عاجل

«إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ، وَأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ، وَأَكْرَمَ الْكَرَمِ حُسْنُ الْخُلُقِ».

تلخص هذه الحكمة المنسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب أربعة معايير أساسية لتقييم الإنسان: العقل، وحسن التصرف، والتواضع، والأخلاق. وهي معايير لا ترتبط بحجم الثروة أو المكانة الاجتماعية، بقدر ارتباطها بطريقة التفكير والسلوك والتعامل مع الآخرين.
العقل.. أساس حسن الاختيار
لا تتوقف قيمة العقل عند امتلاك المعلومات أو سرعة الفهم، بل تظهر في قدرة الإنسان على اتخاذ القرار المناسب، وتقدير عواقب تصرفاته، والتمييز بين ما يحقق له مصلحة حقيقية وما يسبب له خسائر كان يمكن تجنبها.
وقد يمتلك الإنسان المال والخبرة، لكنه يخسرهما بسبب التسرع أو سوء التقدير. وقد تتوافر له فرص النجاح، لكنه يبددها نتيجة العناد أو عدم القدرة على التعلم من أخطائه.
ومن علامات العقل الناضج أن يراجع الإنسان مواقفه، ويقبل النصيحة، ويعترف بخطئه عندما يتبين له الصواب. فالإصرار على الرأي ليس دليلًا على قوته، كما أن التراجع عن الخطأ ليس ضعفًا في الشخصية.
والإنسان لا يُلام لمجرد وقوعه في الخطأ، وإنما تكمن المشكلة في أن يكرر الخطأ نفسه دون مراجعة، أو يرفض الحق لمجرد أنه جاء على خلاف رأيه.
العُجب.. حين تتحول الثقة بالنفس إلى استعلاء
يؤثر العُجب في طريقة تعامل الإنسان مع الآخرين؛ إذ يجعله أقل استعدادًا لسماع النقد، وأكثر ميلًا إلى التقليل من آراء غيره. ومع الوقت، قد يخسر ثقة المحيطين به، حتى لو كان يمتلك علمًا أو مالًا أو خبرة تستحق التقدير.
والفرق واضح بين الثقة بالنفس والغرور؛ فالثقة تدفع الإنسان إلى العمل وتحمّل المسؤولية، أما الغرور فيدفعه إلى المبالغة في تقدير ذاته، ورفض الاعتراف بفضل الآخرين أو الاستفادة من خبراتهم.
وقد نهى القرآن الكريم عن الكبر والخيلاء، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18].
ولا يعني التواضع أن يتنازل الإنسان عن حقوقه أو يقلل من قدر نفسه، وإنما أن يحترم الآخرين دون أن يرى نفسه أعلى منهم، وأن يتعامل مع الناس بحسب حقوقهم وكرامتهم، لا بحسب ما يملكونه من مال أو نفوذ.
النجاح لا يُقاس بالمال وحده
لا تعارض بين النجاح المادي والاستقامة الأخلاقية، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح المال أو المنصب معيارًا وحيدًا للحكم على الناس، ويُغض الطرف عن أساليب الوصول إليهما وآثارهما في الآخرين.
فالمجتمع يحتاج إلى أصحاب المال، لكنه يحتاج أيضًا إلى وعي يحسن توظيف الثروة، وإلى علم يرتبط بالمسؤولية، وإلى أخلاق تضبط استخدام السلطة والنفوذ. كما أن الأسرة لا تحتاج إلى توفير الاحتياجات المادية وحدها، بل تحتاج إلى الحوار والعدل والاحترام.
وتظل حكمة الإمام علي، بما تتضمنه من ربط بين العقل والتواضع وحسن الخلق، تذكيرًا بأهمية مراجعة المعايير التي نحكم بها على أنفسنا والآخرين. فالثروة وحدها لا تدل على حسن التدبير، والعلم وحده لا يكفي للحكم على أخلاق صاحبه، والمكانة الاجتماعية لا تمنح صاحبها حق الاستعلاء على الناس.
قيمة الإنسان تظهر في قراراته، وفي قدرته على التعلم من أخطائه، وفي الطريقة التي يعامل بها الآخرين، خاصة حين يمتلك ما يمنحه القوة عليهم.

تم نسخ الرابط