، ولا تعبيرًا عن شجاعة صاحبه.
إنه اعتداء على الكرامة الإنسانية، ومحاولة لنقل الصراع من الأفكار والمواقف إلى الأشخاص وحرماتهم.
والأخطر من الإساءة الفردية أن تتحول إلى أسلوب يتسامح معه أرحام الجماعة المستأجرة ما دام يستهدف خصومهم؛ عندئذ يصبح الانتماء السياسي معيارًا مزدوجًا للحكم على السلوك، فتُدان الإهانة إذا صدرت عن الخصم، ويُبحث لها عن الأعذار إذا صدرت عن الحليف.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لشعارات الجماعة وأرحامها السياسية المستأجرة، الذين يطلون علينا برعاية الأجهزة الاستخباراتية المعادية والخصوم!
انتحار الإخوان
لم يعد الحديث اليوم عن تراجع سياسي أو انحسار شعبي لتنظيم الإخوان الإرهابي، بل نحن أمام » شهادة وفاة« مكتوبة بأيدي عناصر التنظيم أنفسهم.
إن تهافت المنصات الرقمية ولجانهم الإلكترونية وأرحامهم السياسية المستأجرة للاحتفاء بلقطات غوغائية بذيئة ليس إلا دليل الاحتضار الأخير؛ فوهم الحشد الرقمي لم يستطع مواراة جثة التنظيم الهامدة أخلاقيًا.
لقد انقلب السحر الرقمي على الساحر الإخواني، وتحولت تلك المشاهد الفوضوية الموجهة لغسيل أدمغة الشباب إلى وثيقة إعدام علنية، صدمت المجتمع وحصرت رسالة الجماعة في مستنقع الإساءة والتشهير.
وهنا يتجلى المعنى الحقيقي لانتحار الإخوان؛ فالضربة القاضية لم تأتِ من الخارج، بل جاءت برصاصة الجهل التي أطلقها التنظيم على نفسه، حين قدّم للعالم برهانًا ساطعًا على زيفه.
وإنها لمهزلة تاريخية تكشف الموت السريري لهذا الكيان الخبيث: كيف لجماعة تبجحت لعقود باحتكار «المشروع الأخلاقي والتربوي» أن تقف اليوم عاجزة، تنهش ألسنة عناصرها الأعراض والكرامات، حتى بات بعض شيوخها يستجدون من بقايا قواعدها الالتزام بأبسط الأخلاقيات البدائية؟
إن هذا السجال الداخلي الفاضح ليس مجرد أزمة سلوكية، بل الإعلان الرسمي الموثق لـ«وفاة جماعة الإخوان» التي دفنتها بذاءة أفعالها، ولم يتبقَّ من تاريخها سوى مادة للتشويه تثير لفظ المجتمع واشمئزازه.
والمفارقة الأكثر قسوة أن التنظيم لم يحتج هذه المرة إلى خصم يشوه صورته؛ فالصورة خرجت من كاميرا أصحابه، والإدانة حملت توقيعهم، ومشهد الانتحار بُثَّ بأيديهم.
مصر.. أخلاق المجتمع أعظم من خصومات السياسة
المجتمع المصري، بتراثه القيمي العريق، يضع كرامة الإنسان وحرمة الأعراض فوق أي صراع سياسي.
لقد ظن تنظيم الإخوان الإرهابي واهمًا أن الاستقطاب يبرر له نهش الأعراض وتشويه الشرفاء، فجاء الرد من وعي هذا الشعب الذي يرفض بالفطرة أن يُقاس العمل السياسي بمدى فجاجة اللسان، أو أن يُختزل الدين في مظاهر جوفاء تنفصل عن نبل السلوك وعفة المنطق.
إن المأساة الكبرى التي تصيب هذا التنظيم اليوم ليست مجرد خسارة لمعركة سياسية، بل تبدد شرعيته الأخلاقية بالكامل.
فالتاريخ يثبت بوضوح أن الصورة الدعائية البراقة التي اجتهد حسن البنا في غزلها تقيةً على مدار عقود، قد مُزقت تمامًا بأيدي عناصره، بعدما اتسعت الهوة بين ادعاء الفضيلة وبين إباحة الأعراض والكذب على الشاشات وفي الفضاء الرقمي.
إن تحول المدعو «أنس حبيب» إلى رمز لهذه الغوغائية يعيد طرح السؤال الوجودي الذي يتهرب منه التنظيم: كيف لكيان أن يدعي الإصلاح وهو يقتات على البذاءة؟
إنها المفارقة الفاضحة التي أطلقت رصاصة النهاية على ما تبقى من هذا الكيان.
قد يبقى للتنظيم وجود باهت، كأفراد هائمين في الشتات، لكن المؤكد أنهم خسروا إلى الأبد أثمن ما يُبنى في وجدان الشعوب: الاحترام.
لقد كُتبت شهادة وفاتهم يوم تبيّن للمجتمع أن «أخلاق الإخوان» لم تكن سوى قناع رخيص يُخلع عند أول بادرة خصومة؛ وأن الابتسامة الصفراء التي صُنعت بعناية في «مرحلة التعريف» كان يختبئ خلفها لسان آخر، لا يظهر فُحشه إلا حين تسقط الأقنعة.
ومن «الكشكول الجديد» إلى كاميرا أنس حبيب، تغير الزمن وتغيرت الأدوات، وبقي الامتحان الأخلاقي واحدًا؛ غير أن الفارق أن ما كان يمكن إخفاؤه خلف أبواب التنظيم وصفحات صحافته، أصبح اليوم يُصوَّر ويُنشر بأيدي أصحابه.
وهكذا لم يحتج الإخوان إلى خصم يهدم صورتهم؛ فعلوها بأنفسهم.
ولم يحتج أحد إلى اغتيال صورتهم الذهنية؛ فقد انتحرت أمام كاميرا موبايل أنس حبيب .